"بروباغندا".. نقد القيم الغربية من خلال التخفِّي في معطف الآخر

حفظ

كنت قد ناقشت قضية قدرة الفيلم الوثائقي على الكذب أحيانا، وأنه ليس كل ما نراه فيه صادق وحقيقي بالضرورة، بل يمكن التلاعب بالصورة وبالوثيقة، وتحميلها معنى غير المعنى الأصلي الذي صُوِّرت من أجله، فالتلاعب بالصورة موجود منذ أن بدأت فكرة الدعاية باستخدام الصور، في الصحافة أولا، ثم بعد ذلك في التلفزيون والأفلام الوثائقية الدعائية.

لكن "الكذب" يمكن أن يأتي في سياق آخر مختلف عن سياق التضليل بالصورة، وهذا السياق الجديد هو تحديدا ما يثيره فيلم "بروباغندا" أو "دعاية" (Propaganda)، وهو أحد أشهر الأفلام الوثائقية التي ظهرت خلال السنوات الماضية.

ولهذا الفيلم قصة طريفة تعكس أسلوب "التضليل" المؤقت الذي استخدمه صانعوه، ففي عام 2012، كانت "سابين" في زيارة لأهلها في سيول عاصمة كوريا الجنوبية، فأوقفها في الطريق رجلان زعما أنهما من المنشقيّن عن النظام في كوريا الشمالية، ثم سلّماها أسطوانة مدمجة (DVD)، وطلبا منها ترجمة الفيلم الموجود عليها إلى الإنجليزية، ثم تحميله على قناة يوتيوب، لإتاحة الفرصة لأكبر عدد من الناس في العالم لمشاهدته.

وقد أخبراها أنهما قصداها بسبب براعتها في الترجمة من الكورية إلى الإنجليزية، فوافقت على القيام بالمهمة، كما اتفقت معهما على إبقاء هويتيهما طي الكتمان، وأن يبقى دورها في ترجمة الفيلم وبثه مجهولا.

بدأت "سابين" ترجمة الفيلم على أجزاء، وكانت كلما انتهت من ترجمة جزء منه تبثه على يوتيوب، وبعد أن شاهدت محتوى الفيلم توصّلت إلى قناعة بأن الرجلين اللذين سلماها الأسطوانة عميلان من عملاء جهاز الاستخبارات في كوريا الشمالية، ومع ذلك احترمت رغبتهما في التعبير عن أفكارهما السياسية.

"أين باقي الأجزاء؟".. فيلم جاذب يحقق مشاهدات عالية

بدأ الفيلم يظهر على أجزاء على يوتيوب، وكان مكونا من عشرة أجزاء، وأقبل كثيرون على مشاهدته بوصفه فيلما من كوريا الشمالية، بل إنهم أخذوا يتساءلون: أين باقي الأجزاء؟ وما هذا؟ ولماذا لا يظهر الفيلم دفعة واحدة؟ وكانت "سابين" تجيب باسم مستعار بقولها إن السبب هو أنها تترجم الفيلم تدريجيا، وكلما أنهت جزءا منه بثته.

بوستر الفيلم الكوري "دعاية"

وقد تجاوز عدد من شاهد الفيلم أكثر من مليون خلال أسابيع، وسرعان ما أعلن مهرجان أمستردام للأفلام الوثائقية، أحد أكبر وأهم تلك المهرجانات المتخصصة في العالم -عن عرض فيلم "بروباغندا" في برنامجه.

إعلان

وقبيل العرض ظهر منتجه ومخرجه، واتضح أنهما ليسا من كوريا الشمالية، بل من نيوزيلندا، وأن الفيلم الذي يُقدِّم نقدا قاسيا للمجتمعات الرأسمالية، يتستر تحت راية كوريا الشمالية، لكي يسمح لنفسه بتقديم نوع من الدعاية المضادة التي تشمل المجتمع الرأسمالي بقيمه الاستهلاكية، وتكشف دوافعه لاستغلال الشعوب الأخرى، وشنّ الحروب واختلاق الذرائع، بل حتى تزييف الحقائق من أجل تبرير السياسات المعادية لقيم الحرية والديمقراطية التي يروِّج لها الإعلام الغربي ليلا ونهارا.

كما يكشف الفيلم عن آليات الدعاية وكيفية التأثير على الرأي العام باستخدام نجوم السينما ومشاهير الرياضة، لدفع الناس إلى الجري وراء مزيد من الاستهلاك، فهذا الفيلم (95 دقيقة) يستخدم آليات الدعاية السينمائية لنقد مفهوم الدعاية.

لقطات الأخبار والدعاية والتسجيلات.. أرشيف غني

الفيلم من إنتاج مايك كيلاند"، ومن كتابة وإخراج "سلافكو مارتينوف". ويستخدم المخرج الممثل الكوري "يوجين تشانغ" الذي يجلس على مقعد يواجه الكاميرا مع تشويه وجهه، ويقدم على أنه بروفيسور في علم النفس، وهو الذي يُقدِّم الفيلم، ويُعلِّق على لقطاته، ويشرح للمشاهدين، ويروي ما وراء الصور على طريقة أفلام الدعاية التعليمية المعروفة.

والطريف -كما صرح مخرج الفيلم- أن أكثر المشاهدين ما زالوا يُصدقّون أكذوبة أن الفيلم ينتمي إلى كوريا الشمالية!

هل كان فيلم "دعاية" كوريا؟ أم أنه تقمص اللغة الكورية لإيصال رسالة موجعة للعالم؟

يعرض الفيلم مئات اللقطات التي جُمعت من المواد الإخبارية وأفلام الدعاية والصور الفوتوغرافية وقصاصات الصحف والتسجيلات الصوتية، وغيرها من المواد التي اقتضى الحصول عليها جهدا هائلا، ثم مُزجت من خلال المونتاج الذي يستخدم التناقض بين الصوت والصورة، وبين الصور فيما بينها، لتحقيق التأثير المطلوب.

ويستخدم المخرج العناوين المكتوبة التي تظهر على الشاشة عناوين لفصوله مثل "احذروا الـ1%"، "إعادة كتابة التاريخ"، "مولد الدعاية"، "الإخفاء والاستبعاد"، "التستر على الجرائم"، "التلفزيون"، "الإعلانات التجارية".. وغير ذلك.

نظرية المؤامرة.. أسباب خفية لأحداث غيّرت التاريخ الحديث

في هذا الفيلم توضع جميع مظاهر الحياة في المجتمعات الغربية تحت المجهر، من خلال الصور والتعليق، وهو يبدو مقنعا في معظم أجزائه، خصوصا أنه يلمس الجانب الإنساني لدى المشاهد، الذي يرفض العنف والقتل والاضطهاد وتبرير المذابح.

لكنه يميل إلى التبسيط عندما يؤكد مثلا، على أن ما حدث في 11 سبتمبر/ أيلول 2001 كان مُعدّا له جيدا من جانب أجهزة الاستخبارات الأمريكية، حين كانت تريد إيجاد مبرر لغزو أفغانستان والعراق، تحت شعار "الحرب ضد الإرهاب".

بدعوى الحرب على الإرهاب، قاد بوش الابن حربا ظالمة على أفغانستان والعراق قتل فيها خلق كثير

ويقارن الفيلم بين 11 سبتمبر وبين تحطيم الأسطول الأمريكي بقاعدة "بيرل هاربر" في الهجوم الجوي الياباني عام 1941، وهي الموقعة التي أدت إلى دخول أمريكا الحرب العالمية الثانية بجانب الحلفاء في أوروبا وآسيا.

إعلان

ويرى صناع الفيلم -طبقا لنظرية المؤامرة الشهيرة- أن الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس "روزفلت"، كانت قد تلقّت تحذيرات بالهجوم الياباني الوشيك على قاعدتها، من روسيا وبريطانيا بل (من بلادنا أيضا نحن الكوريين، فقد حذّرنا واشنطن وزودناها بالمعلومات وقتها).

لكن الإدارة الأمريكية لم تُحرِّك ساكنا عن عمد، حتى تصبح الموقعة مبررا أمام الرأي العام الأمريكي لدخول أمريكا الحرب العالمية الثانية بجانب الحلفاء في أوروبا، مع أن الشعب الأمريكي كان معارضا للحرب حينها، بدعوى أن الأراضي الأمريكية ليست عرضة للخطر (نرى في الفيلم نماذج من الأمريكيين يتحدثون عن رفضهم اشتراك أمريكا في الحرب).

"الحزب الديموجهوري".. مؤسسة تخدم جماعات المصالح والاحتكارات

يُحذِّر الفيلم مشاهديه من ذلك التحالف الذي يضم جماعة 1% من "الأغبياء والحمقى ومحدودي الذكاء الذين يُسيطرون على العالم رعاة المصالح الرأسمالية".

ويسخر الفيلم من مفهوم الديمقراطية في الغرب، ويطلق على الحزبين المتنافسين في الولايات المتحدة "الحزب الديموجمهوري"، وأنه لا فرق بين "بوش" و"كلينتون" و"أوباما"، وأن "أوباما" يخدم نفس الاحتكارات والمصالح، وأنه يفعل ما يُملى عليه، وأن كل شيء يروج له في ثقافة الغرب إنما يخدم جماعات المصالح والاحتكارات، مثل الحروب والسلع التجارية والترويج للتسوق والمنافسات وعروض الأزياء والأفلام السينمائية التي تروِّج للعنف، وتبرر إبادة الهنود الحمر والاعتداء على الشعوب الأخرى التي ترى أنها أدنى حضاريا، في ظل الكنيسة التي تبارك الغزو، وكانت تؤيد النازية والفاشية في أوروبا.

الحروب الأمريكية في العالم خلفت قتلا ودمارا هائلين خالف كل مواثيق حقوق الإنسان والمعاهدات الدولية

تتردد هذه الأفكار كلها في الفيلم على خلفية من اللقطات والصور الوثائقية التي تتوالى في إيقاع سريع متدفق، كمشهد الرئيس "بوش الابن" وهو يصف حملته على العراق بأنها "حملة صليبية"، من أجل الدفاع عن قيم الحرية والديمقراطية، ولقطات لغزو فيتنام وضحايا الغزو من الأطفال النساء، وجثث بالآلاف، وتدمير البنى التحتية لبعض البلدان، ولقطات من أفلام المخرج "تارانتينو" والممثل "كلينت إيستوود" المليئة بالعنف والقتل.

الرئيس الأمريكي "هاري ترومان" الذي أمر بإسقاط القنبلتين الذريتين على اليابان

ومن أخطر ما نراه في الفيلم وثيقة مصوَّرة بالأبيض والأسود، تظهر فيها طفلة أمريكية مع أسرتها في جمع من الأمريكيين في لقاء مع الرئيس "هاري ترومان"، إذ توجِّه الطفلة السؤال التالي إلى "ترومان" بنبرة ملؤها الحزن: لماذا ألقيت بالقنبلة الذرية على هيروشيما يا سيدي الرئيس؟ فيرتبك "ترومان" برهةً، ثم يقول إن هذا كان أصعب قرار اتخذه، وأنه فعل ما يرى أنه الصواب. ثم نرى "نيكسون" يتحدث عن "السلام المشرف" في فيتنام، مع لقطات لأكوام من جثث الضحايا.

جدار الفصل العنصري.. سياسات الحلف الصهيوني الغربي

يُخصِّص الفيلم جزءا منه لنشأة إسرائيل، ويشرح أنها صنيعة التعاون بين الصهاينة والغرب، وقد سيطرت على أراضي فلسطين، ووظفّت الدعاية التي تُذكِّر العالم بما يُسمى "الهولوكوست"، لتبرير احتلال أرض فلسطين وتشريد الفلسطينيين.

الاحتلال الصهيوني يمارس سياسة هدم البيوت والقتل والتهجير بحق الفلسطينيين

ويشرح كيفية تبرير إسرائيل ما تمارسه من عنف ونسف البيوت والتهجير القسري والقتل الجماعي تحت ستار "مكافحة الإرهاب، والدفاع عن النفس، وحماية الحدود.. إلخ، وأنها تلجأ لسلاح الدعاية لإقناع العالم بموقفها، حتى أنها تمارس الرقابة على الإعلام، لحجب ما لا ترضى عنه من مواد.

أمريكا قامت على جثث ملايين الهنود الحمر، السكان الأصليين للأرض

ويُصوِّر الفيلم إقامة إسرائيل جدار الفصل العنصري بدعم أمريكي بلغ مليار دولار، ويُعيد عرض اللقطة الشهيرة التي هزّت العالم في زمن الانتفاضة الفلسطينية الأولى، التي نرى فيها جنود الجيش الإسرائيلي يُكسّرون بالأحجار ذراعي شاب فلسطيني.

إعلان

الدعايات التجارية.. وسيلة الترويج لكل ما هو فاسد

يُحلّل الفيلم نشأة الدعاية الإعلامية في العالم، ويظهر من خلال لقطات ومقاطع من عدة أفلام وثائقية قديمة، أن البريطانيين هم الذين بدؤوها عام 1914، عندما صنعوا كثيرا من الأفلام الوثائقية الدعائية التي كانت تُصوِّر مثلا قيصر ألمانيا مصاصا للدماء يسعى لتدمير الشعوب الأخرى، وذلك من أجل إقناع الرأي العام الأمريكي بالضغط على حكومته، لكي تدخل الحرب بجانب الحلفاء في أوروبا، وقد نجحت الدعاية البريطانية في ذلك.

الشركات الرأسمالية تستعمل الممثلاث سلعا للدعاية لمنتجاتها حتى لو كانت منتجات مضرة بالصحة

ثم ينتقل إلى إعلانات التليفزيون، فيعرض أنها تُستخدم للترويج لكل ما يُعدّ خطرا على صحة الإنسان، كالتدخين والشراب والاستهلاك المجنون والترويج لشراء الفراء مع التغاضي عن قتل الثعالب (نرى لقطات حقيقية لذبح الثعالب).

وتُستخدم العارضات للترويج لتلك السلع، وقد استخدمت الشركات الأمريكية المنتجة للسجائر عارضات حسانا، لإقناع نساء الطبقة الوسطى الأمريكية بأن التدخين "شيء مميز" لدى النساء، بعد أن كان يرتبط فقط ببائعات الهوى.

مادونا تستعمل أطفال أفريقيا للدعاية لها 

ويتوقف الفيلم أمام عدد من الشخصيات اللامعة اجتماعيا مثل "مادونا" و"مايكل جاكسون"، فقد استخدموا أطفال أفريقيا وغيرهم للدعاية لصورتهم، متظاهرين بدعم قضية الفقر والمرض في بلدان العالم الثالث.

تغيير المسلّمات.. نقد لاذع للقيم الغربية من الداخل

هذا الفيلم بشكله العام شديد الحيوية، ولا شك أنه يترك أثرا كبيرا على المشاهدين، ليس بالضرورة في إطار تبنّي كل ما يعرضه ويقوله، بل إن قوته الحقيقية تكمن في نقطتين:

في الوقت الذي يموت فيه ملايين الأطفال جوعا، تقام مسابقات التخمة في أمريكا والعالم المتقدم

أولا: إعادة استخدامه للوثائق المصورة من الأرشيف في سياق انتقادي لاذع، وكأنه صادر عن "العدو" أو "الآخر" الذي يناهض القيم الغربية. ثانيا: قدرته على دفع المشاهدين لإعادة النظر في كثير من المسلّمات، والمقارنة بين النازية والسياسة الإسرائيلية في فلسطين على سبيل المثال، وهو موضوع شديد الحساسية في الغرب.

لقد نجحت "الحيلة"، وأصبحت الكذبة مدخلا مثيرا إلى فيلم سرعان ما كشف عن حقيقته وحقيقة صانعيه، وأنه قادم في الحقيقة من الغرب، وليس من كوريا.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان