هل يجب أن يكون الأب حاضرا في غرفة الولادة؟ إليك ما يقوله العلم

أصبح من الشائع اليوم أن يشارك الزوج زوجته اللحظة التي يبصر فيها مولودهما النور، وذلك من خلال مرافقتها في غرفة الولادة. بالنسبة لكثير من النساء يشكل حضور الزوج نوعا من الدعم العاطفي في هذه اللحظات الحرجة، وقد يقوي هذا الحضور العلاقة العاطفية بين الزوجين ويخلق رابطا أعمق بين الأب ومولوده الجديد، لكن هل يخلو هذا الحضور من السلبيات؟ إليك ما يقوله العلم:
أكثر من مجرد دعم عاطفي
استعرض تقرير نشرته منظمة الصحة العالمية الفوائد الإيجابية لدعم الزوج لزوجته في لحظة الولادة، إذ يمنحها ذلك شعورا بالطمأنينة والدعم النفسي في لحظات شديدة الحساسية، مما يسهم في تقليل الشعور بالوحدة والتوتر أثناء المخاض. كما أن هذا الدعم يسهم في زيادة سيطرة المرأة على الموقف وتعزيز ثقتها بنفسها خلال الولادة.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsكذلك كشفت الدراسات وفقا للتقرير أن الدعم المستمر أثناء المخاض يرتبط بفوائد متعددة للأم والطفل، مثل مدة مخاض أقصر، وزيادة احتمالية الولادة المهبلية التلقائية، وتقليل الحاجة لتسكين الألم الدوائي أو العمليات القيصرية، وتحسن مؤشرات صحة الأطفال بعد الولادة.
ودعمت هذه النتائج دراسة نشرت على موقع هيلث وايز (Healthwise)، حيث ربط مختصون في طب التوليد، من بينهم البروفيسور إرنست أورجي، حضور الزوج بتخفيف الألم النفسي لدى الأم والوقاية من اكتئاب ما بعد الولادة، فيما أكد البروفيسور كريس أيماكو، أستاذ جامعة إبادان، أن وجود الزوج قد يسهم أيضا في تقصير مدة المخاض وتحسين قدرة الطفل على التكيف بعد الولادة.

الأب مستفيد أيضا
ولا تقتصر آثار حضور الزوج في غرفة الولادة على دعم الأم فحسب، بل تمتد لتشمل التجربة النفسية للأب نفسه. فقد أظهرت دراسة استقصائية نشرت على موقع ببميد (PubMed)، شملت 403 آباء، أن الغالبية العظمى منهم عبروا عن مشاعر إيجابية عميقة خلال تجربة الولادة؛ إذ أفاد أكثر من 80% بشعورهم بالفخر بالأبوة وبالحب تجاه زوجاتهم ومواليدهم الجدد.
كذلك تتناول دراسات لي غيتلر (Lee Gettler)، وهو باحث وأستاذ في الأنثروبولوجيا البيولوجية ومتخصص في البيولوجيا النفسية للأبوة، التحولات الهرمونية التي تطرأ على الرجل عند دخوله مرحلة الأبوة، مؤكدا أن الولادة تمثل نقطة تحول بيولوجية ونفسية مهمة في حياة الأب.
وتوضح أبحاثه أن تفاعل الأب المباشر مع مولوده، خصوصا في الفترة المحيطة بالولادة، يرتبط بعدد من التغيرات الهرمونية اللافتة، من أبرزها:
- هرمون الأوكسيتوسين: ترتفع مستوياته لدى الآباء عند ملامسة المولود أو التفاعل الجسدي معه فور ولادته، مما يعزز مشاعر الارتباط العاطفي والرعاية والحنان.
- هرمون التستوستيرون: تنخفض مستوياته لدى الآباء المنخرطين بفاعلية في رعاية أطفالهم بعد الولادة، وهو ما يرتبط بتراجع السلوك التنافسي وزيادة الميل إلى الاهتمام والمسؤولية الأبوية.
- التكيف البيولوجي النفسي: تشير نتائج الأبحاث إلى أن هذه التغيرات الهرمونية تعكس استجابة طبيعية لما يسمى "البيولوجيا النفسية الأبوية"، حيث يعاد توجيه وظائف الجسد لدعم الترابط الأبوي والاستثمار طويل الأمد في رعاية الطفل.

الجانب الآخر للصورة
ورغم ما تحمله مشاركة الزوج في غرفة الولادة من جوانب إيجابية، إلا أن مراجعة نوعية شملت 35 دراسة ونشرت في مجلة بي إم سي بريغنانسي آند تشايلد بيرث (BMC Pregnancy and Childbirth) سلطت الضوء على عدد من التحديات والآثار السلبية المحتملة لحضور الزوج أثناء المخاض، خاصة عند غياب التحضير والدعم الكافي.
وقد بينت نتائج هذه الدراسات أن التجربة قد تكون مرهقة نفسيا لبعض الأزواج، وتتمثل أبرز الجوانب السلبية فيما يلي:
- القلق والخوف النفسي: أظهرت العديد من الدراسات أن الأزواج يعانون من مستويات مرتفعة من القلق والخوف عند مشاهدة آلام الولادة، أو رؤية الدم والتدخلات الطبية المفاجئة، لا سيما لدى الآباء الذين يخوضون هذه التجربة لأول مرة أو أولئك الذين لم يتلقوا أي إعداد مسبق حول مراحل المخاض.
- الشعور بالعجز وفقدان السيطرة: عبر عدد من الأزواج عن إحساسهم بعدم القدرة على مساعدة الزوجة أو تخفيف معاناتها، ما ولد شعورا بالعجز والارتباك، خاصة عندما تتسارع الأحداث الطبية دون شرح كاف لما يحدث.
- عدم وضوح الدور داخل غرفة الولادة: أشارت الدراسات إلى أن كثيرا من الأزواج لم يكونوا على دراية بالدور المتوقع منهم، سواء في الدعم العاطفي أو العملي، مما جعل وجودهم أقرب إلى المراقبة السلبية منه إلى المشاركة الفاعلة.
- الشعور بالإقصاء من قبل الطاقم الطبي: في بعض الحالات، أدى ضعف التواصل مع الأطباء والقابلات، وعدم إشراك الزوج في الشرح أو اتخاذ القرارات، إلى شعوره بالتهميش والعزلة داخل غرفة الولادة.
- انعكاس التوتر على المرأة: بينت النتائج أن توتر الزوج وقلقه قد ينتقلان إلى المرأة نفسها، فيزيدان من شعورها بالضغط النفسي بدلا من الطمأنينة، خصوصا إذا لم تكن راغبة أصلا بوجوده أثناء الولادة.
وتؤكد هذه المراجعة أن حضور الزوج، في غياب التأهيل النفسي والتثقيفي المناسب، قد يتحول من مصدر دعم متوقع إلى عامل ضغط إضافي يؤثر سلبا على تجربة الولادة لكل من المرأة وزوجها.

نصائح للآباء الراغبين بحضور الولادة
ينصح الخبراء بعدد من الإرشادات التي تجعل هذا الحضور داعما وإيجابيا، من أبرزها:
- مناقشة القرار مسبقا: من الضروري التحدث مع الزوجة قبل موعد الولادة لمعرفة رغبتها الحقيقية في وجود الزوج، واحترام اختيارها دون ضغط أو افتراض مسبق.
- الاستعداد النفسي والمعرفي: ينصح بحضور دورات ما قبل الولادة أو الاطلاع على مراحل المخاض والتدخلات الطبية المحتملة، لتقليل الصدمة والقلق داخل غرفة الولادة.
- فهم الدور المتوقع: دور الزوج لا يقتصر على المشاهدة، بل يشمل الدعم العاطفي، الطمأنة، المساندة اللفظية، والمساعدة العملية البسيطة وفق ما تحتاجه الزوجة.
- التحكم في التوتر والقلق: من المهم أن يحافظ الزوج على هدوئه قدر الإمكان، لأن توتره قد ينتقل إلى الزوجة ويؤثر سلبا على تجربتها أثناء المخاض.
- التواصل مع الطاقم الطبي: طرح الأسئلة بهدوء وطلب التوضيح عند الحاجة يساعد الزوج على الشعور بالاندماج ويقلل من الإحساس بالعجز أو الإقصاء.
- المرونة والاستعداد للانسحاب: إذا شعرت الزوجة بعدم الارتياح أو تغيرت ظروف الولادة، يجب أن يكون الزوج مستعدا للتراجع عن الحضور دون حساسية أو شعور بالذنب.
وتظهر الأدلة العلمية أن التزام هذه الإرشادات يجعل حضور الزوج عاملا داعما يعزز شعور الأمان لدى المرأة، ويسهم في تحويل الولادة إلى تجربة إنسانية أكثر توازنا واحتراما لكلا الطرفين.