مقاومة "كرش رمضان".. خطة رجل مشغول لبطن أخف دون حرمان

Wooden blocks with words 'Transform your Body'.
رمضان يمكن أن يكون مختبرا سنويا لإعادة ضبط الجسد والدهون والهرمونات (شترستوك)

في كل عام تتكرر القصة نفسها، إذ يدخل كثير من الرجال رمضان وهم يهمسون لأنفسهم "هذا الشهر سأخف وسأشد بطني"، ثم يفاجؤون في أواخره بأن جلباب العيد يضيق عند البطن، وأن "كرش رمضان" صار أكبر من ذي قبل. هل المشكلة في الصيام نفسه؟ أم في طريقة عيشنا لرمضان؟

أبحاث غذائية منشورة في دوريات محكمة -منها مراجعات في مجلة "فرونتيرز إن نيوترشن" (Frontiers in Nutrition) حول الصيام المتقطع وتأثيره على الوزن وتركيب الجسم- تشير إلى أن صيام رمضان، بوصفه صياما نهاريا متقطعا، يمكن أن يخفض الوزن وكتلة الدهون ويحسن تركيب الجسم، متى رافقه ضبط في كمية الطعام ونوعيته، مع حد أدنى من الحركة.

اقرأ أيضا

list of 3 itemsend of list

هذا يعني أن الصيام في الأصل حليفك، لكن سلوكك بعد الأذان قد يحوله إلى خصم.

لماذا يتجمع وزن الرجل في البطن تحديدا؟

الدهون في البطن ليست طبقة واحدة فقط:

  • دهون تحت الجلد تعطي الشكل الظاهر للكرش.
  • ودهون حشوية عميقة تلتف حول الكبد والأمعاء، وهي الأخطر صحيا.

دراسة منشورة في مجلة "فرونتيرز إن فسيولوجي" (Frontiers in Physiology) عام 2022 أعدها الباحث جاو تشاو وزملاؤه، أظهرت أن زيادة الدهون الحشوية لدى الرجال ترتبط بـ:

  • مقاومة أعلى للإنسولين.
  • ارتفاع مؤشرات الالتهاب المزمن.
  • وتغيرات في مستوى هرمون التستوستيرون.

بمعنى مبسط، كرش الرجل ليس "شكلا مزعجا" فقط، بل ضغط حقيقي على هرمونات الرجولة وصحة القلب والسكري مستقبلا.

وفي المقابل، افتتاحيات علمية حديثة في "فرونتيرز إن نيوترشن" تحدثت عن صيام رمضان باعتباره نموذجا لصيام نهاري متقطع، وذكرت أن الدراسات تربطه بتحسن في وزن الجسم ونسبة الدهون، وهو ما يفتح الباب لسؤال حاد: هل نفسد نحن بأيدينا فرصة ذهبية منحها لنا رمضان لحرق الدهون، فنحولها إلى موسم لتخزين البطن؟

Diet and weight problems. A man measures his stomach with a tape measure.
كرش الرجل ليس "شكلا مزعجا" فقط، بل ضغط حقيقي على هرمونات الرجولة وصحة القلب والسكري مستقبلا (شترستوك)

3 سلوكيات رمضانية تصنع "كرش الرجل"

  • السهر.. "كرش الشاشة" قبل "كرش السفرة"

إعلان

في الواقع اليومي، كثير من الرجال يعيشون معادلة ثابتة من عمل مرهق نهارا إلى إفطار ثقيل ثم سهر طويل أمام الشاشة إلى ما قبل السحور.

تجربة مشهورة نشرتها مجلة "حوليات الطب الباطني" (Annals of Internal Medicine) عام 2004 بقيادة الباحثة كارا سبايغل وزملائها، قلصت نوم رجال أصحاء إلى 4 ساعات ليلتين متتاليتين، فوجدت:

  • انخفاض هرمون الشبع (اللبتين).
  • ارتفاع هرمون الجوع (الغريلين).
  • زيادة قوية في الإحساس بالجوع والرغبة في الأطعمة النشوية والسكريات.

مراجعات أحدث -مثل مراجعة في مجلة "كلوكس آند سليب" (Clocks & Sleep) المتخصصة في أبحاث النوم عام 2023- تؤكد النتيجة نفسها مما يعني أن قلة النوم واضطرابه تعبث بهرمونات الشهية وتزيد قابلية زيادة الوزن.

في رمضان، يصبح هذا السيناريو يوميا "سهر متأخر وإفطار ثقيل" وهو ما ينتج عنه وصفة مثالية لزيادة دهون البطن، حتى لو صُمت النهار كله.

  • سكر آخر الليل.. كرش في منتصف الجسد

دراسة يابانية نشرتها نشرتها إحدى دوريات (BMC) الطبية عام 2018 بقيادة يوشيأكي أوسونوي ربطت بين عادات الأكل الليلي ومتلازمة الأيض، فالعشاء المتأخر والأكل قبل النوم مباشرة كانا مرتبطين بنسبة أعلى من:

  • السمنة البطنية.
  • ارتفاع ضغط الدم.
  • واضطراب سكر الدم والدهون.

وفي ورقة مراجعة أخرى في مجلة "نوترينتس" (Nutrients) المعنية بالتغذية عام 2019 أعدها شياو تشيانغ وزملاؤه، خلص الباحثون إلى أن توقيت الإفطار والغداء والعشاء لا يقل أهمية عن كمية الطعام، فالعشاء المتأخر خاصة يرتبط أكثر بزيادة الوزن والسمنة.

Fat Asian Moslem men feel very hungry and want to immediately devour fried food when breaking the fast in the month of Ramadan. the man showed a happy gesture
كثير من الرجال يلجؤون للطعام كوسيلة لتفريغ الضغط والانفعال (شترستوك)

عندما نترجم هذا إلى عادات رمضان عند كثير من الرجال:

  • عصير سكري ومشروبات غازية عند الإفطار.
  • حلويات بعد التراويح.
  • ثم "لقيمات" أو وجبة كاملة قرب السحور.

فإننا نمنح الجسم في أكثر أوقاته خمولا حمولة سكرية ودسمة مضاعفة، لا يجد لها مكانا أنسب من دهون البطن.

  • الكرسي شريك في صناعة الكرش

مراجعة في مجلة "فرونتيرز إن نيوترشن" أظهرت أن نتائج الصيام المتقطع -ومنها رمضان- تتحسن بوضوح حين يضاف إليها نشاط بدني بسيط ومنتظم.

وتشير دراسات حديثة منشورة في دوريات طبية مفتوحة الوصول -مثل مجلة "هيلث كير" (Healthcare)- إلى أن الصائمين الذين يحافظون على قدر من الحركة اليومية، ولو في حدها الأدنى، يحققون تحسنا أكبر في الوزن وتركيب الجسم مقارنة بمن يحولون الشهر إلى موسم خمول تام.

الرسالة بسيطة وهي أن الصيام وحده لا يصنع لك بطنا أنحف، إن لم يتحرك جسدك ولو خطوات بعد الإفطار.

من "كرش وجاهة" إلى "كرش إنذار"

ثقافيا، كان الكرش في بعض مجتمعاتنا علامة "شبع وكرم ووجاهة"، واليوم مع ما نعرفه عن الدهون الحشوية يمكن أن نسأل الرجل بهدوء، هل تقبل أن يكون رمز رجولتك هو نفس الكتلة التي:

  • تعيق ركضك مع أبنائك.
  • وتثقل سجودك في التراويح.
  • وتضع قلبك وسكر دمك تحت تهديد مستمر؟

أبحاث في مجال "الأكل العاطفي" تشير إلى أن كثيرين يلجؤون للطعام كوسيلة لتفريغ الضغط والانفعال. عند رجال كثر، يتحول إفطار رمضان إلى "تنفيس" عن يوم كامل من العمل والصيام، لا إلى طعام يسد الجوع فقط.

إعلان

هنا يصبح الكرش علامة على ظلم صامت للرجل لجسده، يحمله تراكم الضغوط في صورة دهون حول البطن.

Feet on a bathroom scale with the word HELP on the screen. Lose weight concept with person on a scale measuring kilograms
ما يؤكل في لحظة خمول وقرب نوم ومع انعدام حركة، يرجح أن يذهب إلى خزن الدهون خصوصا في البطن (شترستوك)

"استراتيجية الحرق الذكي" لرجل مشغول

لا نحتاج إلى رمضان مثالي، بل إلى خطة واقعية تمنع تضخم الكرش:

هندسة نافذة الأكل

دراسة في مجلة "فرونتيرز إن نيوترشن" توضح أن تأثير الصيام على الوزن يعتمد كثيرا على إجمالي السعرات في ساعات الأكل وكيفية توزيعها. لذلك يمكن تبني ثلاث محطات بسيطة:

  • إفطار تمهيدي عند الأذان: تمرات وماء مع شوربة أو بروتين خفيف. هدفه كسر الجوع العنيف ومنع "الهجوم" على الطعام.
  • صلاة المغرب "فاصل حركي": حركة خفيفة ووقوف، تساعد على بدء الهضم بهدوء.
  • وجبة رئيسية بعد التراويح: ثلث بروتين، ثلث خضار، ثلث نشويات.
  • والحلويات مجرد "ذوق" لا وجبة مستقلة.

قاعدة السكريات المتأخرة

يمكن أن تعلق في ذهن القارئ جملة واحدة "سكر بعد منتصف الليل يعني كرشا في منتصف الجسد".

نتائج دراسات الأكل الليلي تقول إن ما يؤكل في لحظة خمول وقرب نوم، ومع انعدام حركة، يرجح أن يذهب إلى خزن الدهون، خصوصا في البطن.

جرعة الحركة الذهبية

على سبيل المثال، أظهرت أبحاث منشورة في "فرونتيرز إن نيوترشن" أن إضافة نشاط بدني خفيف في شكل ألعاب حركية خلال ساعات ما بعد الإفطار في رمضان تساعد على تحسين تركيب الجسم لدى البالغين الذين يعانون زيادة وزن، مقارنة بمن يمر عليهم رمضان بلا حركة تقريبا.

لا أحد يطلب من الرجل برنامجا رياضيا معقدا، 20-30 دقيقة مشي بعد التراويح -إلى المسجد أو حول البيت- كافية لتقول لجسدك "أنا لا أستخدمك مجرد مخزن للطعام".

Body Change
لا نحتاج إلى رمضان مثالي، بل إلى خطة واقعية تمنع تضخم الكرش (شترستوك)

نوم يحفظ الهرمونات

قد لا يستطيع الجميع النوم 7-8 ساعات في رمضان، لكن دراسات الحرمان من النوم توضح أن النزول المزمن إلى أقل من 5 ساعات يزيد الشهية ويربك سكر الدم ويميل بالجسم إلى تخزين الدهون.

الحد الأدنى الواقعي:

  • 5-6 ساعات نوم مجمعة خلال 24 ساعة "ليلا مع قيلولة قصيرة".
  • وتجنب السهر العبثي لما بعد منتصف الليل إلا في عبادة أو ضرورة.

رجولة أخف.. وكرش أصغر

"كرش رمضان" ليس ملف تجميل، بل ملف عبادة وصحة وكرامة:

  • بطن أخف تعني نفسا أطول في التراويح وقيام الليل.
  • وبطن أخف تعني أبا يستطيع أن يجري مع أطفاله دون أن يختنق من أول سلم.
  • وبطن أخف تعني قلبا أقل عبئا، وسكرا أقل تذبذبا، وتستوستيرونا أقل تعرضا للضغط.

أبحاث الصيام المتقطع تقول إن رمضان يمكن أن يكون مختبرا سنويا لإعادة ضبط الجسد والدهون والهرمونات، فهل تترك "كرش رمضان" يكبر كل عام كنكتة ثقيلة أم تجعله هذا العام أول إنذار تستجيب له، لتخرج من الشهر بصفحة روح أنقى وبطن أخف؟

المصدر: الجزيرة + مواقع إلكترونية

إعلان