من وصفات الأمهات إلى "فوود توك".. كيف غزت السوشيال ميديا مطابخ جيل زد؟

A food blogger who creates content and looks into the camera. A smile male chef slices vegetables for a salad, filming a video with a camera on a tripod. Impact of social networks.
المؤثّر لا يقدم نفسه خبيرا في الطبخ، بل شخص عادي يجرب ويخطئ ثم ينجح (شترستوك)

في عالم تحكمه السرعة والصورة، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي هي المطبخ الجديد والفيديو هو الوصفة والمؤثر هو "الشيف"، ولم يعد صوت الأم في المطبخ هو المرجع الأول لجيل "زد"، وغابت دفاتر الوصفات القديمة الملطخة بالزيت، التي كانت تحتل مكان الصدارة في البيوت باعتبارها موروثا ثقافيا تقليديا.

يظهر استطلاع جديد نشر في موقع "نيويورك بوست"، أن نحو 72% من جيل زد يعتمدون على "السوشيال ميديا" مصدرا أساسيا لتعلم الطبخ وتخطيط الوجبات، في ظاهرة تعكس تحولا ثقافيا واجتماعيا أوسع من مجرد تغيير في طريقة إعداد الطعام.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

جيل يتعلم بالصورة لا بالكلمات

جيل زد هو أول جيل ينشأ في بيئة رقمية مكتملة الأركان، وهذا الجيل لا يفضل التعليم النظري المطول، بل يعتمد على الصورة والتجربة والمحاكاة، لذلك لم يكن مفاجئا أن تتحول منصات -مثل تيك توك وإنستغرام ويوتيوب- إلى مصادر المعرفة الأولى عندما يتعلق الأمر بالطعام.

فيديو قصير لا يتجاوز دقيقة واحدة قادر على توصيل ما تعجز عنه صفحات كاملة من الشرح المكتوب، فالمتابع يرى القوام واللون وطريقة التقديم وحتى الأخطاء المحتملة. هذه التجربة البصرية تقلل من رهبة المطبخ وتشجع الشباب على التجربة حتى أولئك الذين لم يسبق لهم الطهي من قبل، بحسب ما نشره موقع "كيتشن ناين".

Influencer millennial Food blogging or vlogging Using Social Media for Like, Follower, Comment and share. Self absorbed new generation of young people.Hobby broadcasting online learning course concept
استطلاع: نحو 72% من جيل زد يعتمدون على "السوشيال ميديا" مصدرا أساسيا لتعلم الطبخ (شترستوك)

لماذا تراجعت وصفات الأمهات؟

رغم قيمتها العاطفية، تعتمد وصفات الأمهات غالبا على الحدس والخبرة المتراكمة: "رشّة ملح"، "نار متوسطة"، "اتركه حتى ينضج". هذه اللغة، التي كانت مفهومة في سياقها التقليدي، تبدو غامضة لجيل اعتاد الدقة الرقمية والمقادير المحددة بالغرام والثانية.

إلى جانب ذلك، تغير نمط الحياة، فكثير من شباب جيل زد يعيشون بمفردهم وقد يوازنون بين الدراسة والعمل ولا يملكون الوقت أو الطاقة لإعداد وجبات تستغرق ساعات، لذلك أصبحت الوصفات السريعة والاقتصادية، التي تعتمد على عدد محدود من المكونات، أكثر انسجاما مع واقعهم اليومي من الأطباق العائلية التقليدية.

In a kitchen, a woman effortlessly snaps a selfie while cooking. Her radiant smile complements the culinary delights behind her capturing the harmonious fusion of self-expression and culinary artistry
فيديو قصير لا يتجاوز دقيقة واحدة قادر على توصيل ما تعجز عنه صفحات كاملة من الشرح المكتوب (شترستوك)

من الشيف التلفزيوني إلى المؤثر الرقمي

في الماضي، كان تعلم الطبخ مرتبطا بصورة الشيف المحترف على شاشة التلفزيون، بمطبخ مرتب وأدوات طهي مختلفة. اليوم تغير النموذج بالكامل، فمؤثرو الطعام يظهرون في مطابخ عادية وأحيانا غير مرتبة ويستخدمون أدوات تشبه ما هو موجود في بيوت المتابعين، هذا القرب من الواقع جعلهم أكثر تأثيرا ومصداقية في نظر الشباب.

إعلان

والمؤثر لا يقدم نفسه خبيرا في الطبخ، بل شخص عادي يجرب ويخطئ ثم ينجح. هذه العفوية خلقت علاقة ثقة قوية وحولت تعلم الطبخ من درس تقليدي إلى تجربة اجتماعية تشاركية.

"فوود توك".. مطبخ عالمي بلا حدود

ضمن هذا المشهد، برز مجتمع "فوود توك" (FoodTok) باعتباره أحد أكثر المجتمعات نشاطا وتأثيرا على منصة تيك توك، كما جاء في موقع "ذا سيليب بورتال". لم يعد هذا الوسم مجرد مساحة لعرض وصفات، بل تحول إلى مطبخ عالمي مفتوح يلتقي فيه المستخدمون العاديون ومؤثرو الطعام والعلامات التجارية لتشكيل اتجاهات غذائية جديدة تؤثر على ملايين الأشخاص حول العالم.

وما يميز فوود توك أنه يعتمد على المحتوى الذي ينشئه المستخدمون أنفسهم، لا على الإعلام المصقول أو الحملات الإعلانية التقليدية، وهذا الطابع العفوي جعل المحتوى أكثر قربا من الواقع وأكثر قدرة على الانتشار والتأثير.

لذا لم يقتصر تأثير تيك توك على الترفيه، بل امتد ليصنع اتجاهات غذائية خرجت من الشاشة إلى الحياة اليومية. وصفات مثل المعكرونة بالفيتا المخبوزة، وبيض البيستو، بدأت مقاطع قصيرة قبل أن تتحول إلى ظواهر عالمية أثرت حتى على الطلب في المتاجر والأسواق.

اللافت أن هذه الترندات لا يقودها طهاة مشاهير أو برامج تلفزيونية، بل أفراد عاديون، وفي كثير من الأحيان يبدأ الاتجاه من فيديو واحد فقط لينتشر خلال أيام عبر التقليد وإعادة النشر ويتحول إلى تجربة جماعية عالمية.

قوة الصورة وثقافة التقليد

تؤكد أبحاث نشرها مجلس تنمية الزراعة والبستنة البريطاني (AHDB) أن وسائل التواصل الاجتماعي تعد اليوم المصدر الأكثر تأثيرا على جيل زد في ما يتعلق بالطعام والشراب، فحوالي ثلثي الفئة العمرية بين 10 و22 عاما يصرحون بأنهم يتعرضون باستمرار لمحتوى غذائي عبر "السوشيال ميديا".

شهادات الشباب أنفسهم تعكس هذا الواقع، فتقول إحدى الفتيات "تيك توك ورييلز إنستغرام لهما التأثير الأكبر على ما أطبخه"، إذ يعتمد تيك توك على فيديوهات قصيرة مصممة لجذب الانتباه السريع بلقطات علوية ومونتاج متسارع وأصوات طهي قريبة من أسلوب "ASMR"، أي ذلك النمط الذي يوظف همسات وأصواتا دقيقة تولد إحساسا ممتعا ومهدئا لدى المتلقي.

غير أن العامل الحاسم لا يكمن في المشاهدة وحدها، بل في قابلية التكرار، فالمستخدمون لا يكتفون بالمشاهدة، بل يعيدون تنفيذ الوصفات ويضيفون لمساتهم الخاصة ثم يشاركون النتائج. هذه الحلقة التفاعلية تحول المحتوى إلى اتجاه، والاتجاه إلى سلوك فعلي داخل المطبخ وخارجه.

الوجه الآخر للصورة

لا يمكن إنكار أن هذا التحول جعل الطبخ أكثر انتشارا بين الشباب، خاصة أولئك الذين لم يكن لهم اهتمام سابق بالمطبخ، كما ساعد على كسر الصورة النمطية عن الطبخ باعتباره واجبا منزليا مملا، وحوله إلى نشاط إبداعي وتجريبي.

إضافة إلى ذلك، ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في فتح الباب أمام تجارب غذائية من ثقافات مختلفة، إذ أصبح من السهل على شاب في أي مكان تجربة وصفة من مطبخ آخر بمكونات سهلة يمكن شراؤها من المتجر المحلي.

في المقابل، يحذر بعض الخبراء من الاعتماد الكامل على ترندات السوشيال ميديا، خاصة أن بعض الوصفات الرائجة قد تكون غير متوازنة غذائيا أو تعتمد على مكونات عالية الدهون أو السكر، بحسب ما نشره موقع "ناشيونال جيوغرافيك"، كما أن منطق "الترند" بطبيعته سريع الزوال وهو ما قد يجعل العلاقة مع الطعام سطحية ومؤقتة.

هل انتهى دور الأم؟

رغم كل هذه التحولات، لا يمكن القول إن دور الأم انتهى، بل يمكن اعتبار ما يحدث إعادة توزيع للأدوار. فالأم لم تعد المصدر الوحيد للوصفة، لكنها ما زالت تمثل النكهة المرتبطة بالذاكرة والحنين. وربما يعيد جيل زد وصفات أمهاتهم إلى وسائل التواصل الاجتماعي، لكن بلمسة عصرية وعدسة هاتف.

إعلان
المصدر: الجزيرة + مواقع إلكترونية

إعلان