الأمان يتحول إلى تهديد.. جرائم أسرية في الأردن والأطفال يدفعون الثمن

حفظ

عمّان- أعادت جريمة مروعة شهدتها محافظة الكرك، جنوبي الأردن، تسليط الضوء على خطورة العنف داخل الأسرة والحاجة إلى التعامل الجاد مع أسبابه، بعد تكرار الجرائم الأسرية في البلاد خلال فترات زمنية قصيرة في مشهد يثير قلقا مجتمعيا متصاعدا.

ففي واقعة هزت الرأي العام، أقدم أب على قتل أطفاله الثلاثة طعنا، موجها لهم ضربات قاتلة في القلب والبطن والرقبة، أمام أعين بعضهم البعض، في مشهد خلا من الرحمة، بدافع الانتقام من والدتهم.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

وأعادت هذه الجريمة طرح تساؤلات عميقة عن أسباب تصاعد هذا النوع من العنف داخل الأسرة، وحدود المسؤولية المجتمعية والمؤسسية في الوقاية منه، في وقت تتكرر فيه حوادث مشابهة خلال فترة زمنية قصيرة.

وخلال الأشهر الماضية، شهد الأردن جرائم متشابهة، إذ قتلت أم ابنتيها قبل أن تنهي حياتها في حادثة ارتبطت بخلافات أسرية، وفي واقعة سابقة ألقى أب طفليه في مجرى سيل بمحافظة الزرقاء.

نمط مقلق

ويقول خبراء إن هذه الوقائع، التي تتقاطع في دوافعها، تشير إلى نمط مقلق من العنف الأسري المرتبط بالأزمات النفسية والاجتماعية.

وخلال عام 2025، بلغ عدد الجرائم المرتبطة بالإطار الأسري التي شهدها الأردن 17 واقعة قتل ووفاة، توزعت بين 13 أنثى و7 ذكور، بحسب جمعية معهد تضامن النساء الأردني "تضامن". وشملت جرائم قتل داخل الأسرة، وحالات قيد الاشتباه الأسري، إضافة إلى وفيات غير محسومة وحوادث عرضية وقعت داخل المنازل.

وأظهرت المعطيات التي حصلت "الجزيرة نت" على نسخة منها أن عام 2025، رغم تسجيله عددا أقل من الجرائم مقارنة بالسنوات السابقة، شهد أنماطا خطيرة من العنف الأسري القاتل، خصوصا ضد النساء والفتيات والأطفال، وبأساليب تتسم بالقسوة والعنف الجسدي المباشر.

تفكك وفقدان التعاطف

ترى الدكتورة حنين البطوش، الاستشارية النفسية المختصة في قضايا الأسرة والتربية، أن فهم هذه الجرائم يتطلب تجاوز صدمة الحدث إلى تحليل جذوره النفسية، مشيرة إلى أن من يصل إلى حد قتل أبنائه لا يكون مدفوعا بلحظة غضب عابرة، بل نتيجة تراكمات نفسية عميقة تقوده إلى حالة من الانفصال العاطفي وفقدان القدرة على التعاطف.

د. حنين البطوش استشارية نفسية وتربوية أسرية
د. حنين البطوش استشارية نفسية وتربوية أسرية (الجزيرة)

وتوضح في تصريح لـ"الجزيرة نت" أن الجاني قد ينظر إلى الطفل، في ظل وعي مشوه، كوسيلة للانتقام أو تفريغ الغضب أو إثبات السيطرة، وهو ما يعكس خللا في المنظومة القيمية والانفعالية، يتقاطع غالبا مع تاريخ من العنف أو الصدمات غير المعالجة أو الإحساس المزمن بالعجز والفشل.

إعلان

وتضيف حنين أن هذه الحالات غالبا ما تكون محاطة بضغوط أسرية خانقة، وتفكك في العلاقات الزوجية، وعزلة اجتماعية، وأزمات اقتصادية، ما يعمق الشعور بالاختناق النفسي. كما تحذر من أن هذه الجرائم ليست حالات معزولة، بل مؤشرات لنمط يتكرر في ظروف معينة، ويكشف عن ضعف في التدخل المبكر رغم وجود إشارات تحذيرية مثل التهديد، ونوبات الغضب الحادة، والانطواء، والخطاب العدواني، التي غالبا لا تؤخذ بجدية.

انتقام وسيطرة تحت ضغط

من جهته، يوضح الدكتور عاطف القاسم، اختصاصي علم النفس الإكلينيكي ورئيس جمعية العلوم النفسية في الأردن، لـ"الجزيرة نت" أنه لا يمكن تفسير هذه الجرائم بعامل واحد، بل هي نتاج تفاعل معقد بين عوامل نفسية وسياقات اجتماعية ضاغطة.

ويصنف قتل الأبناء في هذا السياق ضمن جرائم "الانتقام من الشريك"، حيث يُنظر إلى الأطفال كامتداد له، ما يدفع الجاني إلى إيذائهم لإلحاق أكبر قدر من الألم بالطرف الآخر. ويرتبط ذلك بأنماط تفكير اندفاعية وأنانية، إلى جانب اضطرابات في التعاطف أو سمات نرجسية وعدوانية.

كما يشير إلى أن الضغوط النفسية الشديدة، مثل الخلافات الزوجية الحادة أو الشعور بالإهانة أو الغيرة المرضية، قد تدفع إلى ما يُعرف بـ"التفكير النفقي"، حيث يضيق الإدراك وتُتخذ قرارات كارثية. وفي بعض الحالات، قد تلعب اضطرابات نفسية حادة دورا، وإن لم تكن السبب الوحيد دائما.

ويربط القاسم هذه الجرائم بسياق أوسع من العنف الأسري المزمن غير المعالج، وضعف قنوات حل النزاعات، والعزلة الاجتماعية، والضغوط الاقتصادية، مؤكدا أن الوقاية تبدأ بالتدخل المبكر عبر مراكز الإرشاد الأسري، وخطوط الدعم، وتعزيز الوعي بإدارة الغضب.

تفكك العلاقات وثقافة العنف

بدوره، يوضح أستاذ علم الاجتماع والجريمة الدكتور حسين محادين لـ"الجزيرة نت" أن هذه الجرائم تعكس تراكمات نفسية متوترة داخل العلاقات الزوجية، غالبا في ظل غياب التنشئة الاجتماعية المتوازنة.

ويؤكد أن العلاقات غير المتكافئة وضعف التوافق بين الزوجين يعدان من أبرز عوامل تفكك الأسرة، لافتا إلى أن انتشار مشاهد العنف وسوء استخدام التكنولوجيا أسهما في ترسيخ سلوكيات عدوانية، قد يتم تقليدها ضمن ما يصفه بـ"ثقافة الصورة".

كما يربط محادين ارتفاع نسب الطلاق في السنوات الأولى من الزواج بضعف الاستعداد النفسي والاجتماعي، محذرا من التعميم أو وصم المجتمع، ومؤكدا أن هذه الجرائم تظل أفعالا فردية، لكنها تكشف الحاجة إلى فهم أعمق للظاهرة.

portrait-sad-daughter-holding-teddy-bear
برأي الخبراء تعكس جرائم القتل تراكمات نفسية متوترة داخل العلاقات الزوجية (فري بيك)

دافع الانتقام

من جهته، أكد مصدر أمني أردني مسؤول لـ"الجزيرة نت" أن غالبية الجرائم من هذا النوع تُرتكب بدافع الانتقام، مشيرا إلى أن الجناة غالبا ما يبررون فعلهم بالرغبة في الانتقام من الشريك، وهو دافع وصفه بأنه غير منطقي وغير عقلاني.

وأوضح المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، أن العديد من الخلافات الزوجية التي بدت معقدة انتهت لاحقا بالصلح، خاصة مع تقدم الأطفال في العمر وتحولهم إلى حلقة وصل بين الطرفين.

وأكد المصدر أن الخاسر الأكبر في هذه الجرائم هو مرتكبها نفسه، إذ يقضي ما تبقى من حياته خلف القضبان، وقد يواجه عقوبة الإعدام إذا نُفذ الحكم.

ضرورة التمييز

ويشدد استشاري الطب النفسي علاء الفروخ لـ"الجزيرة نت" على ضرورة التمييز بين الجرائم المرتكبة بدافع الانتقام مع سبق الإصرار، وبين التفسير السريع لها على أنها ناتجة عن أمراض نفسية، مؤكدا أن هذا الربط ليس دقيقا في معظم الحالات.

إعلان

ويقول إن كثيرا من مرتكبي هذه الجرائم لا يعانون بالضرورة من اضطرابات نفسية تقليدية، بل قد تكون لديهم مشكلات عميقة في بنية الشخصية، خاصة عندما يتحول شخص من المفترض أن يكون مصدرا للأمان، كالأب، إلى مصدر تهديد لأطفاله، وهو ما يعكس خللا خطيرا يستدعي التوقف عنده.

استشاري الطب النفسي علاء الفروخ
استشاري الطب النفسي علاء الفروخ (الجزيرة)

ويدعو الفروخ إلى تبني مفهوم "التأهيل النفسي قبل الزواج"، من خلال إعداد المقبلين على الزواج نفسيا وتوعيتهم بأدوارهم ومسؤولياتهم داخل الأسرة، معتبرا أن غياب هذا التأهيل يسهم في تفاقم الأزمات الأسرية التي قد تنتهي بمآلات مأساوية.

وعلى صعيد الخدمات، يشير إلى وجود فجوة بين احتياجات المجتمع وخدمات الصحة النفسية المتاحة، رغم الجهود التي تبذلها المؤسسات الحكومية، لافتا إلى أن أعداد الكوادر المؤهلة لا تزال أقل من حجم الطلب، في حين يشكل القطاع الخاص عبئا ماليا لكنه غير متاح للجميع بسبب الكلفة.

ويؤكد الفروخ أن المرحلة الحالية تتطلب تعزيز خدمات الصحة النفسية، وزيادة عدد المختصين، إلى جانب وضع إستراتيجية وطنية شاملة قادرة على الاستجابة لحجم التحديات المتزايدة في هذا المجال.

وتشدد جمعية معهد تضامن النساء الأردني "تضامن" على أهمية تكاتف الجهود الرسمية والوطنية للحد من هذه الجرائم، وتعزيز أدوات الحماية المبكرة للنساء والأطفال، وضمان المساءلة وعدم الإفلات من العقاب.

كما تدعو إلى إعادة النظر في إسقاط الحق الشخصي في قضايا العنف الأسري، مؤكدة التزامها بمواصلة رصد هذه الجرائم وتحليلها، والمناصرة للحد منها، حماية للأسرة الأردنية، وصونا لحق النساء والأطفال في الحياة والأمان والكرامة الإنسانية.

المصدر: الجزيرة

إعلان