تدهور القطاع الصحي في مصر بشهادة رسمية

قاعة انتظار بأحد المستشفيات الحكومية
قاعة انتظار بأحد المستشفيات الحكومية (الجزيرة)

عبد الرحمن محمد-القاهرة

تهللت أسارير الحاج إبراهيم قرني بعد أن بشره موظف استقبال أحد مستشفيات القاهرة الكبرى بأنه ضمن المرشحين لاحتجازهم في المستشفى وإجراء عملية فتاق خلال أسبوع من تاريخه، بعدما ظل قرابة شهر يسلك كل السبل لبلوغ هذه الغاية منذ أن عاينه أحد أطباء بلدته وأبلغه بضرورة إجراء العملية.

وتبدد عناء هذا الشهر الذي قضاه الحاج إبراهيم متنقلا بين المركز الصحي بقريته التابعة لأحد مراكز محافظة المنيا بصعيد مصر والذي لم يجد فيه سوى عيادة طبيب كشف عام، وبين مستشفى المركز الذي لا تتوفر فيه إمكانيات إجراء العملية، وكذلك مستشفيات محافظته التي نصحته أطقمها بالتوجه لمستشفيات العاصمة.

بهجة الحاج إبراهيم ضاعت سريعا بين آهات ألم غيره من المرضى المنتظرين، وأصوات عشرات آخرين يسألون عن حظهم في قبول طلباتهم بالعلاج أو إجراء عمليات، فضلا عن عبارات الإحباط التي أطلقها آخرون رفضت طلباتهم لعدم وجود إمكانية لدى المستشفى لتلبيتها.

هذا المشهد المتكرر في أغلب المستشفيات العامة بالقاهرة، يعكس ترديا واضحا في القطاع الصحي أظهره في صورة أرقام تقرير صدر مؤخرا عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

فقد كشف تقرير (مصر في أرقام) الصادر عن الجهاز منذ أيام عن انخفاض عدد الوحدات الصحية إجمالا بنسبة 20%، ومستشفيات القطاع الخاص بنسبة 29% خلال عام واحد، وانخفاض عدد الأسرّة بنسبة 5% وانخفاض نسبة الإنفاق على قطاع الصحة من 5.37% خلال عام 2014-2015، إلى 5.2% خلال عام 2015-2016.

‪رشوان شعبان: التدني في قطاع الصحة يعكس خيارات وسياسات النظام القائم‬ رشوان شعبان: التدني في قطاع الصحة يعكس خيارات وسياسات النظام القائم (الجزيرة)
‪رشوان شعبان: التدني في قطاع الصحة يعكس خيارات وسياسات النظام القائم‬ رشوان شعبان: التدني في قطاع الصحة يعكس خيارات وسياسات النظام القائم (الجزيرة)

انخفاض الاهتمام
ومعلقا على ذلك، يؤكد أمين عام مساعد نقابة الأطباء رشوان أن "النقابة وقبل صدور هذا التقرير كشفت من خلال شواهد كثيرة انخفاض معدل الاهتمام بالقطاع الصحي سواء من الجهات الحكومية أو القطاع الخاص".

وتابع في حديث إلى الجزيرة نت "دستور 2014 حدد نصيب القطاع الصحي من الميزانية السنوية بما لا يقل عن 3% من الناتج القومي ما يعادل 105 مليارات جنيه (7 مليارات دولار) إلا أن ما يُستقطع فعليا للقطاع لا يتجاوز نصف هذا الرقم فضلا عما يمثله ارتفاع التكاليف من أعباء إضافية".

وأرجع شعبان هذا التدني في القطاع إلى أنه "يعكس خيارات وسياسات النظام القائم والتي هي امتداد لسياسات متبعة على مدار عقود ماضية لم تتغير منذ سنوات قبل الثورة وبعدها" مشيرا إلى أن ذلك "له أسوأ الأثر على المواطن المصري حيث لا يتسنى العلاج إلا لمن لديه القدرة المالية على ذلك".

بينما يعتبر عضو مجلس نقابة الأطباء عمرو الشورى أن من أبرز أسباب تدهور حال القطاع الصحي "السياسات الخاطئة وعدم التخطيط، إضافة إلى الفساد وسوء الإدارة وضعف الإنفاق".

ويلفت الشورى -في حديث للجزيرة نت عن هذا التدهور- إلى أن "السيسي اتجه إلى خصخصة الصحة ببيع عدد كبير من مستشفيات التكامل للقطاع الخاص، واتباع خطة تنتهج تقديم الخدمة الطبية في المستشفيات المملوكة للدولة بمقابل مادي، ومن المتوقع قريبا تعميم القرار على جميع المستشفيات لتنتهي أسطورة العلاج المجاني".

وأشار إلى "صدور قرار بضم ميزانية علاج وزارات كالدفاع والداخلية وهيئات أخرى مملوكة للدولة إلى ميزانية الصحة بالمخالفة للدستور، ومن ثم فإن الانخفاض الحالي في الإنفاق الصحي رقميا هو أقل من الانخفاض الفعلي بعد تضخم الرقم بفعل إضافة تلك الهيئات، وكذلك ارتفاع نسبة التضخم وأسعار المستلزمات والأدوية".

عزت غنيم: الإحصائيات الرسمية ليست دقيقة وهي أقل مما عليه واقع الحال 
عزت غنيم: الإحصائيات الرسمية ليست دقيقة وهي أقل مما عليه واقع الحال 

في الحضيض
بدوره، يرى المدير التنفيذي للتنسيقية المصرية للحقوق والحريات عزت غنيم أن "هذه الإحصائيات الرسمية ليست دقيقة وهي أقل مما عليه واقع الحال، فالوحدات الصحية أصبحت الرعاية بها شبه منعدمة خاصة في الأرياف والمحافظات، إضافة إلى أن المستشفيات التكاملية تم وقف عملها بشكل تام على مستوى الجمهورية".

وأشار غنيم في حديث للجزيرة نت إلى أن "جميع الاتفاقيات والمواثيق والبروتوكولات الدولية تنص بشكل واضح على ضرورة أن تهيئ الحكومات الظروف التي يمكن فيها لكل فرد أن يكون موفور الصحة قدر الإمكان، فضلا عن النصوص الدستورية المؤيدة لذلك".

ورأى أن "من يتحمل مسؤولية تدهور الأوضاع الصحية كافة الحكومات المتعاقبة التي أوصلت مستوى الرعاية الصحية إلى الحضيض، وعملت على سحب وتقليص ميزانيات الصحة وتوجيهها إلى مصارف أخرى أقل أهمية".

المصدر : الجزيرة