الأحفاد يوقظون ذاكرة الأجداد فهل تحمي المحبة من الخرف؟

حفظ

أجداد اليوم يمتلكون خبرات ومعارف تتجاوز رواية الحكايات والمشاركة في الألعاب (بيكسلز)

"كوب من الحليب الدافئ، لحاف ثقيل، قطعة من الكعك المنزلي، وحكايات شعبية وقصص من الماضي" ذلك هو الأثر الباقي من اللحظات القليلة التي أتذكرها مع جدتي، قبل أكثر من 35 عامًا. كانت لحظات وجودها في منزلنا القديم الأكثر دفئًا وحميمية. وربما لم تكن جدتي "لطيفة" -وهذا اسمها- تعرف قراءة الكتب، ولم تكن تحفظ من الأغنيات إلا ما حمل لهجتها الصعيدية، لكنها، رغم ذلك، منحتني خلال وجودها القصير في حياتي ما لا يمكن محوه من ذاكرتي.

وحين عاشت أمي في بيتي فترة من الزمن، رأيت الأثر نفسه يتكرر، لكن هذه المرة في حياة أبنائي. ورأيت، في المقابل، كيف انعكس وجود عائلتي الصغيرة على أمي، فتراجع لديها اكتئاب الوحدة والعزلة اللذان عانت منهما في منزلها.

قصص مقترحة

list of 4 itemsend of list

يحمل كثيرون ذكريات مشابهة مع أجدادهم، لكن أهمية هذه الذكريات قد تتجاوز المحبة والتواصل الأسري. وتشير دراسات إلى أن العلاقة الوثيقة بين الأجداد والأحفاد قد ترتبط بصحة نفسية ومعرفية أفضل لدى كبار السن، وبمستويات أعلى من الأمان العاطفي والمرونة النفسية لدى الصغار.

ولا يعني ذلك أن الأحفاد "علاج" للخرف أو أن وجودهم يمنع الإصابة به، فالأدلة العلمية لا تسمح بهذا الاستنتاج. لكنها تشير إلى أن التواصل الاجتماعي، وانخفاض الشعور بالوحدة، والمشاركة المعتدلة في رعاية الأحفاد قد تكون عوامل داعمة للصحة النفسية والمعرفية في مراحل العمر المتقدمة.

الأجداد يمنحون الأحفاد خبراتهم وذاكرتهم العائلية وشعورا بالأمان بينما يمنحهم الأحفاد أسبابًا متجددة للحركة والتفاعل
الأجداد يمنحون الأحفاد خبراتهم وذاكرتهم العائلية وشعورا بالأمان بينما يمنحهم الأحفاد أسبابًا متجددة للحركة والتفاعل (بيكسلز)

ماذا يحدث في دماغ الجدة؟

في دراسة أجراها باحثون أميركيون من جامعة إيموري بولاية جورجيا، فحص الباحثون نشاط أدمغة 50 جدة بيولوجية باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، أثناء مشاهدتهن صور أحفادهن الذين تراوحت أعمارهم بين 3 و12 عامًا، وصور أطفال آخرين لا يعرفنهم، إلى جانب صور أبنائهن البالغين وبالغين غرباء.

إعلان

وعند مشاهدة صور الأحفاد، ظهر نشاط أقوى في مناطق بالدماغ مرتبطة بالتعاطف العاطفي ومعالجة المشاعر والحركة. ويرى الباحثون أن ذلك قد يعكس ما يُسمى "المحاكاة العصبية" أي ميل الجدة إلى مشاركة الحفيد حالته الشعورية، فإذا بدا سعيدا شعرت بسعادته، وإذا بدا متحمسًا انعكس حماسه عليها.

أما عند مشاهدة صور الأبناء البالغين، فبرز نشاط أكبر نسبيا في مناطق مرتبطة بالتعاطف المعرفي، أي محاولة فهم ما يفكر فيه الشخص الآخر أو يشعر به، بدلًا من المشاركة العاطفية المباشرة في إحساسه.

لكن هذه الدراسة صغيرة واستكشافية، ولا تثبت أن رؤية الأحفاد أو رعايتهم تحمي الدماغ من الخرف، بل تكشف أن دماغ الجدة قد يستجيب للحفيد بطريقة مختلفة عن استجابته لابنها البالغ أو طفل غريب.

وفي كتابه "الأجداد في العصر الحديث" (Contemporary Grandparenting) يروي الطبيب النفسي والباحث في العلاقات بين الأجيال آرثر كورنهابر قصة الطفل "بيلي" الذي حُلت بعض مشكلاته النفسية في وجود جدته.

وعندما طلب كورنهابر من بيلي أن يعبّر بالرسم عن عائلته، رسم شكلًا هرميًا، وضع نفسه في قمته وهو يلعب كرة القدم، ثم رسم والديه أسفله سعيدين لأنه "يلعب الكرة جيدًا" بينما رسم جده وجدته في الأسفل "سعيدين لأنه سعيد".

ولفت هذا الاختلاف انتباه كورنهابر إلى طبيعة العلاقة التي قد تجمع الطفل بأجداده. ففي حين يرتبط رضا الوالدين أحيانا بالإنجاز والسلوك والتوقعات التربوية، قد يجد الطفل لدى الجد والجدة مساحة أوسع من القبول والطمأنينة. ومع ذلك، تظل هذه القصة ملاحظة سريرية توضيحية، وليست دليلا علميا يمكن تعميمه على جميع الأسر.

العلاقة تغيرت عن الماضي

يقول  أستاذ الطب النفسي الدكتور جمال فرويز -للجزيرة نت- إن علاقة الأجداد بالأحفاد تغيرت مع تبدل أنماط الحياة والفجوة المعرفية بين الأجيال، فأجداد اليوم يمتلكون خبرات ومعارف تتجاوز رواية الحكايات والمشاركة في الألعاب، ويمكنهم مشاركة أحفادهم اهتمامات تعليمية وثقافية وتقنية متنوعة.

ويرى فرويز أن ابتعاد كبار السن عن أبنائهم وأحفادهم، بسبب السفر أو ضغوط الحياة، قد يزيد شعورهم بالوحدة ويفاقم الاكتئاب، بينما يمنحهم التواصل مع الأحفاد شعورًا بالانتماء والهدف، ويحفزهم نفسيا واجتماعيا.

ولكن ضعف العلاقة بالأحفاد لا يعد سببا مباشرا للخرف أو مرض ألزهايمر، إذ ترتبط هذه الأمراض بعوامل متداخلة، منها العمر والاستعداد الوراثي وصحة القلب والنشاط البدني والعزلة الاجتماعية. ومن ثم، يظل التواصل العائلي عاملا داعما للصحة النفسية والمعرفية، لا وسيلة مضمونة للوقاية أو العلاج.

ويضيف فرويز أن العلاقة تبادلية، فالأجداد يمنحون الأحفاد خبراتهم وذاكرتهم العائلية وشعورا بالأمان، بينما يمنحهم الأحفاد أسبابا متجددة للحركة والتفاعل والتعلم. غير أن هذه الروابط تراجعت في بعض المجتمعات بفعل السفر وتغير شكل الأسرة وضغوط العمل، مما يحرم الطرفين من فوائد نفسية واجتماعية مهمة.

قد يجد الطفل لدى الجد والجدة مساحة أوسع من القبول والطمأنينة
قد يجد الطفل لدى الجد والجدة مساحة أوسع من القبول والطمأنينة (بيكسلز)

هل يحمي الأحفاد أجدادهم من الخرف؟

تشير دراسة نُشرت عام 2025 في دورية "جاما نتورك أوبن" (JAMA Network Open) -وشملت 10 آلاف و58 شخصا من كبار السن في الصين- إلى أن الرعاية غير المكثفة للأحفاد، بواقع ساعة إلى 39 ساعة أسبوعيًا، ارتبطت بانخفاض احتمالات الخرف، وقد فُسّر جانب من هذا الارتباط بانخفاض الشعور بالوحدة وزيادة استخدام الهواتف والإنترنت.

إعلان

وفي المقابل، لم ترتبط الرعاية المكثفة، التي بلغت 40 ساعة أسبوعيا أو أكثر، بانخفاض ذي دلالة إحصائية في احتمالات الخرف، مما يشير إلى أن الفائدة المحتملة قد تتأثر بحجم أعباء الرعاية والحالة الصحية والاجتماعية للأجداد.

كما وجدت دراسة نُشرت عام 2026، وشملت 2887 من الأجداد فوق سن الخمسين في إنجلترا، أن المشاركين في رعاية أحفادهم حققوا نتائج أفضل في اختبارات الذاكرة والطلاقة اللفظية، وسجلت الجدات المشاركات تراجعا معرفيا أبطأ. لكن هذه النتائج تظل ارتباطية، ولا تثبت أن رعاية الأحفاد تمنع الخرف مباشرة.

ولا تدعم الأدلة القول إن تقليل استخدام الهواتف يحمي كبار السن من الخرف، إذ قد يسهم الاستخدام النشط والهادف للتقنيات الرقمية في تحفيز القدرات المعرفية وتعزيز التواصل الاجتماعي. وتكمن المشكلة في الإفراط أو الاستخدام السلبي الذي يحل محل الحركة والتفاعل المباشر.

وهكذا، لا يمثل الأحفاد علاجا للخرف، لكن العلاقة الدافئة والمتوازنة معهم قد تمنح الأجداد التواصل والتحفيز والشعور بالمعنى، بينما يجد الأحفاد لدى أجدادهم ذاكرة عائلية حية ومساحة من القبول والأمان.

المصدر: الجزيرة

إعلان