سندريلا بين انتظار الأمير والحذاء الضيق.. لماذا أصبحت اسما لعقد نفسية متعددة؟

حفظ

Illustration of Cinderella runs away ادوبي ستوك
لا تعني "عقدة سندريلا" أن الرغبة في الحب أو الدعم علامة ضعف (أدوبي)

لم تنته حكاية سندريلا عند منتصف الليل، حين اختفى الفستان الفاخر وعادت العربة إلى صورتها الأولى. فقد غادرت الفتاة صاحبة الحذاء الزجاجي كتب الأطفال، وظل اسمها يتردد في أماكن لم يكن متوقعا أن يصل إليها: كتب علم النفس، ودراسات الأسرة، وعيادات القدم، بل وغرف جراحات التجميل.

فقد يرى علماء النفس في انتظارها الأمير صورة لامرأة تخشى الاستقلال، ويستعيد باحثو الأسرة قسوة زوجة أبيها عند دراسة معاملة الأطفال داخل الأسر المختلطة، بينما يستخدم أطباء القدم حذاءها الصغير للتحذير من إجبار القدم على الدخول في مقاس لا يناسبها.

قصص مقترحة

list of 4 itemsend of list

لكن وجود اسم سندريلا في هذه المصطلحات لا يعني أنها جميعا حقائق علمية ثابتة؛ فبعضها مفهوم نفسي خضع للدراسة، وبعضها فرضية لا تزال تثير الخلاف، وبعضها ليس أكثر من استعارة طبية أو اسم تسويقي جذاب.

"عقدة سندريلا" وانتظار المنقذ

قد تكون المرأة ناجحة في عملها وقادرة على إدارة تفاصيل يومها، لكنها تتردد عندما يتعلق الأمر بقرار مصيري، أو تنتظر شريكا يمنحها الأمان قبل أن تبدأ الحياة التي تريدها. وقد تطمح إلى الاستقلال، لكنها تخشاه في الوقت نفسه؛ لأن الاستقلال لا يمنحها الحرية وحدها، بل يحمّلها أيضا مسؤولية قراراتها ونتائجها.

هذه المفارقة هي ما حاولت الكاتبة والمعالجة النفسية الأمريكية كوليت داولينغ وصفه في كتابها "عقدة سندريلا: خوف النساء الخفي من الاستقلال"، الصادر عام 1981. فقد رأت أن بعض النساء يحملن رغبة غير واعية في أن يأتي شخص آخر ليتولى حمايتهن ورعايتهن وتحمّل المسؤولية عنهن.

قد يكون هذا المنقذ زوجا يوفر الأمان، أو شريكا يتخذ القرارات، أو حتى ظرفا مثاليا تنتظره المرأة كي تبدأ. وهنا يظهر الشبه مع سندريلا التي لم تغيّر حياتها بنفسها، وإنما احتاجت إلى قوة سحرية وأمير ينقلها من بيت المعاناة إلى القصر.

ولا تعني "عقدة سندريلا" أن احتياج المرأة إلى الحب والدعم دليل على ضعفها؛ فالاستناد إلى الآخرين وتبادل المساندة أمران طبيعيان في أي علاقة إنسانية. وإنما تظهر المشكلة حين يتحول هذا الاحتياج إلى اعتماد يقيّد قدرتها على اتخاذ قراراتها، أو يدفعها إلى التنازل عن طموحاتها، أو يرسّخ داخلها اعتقادا بأنها عاجزة عن بناء حياتها بنفسها.

إعلان

ولم تبقَ الفكرة مجرد وصف نظري؛ ففي عام 2021، حاول باحثون قياسها من خلال مقياس يضم 25 عبارة لـ"متلازمة سندريلا"، وحددوا لها 3 أبعاد رئيسية: المواقف المتحيزة جنسيا، والهروب من المسؤولية، والتخلي عن المسار المهني. كما ربطت دراسات أخرى هذه النزعة بضعف مفهوم الذات، أو بالتنشئة التي تجعل الاعتماد على الآخرين والحاجة إلى الحماية جزءا من الصورة التقليدية للأنوثة.

ومع ذلك، لا تُصنَّف "عقدة سندريلا" اضطرابا نفسيا معترفا به في الأدلة التشخيصية. كما تعرّض المفهوم للانتقاد لأنه قد يعمم تجارب محددة، ويتجاهل أن بعض النساء لا يعجزن عن الاستقلال خوفا، وإنما تحاصرهن ظروف اقتصادية أو اجتماعية تجعل تحقيقه أكثر صعوبة.

Sad Cinderella cleaning the floor with floor cloth المصدر: أدوبي ستوك
وصف سندريلا المنزل يشير إلى تكليف أحد الأبناء دائما بالأعمال المنزلية (أدوبي)

"تأثير سندريلا".. الوجه المظلم

لم يكن الأمير وحده هو ما لفت انتباه الباحثين في الحكاية؛ فقد استوقفهم أيضا وجهها الأكثر قسوة: طفلة تعيش مع زوجة أب تسيء معاملتها، بينما تمنح ابنتيها الحب والامتيازات.

من هنا ظهر مصطلح "تأثير سندريلا" في علم النفس التطوري، لوصف نتائج دراسات أشارت إلى ارتفاع الخطر الإحصائي لتعرض الأطفال للإهمال أو سوء المعاملة عندما يعيشون مع أحد والديهم البيولوجيين وشريك غير بيولوجي.

وفسر الباحثان مارتن دالي ومارغو ويلسون هذه النتائج في ضوء نظرية "الاستثمار الوالدي"، التي تفترض أن البشر يميلون إلى تخصيص قدر أكبر من الرعاية والموارد لأبنائهم البيولوجيين.

لكن الأسرة الحقيقية أكثر تعقيدا من الحكاية الخيالية؛ فوجود زوج أم أو زوجة أب ليس العامل الوحيد الذي يميز الأسر المختلطة. فكثير من الأطفال يصلون إليها بعد تجربة وفاة أو طلاق أو فقر أو اضطراب أسري، وكلها عوامل قد تؤثر في سلامتهم وحالتهم النفسية.

ولهذا انتقد باحثون دراسات "تأثير سندريلا"، معتبرين أنها لم تفصل دائما بين أثر الوالد غير البيولوجي وآثار التجارب الصعبة التي سبقت تكوين الأسرة الجديدة.

ودعمت دراسة واسعة -اعتمدت على بيانات سكانية من ولاية يوتا الأمريكية- هذه التحفظات جزئيا، فقد وجدت أن فقدان أحد الوالدين، لا سيما الأم، ارتبط بارتفاع خطر وفاة الأطفال، بينما لم يرتبط دخول زوج أم أو زوجة أب إلى الأسرة في ذاته بزيادة الخطر.

ورجح الباحثون أن بعض الدراسات السابقة قارنت أطفالا مروا بالفعل بالفقد والاضطراب بأطفال نشؤوا في أسر مستقرة، ثم نسبت الفروق كلها إلى وجود الوالد غير البيولوجي. لذلك لا يعني "تأثير سندريلا" أن الآباء والأمهات غير البيولوجيين أقل حبا أو أكثر استعدادا للإساءة، ولا يجوز استخدامه حكما جاهزا لوصم الأسر المختلطة.

لا يعني "تأثير سندريلا" أن الآباء والأمهات غير البيولوجيين أقل حبا أو أكثر استعدادا للإساءة
لا يعني "تأثير سندريلا" أن الآباء والأمهات غير البيولوجيين أقل حبا أو أكثر استعدادا للإساءة (بيكسلز)

حين يصبح الطفل "سندريلا المنزل"

قد لا يعيش الطفل مع زوجة أب قاسية، ومع ذلك يشعر بأنه "سندريلا" أسرته؛ فهو الذي يُكلَّف دائما بالأعمال المنزلية، وتؤجل احتياجاته لحساب إخوته، ويبدو كل ما يفعله أقل قيمة في عيون والديه.

ويُستخدم تعبير "متلازمة سندريلا" أحيانا، بصورة غير رسمية، لوصف هذا الشعور. وقد يظهر داخل الأسر البيولوجية أو المختلطة، ولا يعني بالضرورة أن الوالدين يتعمدان الإساءة؛ فقد يحصل طفل مريض أو أصغر سنا على اهتمام أكبر، لكن الطفل الآخر لا يفهم دائما أسباب هذا التفاوت، وإنما يشعر فقط بأنه الأقل حبا وحظا.

إعلان

وإذا استمر إحساسه بأنه غير مرئي أو أقل استحقاقا للرعاية، فقد يترك أثره في تقديره لذاته وعلاقاته المستقبلية. ومع ذلك، لا يمثل هذا الاستخدام تشخيصا نفسيا، بل استعارة تصف تجربة الطفل كما يشعر بها.

"عقدة حذاء سندريلا"

لم يتوقف حضور سندريلا عند علم النفس والأسرة، بل وصل إلى القدم نفسها. فقد استخدم اختصاصي القدم روك بوسيتانو تعبير "عقدة سندريلا" لوصف شخص يحاول حشر قدم بمقاس 9 في حذاء بمقاس 7، وكأن الاعتراف بتغير المقاس أصعب من تحمل الألم.

فمقاس القدم لا يبقى ثابتا بالضرورة طوال العمر؛ إذ قد يتغير بسبب الحمل وزيادة الوزن وضعف الأربطة وتسطح قوس القدم والتغيرات الهرمونية. ومع ذلك، قد تتمسك المرأة بالمقاس الذي ارتدته في شبابها، حتى بعدما يصبح الحذاء ضيقا ومؤلما.

ولا يتوقف الثمن عند بضع ساعات من الانزعاج؛ فقد تسبب الأحذية الضيقة البثور والتهاب الأوتار والوكعة وأصابع القدم المطرقية، وقد تمتد الآلام إلى الركبتين والوركين وأسفل الظهر.

ولهذا ينصح الأطباء بقياس القدمين أثناء الوقوف، واختيار الحذاء وفقا لمقاس القدم الأكبر، وتجربته في وقت متأخر من اليوم، حين تكون القدمان أكثر تمددا.

استخدم اختصاصي القدم روك بوسيتانو تعبير "عقدة سندريلا" لوصف شخص يحاول حشر قدم بمقاس 9 في حذاء بمقاس 7
استخدم اختصاصي القدم روك بوسيتانو تعبير "عقدة سندريلا" لوصف شخص يحاول حشر قدم بمقاس 9 في حذاء بمقاس 7 (أدوبي)

"جراحة سندريلا".. تغيير القدم لا الحذاء

لكن بعض النساء لا يكتفين بتحمل الحذاء الضيق، بل يخضعن لعملية جراحية كي تصبح أقدامهن ملائمة له. وهنا ظهر مصطلح "جراحة سندريلا"، وهو اسم تسويقي لمجموعة من عمليات تجميل القدم، مثل تقصير الأصابع وتضييق القدم وتصحيح بروز العظام، لمنحها شكلا أكثر تناسقا أو مساعدتها على دخول الأحذية الضيقة وذات الكعب العالي.

وقد تكون بعض هذه العمليات ضرورية لتخفيف الألم أو إصلاح تشوه يؤثر في المشي، لكن إجراءها من أجل ارتداء حذاء معيَّن يقلب القاعدة المنطقية: فبدلا من البحث عن حذاء يناسب القدم، تصبح القدم هي المشكلة التي ينبغي "تصحيحها".

لماذا سندريلا تحديدا؟

ربما لم تكن حكاية أخرى قادرة على منح كل مجال هذا العدد من الرموز: فتاة لا تملك قرارها، وأمير يأتي لإنقاذها، وزوجة أب قاسية، وأبناء يحظون بالتفضيل، وحذاء لا يناسب إلا امرأة واحدة، وتحول مفاجئ من الحرمان إلى السعادة.

أخذ علم النفس من سندريلا انتظار المنقذ، واستعار علم الأسرة قسوة زوجة الأب، بينما استدعى طب القدم الحذاء الصغير، واستخدمت جراحات التجميل حلم تغيير الجسد حتى يلائمه.

لكن هذه الأسماء المتشابهة لا تحمل الوزن العلمي نفسه؛ فـ"عقدة سندريلا" مفهوم نفسي اجتماعي وليست تشخيصا، و"تأثير سندريلا" فرضية بحثية مختلف عليها، أما "عقدة الحذاء" و"جراحة سندريلا" فتسميتان مجازيتان أو تسويقيتان.

وبين امرأة تنتظر الأمير وأخرى تحاول تغيير قدمها من أجل حذاء، يبقى السؤال واحدا: هل تختار المرأة الحياة والصورة اللتين تناسبانها، أم تظل مطالبة بتغيير نفسها كي تلائم الدور الذي اختاره لها الآخرون؟

المصدر: الجزيرة

إعلان