هل تحب الأغذية الدسمة والدهنية؟ لا تلم لسانك بل أمعاءك

هل تصارع الرغبة الشديدة في تناول الأطعمة الدهنية؟ هل تلوم لسانك -الذي من الصعب أن يقاوم المذاق اللذيذ للزبدة أو الآيس كريم- على حبك لها؟ دراسة جديدة تكشف أن الأمر يتعلق بالأمعاء والدماغ، وليس اللسان.

أجرى الدراسة باحثون في معهد زوكرمان بجامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأميركية، ونشرت في مجلة "نيتشر" (Nature) في السابع من سبتمبر/أيلول الجاري.

وقالت جامعة كولومبيا –في بيان صحفي أصدرته بشأن الدراسة– إن العلماء الذين يدرسون الفئران وجدوا أن دخول الدهون إلى الأمعاء يطلق إشارة، يتم نقلها عبر الأعصاب إلى الدماغ، تؤدي إلى الرغبة في تناول الأطعمة الدهنية.

وتطرح الدراسة إمكانية التدخل في الاتصال بين القناة الهضمية والدماغ للمساعدة في منع الخيارات غير الصحية ومعالجة الأزمة الصحية العالمية المتزايدة الناجمة عن الإفراط في تناول الطعام.

دهون ذائبة

لفهم الآلية التي يتطور فيها تفضيل الطعام الدهني، قام الباحثون بوضع عبوتين للفئران تحتوي إحداهما على "محليات صناعية" (artificial sweetener)، في حين تحتوي الأخرى على دهون ذائبة. في البداية، فضلت الفئران السكريات الصناعية، ولكن بعد 24 ساعة من تعرضهم للنوعين أصبحت تفضل الدهون.

فعلى سبيل المثال، قامت الفئران -بعد 48 ساعة من تعرضها لأول مرة للنوعين- بالشرب فقط من العبوة التي تحتوي على الدهنيات. هذا السلوك يظهر أن تناول الدهنيات للمرة الأولى يولد رغبة في تناولها مرة أخرى. ولوحظت نتائج مشابهة عند تعريض الفئران لسكريات تحوي الكمية نفسها من السعرات الحرارية التي تحويها الدهنيات، وذلك يثبت أن تفضيلات الفئران لا تعتمد على السعرات الحرارية التي تعرضت لها.

وظهرت نتائج تشير إلى أن القناة "تي آر بي إم 5" (TRPM5 channel) الموجودة داخل حليمات التذوق هي التي تصنع الرغبة اللحظية لتناول الدهون. في حين افترض الفريق البحثي أن الطعم الذي ينقل عبر هذه القنوات لا دور له في تطور الرغبة في تناول الدهنيات مستقبلا؛ ولاختبار ذلك، أجروا تجربتهم على فئران تفتقر لهذه القنوات. وبالفعل، أظهرت النتائج مرة أخرى أن رغبة الفئران في تناول طعام دهني تطورت على الرغم من عدم تذوقهم لطعم هذه الدهون.

تفضيل الدهنيات يتم عبر المحور الناقل من الأمعاء إلى الدماغ

يعتقد الباحثون أنه حتى تقوم الفئران بتفضيل الدهنيات على المُحليات فإن عليها التميز بينهما، وإذا ما عرف الباحثون الأعصاب التي تنشط في حال تعرض الفئران لهذه المحفزات سيكونون قادرين على معرفة مصدر الإشارات التي حفزت هذه الأعصاب.

لمعرفة ذلك، عرّض الباحثون مجموعة من الفئران لـ3 أنواع من الدهون، وعرّضوا مجموعة أخرى لمادتين تحملان قوام الدهنيات نفسها، وراقبوا بعد ذلك الإشارات العصبية، ليرصدوا نشاطا عصبيا لدى المجموعة التي تعرضت للدهون في "النواة الذنبية للقناة المفردة" (the caudal nucleus of the solitary tract) في جذع الدماغ، إذ إن هذه الأعصاب تعمل رابطا لنقل الإشارات من الجسم إلى الدماغ عبر المحور الرابط بين الدماغ والأمعاء.

وعلى افتراض أن هذه الدهنيات تحفز هذه الأعصاب من خلال الأمعاء، فعلى الدهنيات التي تدخل الأمعاء مباشرة فعل الأمر نفسه. وللتأكد من هذه الفرضية، قام الباحثون بتغذية مجموعتين من الفئران عن طريق أنبوب معوي ينقل الطعام مباشرة إلى معدة الفأر: المجموعة الأولى تم إيصال الدهنيات لمعدتها، والمجموعة الثانية التي كانت مجموعة ضابطة تلقت محلولا لا يحتوي على الدهنيات. ووجد الباحثون أن الدهون التي تصل إلى المعدة مباشرة تحفز وصول الإشارات إلى النواة الذنبية للقناة المفردة ليثبتوا بذلك أن الإشارات تنتقل من الأمعاء إلى الدماغ.

تفضيل الدهنيات

قام الباحثون بمواصلة جهودهم لفهم الطريقة التي يتم بها نقل هذه الإشارات، فقاموا أولا بالتأكد من دور تحفيز النواة الذنبية للقناة المفردة في تفضيل الدهنيات عن طريق إخماد عمل هذه الأعصاب والتأكد بعد ذلك من استمرار عمل القناة "تي آر بي إم 5" بالشكل المعتاد، حتى لا تتأثر رغبة الفئران اللحظية في المرة الأولى من تناول الدهنيات، وبعد ذلك راقبوا تفضيل الفئران في المرات اللاحقة للدهنيات، ليظهر أنها تتصرف  بالطريقة ذاتها التي تصرفت بها المجموعة الضابطة التي لم تتعرض للدهنيات، وذلك أظهر أن إخماد هذه الأعصاب تسبب في عدم تفضيل الفئران للدهنيات.

استمر الفريق بالعمل لمعرفة العصب الناقل للإشارات المتعلقة بتفضيل الدهنيات من الأمعاء  إلى الدماغ من خلال إعطاء الفئران الدهون ورصد انتقال الإشارات العصبية؛ وتوصلوا إلى أن "العصب المبهم" (vagus nerve) هو من يقوم بحمل هذه الإشارات. وللتأكد من ذلك، قاموا بقطع العصب المبهم وانتظار وصول الإشارات العصبية التي من المفترض أن تنقل إلى النواة الذنبية للقناة المفردة، ليجدوا أنها تلاشت ويثبتوا بذلك دور العصب المبهم في هذه المهمة.

الإشارات من الأمعاء إلى الدماغ

ويقول الباحثون إننا نعيش في وقت -لم يسبق مثله- يشكل فيه استهلاك الدهنيات والسكريات وباء من السمنة واختلالات الأيض، وإذا ما أردنا ضبط رغبتنا التي لا تنتهي في تناول الدهنيات، فإن العلم يخبرنا أن من يحفز هذه الرغبة هو الرابط الذي ينقل الإشارات من الأمعاء إلى الدماغ.

ويتوقع الباحثون أن تسهم جهودهم في تطوير أدوية تقوم بإخماد هذه الإشارات عن طريق منع الارتباط بين الدهون والمستقبل الخاص بها في الأمعاء، أو عن طريق إعاقة المستقبلات عن نقل الإشارات إلى العصب المبهم، أو من خلال إخماد العصب المبهم ومنعه من نقل هذه الإشارات إلى الدماغ، أو حتى من خلال منع المستقبلات الخاصة في الدماغ من استقبال هذه الإشارات.

المصدر : الجزيرة + وكالات