رمضان بلا عائلة.. دليل الرجل المغترب لصناعة أمانه النفسي

Muslim, dua and faith with man at home for gratitude, ramadan kareem and worship. Spiritual, peace and Islamic with person and prayer in living room of apartment for eid Mubarak, Allah and religion
التدين الفعال يعمل وسيطا يخفف أثر الضغوط النفسية عبر الدعاء والتوكل وإعادة تفسير الابتلاء (شترستوك)

في أول ليلة من رمضان يجلس شاب عربي في غرفة ضيقة، على الطاولة طبق بلاستيكي من طعام جاهز، وفي الهاتف مائدة عامرة في الوطن حيث الأم تملأ الصحون والإخوة يضحكون والطفل يلوح للكاميرا. يتحدث دقائق ويبتسم مجاملة ويطمئنهم أنه "بخير"، ثم تنتهي المكالمة وتعود الغرفة إلى صمتها.

الغربة هنا ليست تذكرة سفر، بل هي فقدان مفاجئ لبيئة كاملة، فلا رائحة طبخ قبيل المغرب ولا مقعد محفوظ على السفرة ولا ضجيج عائلي يسبق الأذان بثوان.

اقرأ أيضا

list of 3 itemsend of list

في الوعي العربي، رمضان شهر للجماعة بامتياز من مائدة ممتدة وزيارات، إلى تراويح مزدحمة وضجيج حميمي، لذلك تبدو الوحدة فيه وكأنها خلل شخصي لا ظرف خارجي. لكن علم النفس يقول العكس، إذ إن الشعور بالفراغ في المواسم الجماعية المكثفة استجابة طبيعية لفقدان الإطار الاجتماعي، لا علامة ضعف.

من بيت حيّ إلى غرفة صامتة

تصف أدبيات علم النفس ودراسات الهجرة الانتقال من بيئة مكتظة بالعلاقات إلى حياة فردية منعزلة بأنه "حدث حياتي ضاغط" يرفع احتمالات القلق والاكتئاب.

دراسة منشورة عام 2023 في مجلة "بي إم سي" للصحة العامة (BMC Public Health) على مهاجرين في أوروبا، وجدت أن ضعف الشبكات الاجتماعية وساعات العمل الطويلة يرتبطان مباشرة بارتفاع أعراض القلق والاكتئاب.

في السياق العربي يضاف بعد خاص، فالرجل الذي كان يعود يوميا إلى بيت يمده تلقائيا بالانتماء، يتحول فجأة إلى شخص يفطر وحده أمام شاشة. الضجيج الذي كان يزعجه أحيانا كان -دون أن يدري- يثبت هويته ويمنحه إحساسا ضمنيا بالأمان.

الأهم أن يفهم المقيم بعيدا عن أهله أن شعوره بالضيق ليس ضعف شخصية ولا نقص إيمان، بل هو استجابة إنسانية طبيعية لتغير عنيف في المشهد الحسي واليومي، وتجاهل هذا الشعور أو جلد النفس عليه لا يزيده إلا ثقلا. هنا يصبح السؤال عمليا "كيف تتحول الغرفة الصامتة إلى مساحة أكثر أمانا ولو في حدها الأدنى؟".

Fasting in Islam. A Muslim man prays. Dates and glass of drinking water for breaking fast during holy month of Ramadan
سحور بسيط تحضره بيدك، ولو كان ماء وتمرات وقطعة خبز، هو رسالة داخلية بأنك تعتني بنفسك (شترستوك)

الدين "يخفف الهم"

يقال كثيرا إن "الدين يخفف الهم"، لكن الدراسات الحديثة تذهب أبعد من هذا الشعار، إذ تشير أبحاث منشورة في مجلة الصحة النفسية للمسلمين (Journal of Muslim Mental Health) إلى أن التدين الفعال -الذي يجمع بين قناعة داخلية وممارسة يومية منتظمة- يعمل وسيطا يخفف أثر الضغوط النفسية عبر الدعاء والتوكل وإعادة تفسير الابتلاء بصورة غير عقابية.

إعلان

في المقابل، تظهر أبحاث في "مجلة الدين والصحة" (Journal of Religion and Health) أن ما يعرف بالتكيف الديني السلبي -مثل اعتبار كل ضيق عقوبة إلهية أو علامة غضب دائم- يرتبط بارتفاع معدلات الاكتئاب والقلق.

ما الذي يعنيه هذا عمليا للرجل المغترب في رمضان؟

  • أن يكون التدين بسيطا ومستداما، لا مشروعا مثاليا ينهار سريعا، فدقيقتان بعد الفجر يسلّم فيهما لله ما لا يستطيع تغييره من بُعده عن أهله وضغط عمله وقلقه من الغد.
  • سجدة شكر يومية على نعمة محددة في الغربة.
  • آية واحدة تُقرأ بتركيز وترافقه طوال اليوم، بدل خطة ختم ضخمة تتركه مثقلا بالذنب إذا عجز عنها.

التدين هنا ليس سباقا في عدد الركعات، بل بناء معنى داخلي ثابت. والإحساس بالمعنى يعد في الأدبيات النفسية الحديثة أحد أقوى عوامل الحماية في أوقات العزلة والضغط.

Muslim praying humbly
التدين ليس سباقا في عدد الركعات بل بناء معنى داخلي ثابت (شترستوك)

طقوس صغيرة بأثر نفسي كبير

تركز دراسات حديثة على أثر "العادات الصغيرة" في تثبيت المزاج على المدى الطويل، فقد أظهر بحث منشور عام 2022 في مجلة "الصحة النفسية المجتمعية" (Community Mental Health Journal) أن وجود روتين يومي منتظم -حتى في ظروف سكن مؤقت أو ضيق- يقلل الإحساس بالفوضى وفقدان السيطرة.

بالنسبة للرجل البعيد عن أسرته قد يبدو "جوّ رمضان" مستحيلا، إذ لا زينة ولا عزائم ولا سهرات طويلة. لكن الأمان النفسي لا تصنعه الزينة، بل الطقوس المتكررة:

  • سحور بسيط يحضره بيده في وقت ثابت -ولو كان ماء وتمرات وقطعة خبز- هو رسالة داخلية بأنه يعتني بنفسه، حتى لو لم يوقظه أحد.
  • مشي قصير بعد الإفطار يحرك الجسد ويخفف توتر اليوم، فالمشي المنتظم من أكثر السلوكيات التي تربطها الدراسات بتحسن المزاج وتقليل القلق.
  • إغلاق الهاتف في الدقائق الأولى بعد الأذان ليحضر قلبه مع طعامه ودعائه قبل أن يغرق في صور المقارنة مع موائد الآخرين.

الهدف ليس "رمضانا مثاليا"، بل أرضية يومية ثابتة تساعده على تحمل بقية الضغوط.

من غريب إلى شبكة أمان صغيرة

أحد أكثر ما تؤكده أبحاث الهجرة هو أهمية الدعم الاجتماعي، إذ تشير دراسات متعددة في مجلة "بي إم سي للصحة العامة" إلى أن امتلاك شبكة علاقات -ولو محدودة- يرتبط بانخفاض معدلات القلق والاكتئاب.

كثيرون يقولون "لا أعرف أحدا"، لكن علم الاجتماع يتحدث عن "العلاقات الضعيفة" مثل زميل عمل أو وجه مألوف في المسجد أو جار في السكن. لا يحتاج هؤلاء أن يصبحوا أصدقاء العمر، يكفي أن يتحولوا إلى ثلاثة أو أربعة أشخاص يعرفون اسمك ويرونك بانتظام.

  • الالتزام قدر الإمكان بمسجد واحد.
  • تحويل السلام العابر بعد الصلاة إلى حديث قصير.
  • الاتفاق على إفطار بسيط مرة أسبوعيا.

كلها خطوات صغيرة لكنها تنقل الإنسان من شعور "لا أحد حولي" إلى "هناك من يعرفني"، وهذا الفارق النفسي كبير.

Diverse Happy Muslim Friends Having Iftar Dinner Together on Ramadan Feast at Dining Table
الاتفاق على إفطار بسيط ولو مرة أسبوعيا مع المحيطين من أنجح الخطوات للصائم المغترب (شترستوك)

التكنولوجيا "مسكّن" لا بديل عن الحياة

مكالمات الفيديو مع الأسرة نعمة حقيقية، لكنها قد تتحول إلى مصدر ضغط إن أصبحت مقارنة دائمة بحياة "مثالية" على الشاشة.

أبحاث في علم النفس الاجتماعي تربط الاستخدام الكثيف وغير المنظم لوسائل التواصل بارتفاع القلق، خاصة حين تصبح المنصات معرضا مستمرا لما نفتقده.

إعلان

تنظيم أوقات الاتصال وتقليل التصفح في لحظات الهشاشة واستخدام المجموعات الصغيرة للمشاركة لا للمشاهدة فقط، كلها طرق تجعل التكنولوجيا جسرا، لا بديلا عن حضور إنساني حقيقي في بلد الإقامة.

لست مسؤولا عن تعويض كل شيء

يقف الرجل العامل في الغربة عند تقاطع ضغوط:

  • عمل طويل وتحويلات مالية وحضور عاطفي عبر الهاتف، وربما دور زوج وأب عن بُعد.
  • إذا أضاف إلى ذلك شعورا دائما بالتقصير الديني، صنع احتراقا صامتا لا يلاحظه أحد.

تشير أبحاث تعدد الأدوار إلى أن الحِمل الزائد دون حدود واضحة يعرض الإنسان لإجهاد نفسي متراكم.

من حقه أن يعترف:

  • لا أستطيع أن أكون هنا وهناك في الوقت نفسه.
  • أستطيع أن أقدم قدرا معينا من المال ووقتا محددا للمكالمات وجهدا ممكنا في العبادة، وما زاد عن ذلك فوق طاقتي.
  • وضع حدود واقعية ليس أنانية، بل شرط للاستمرار.
Muslim man reciting from holy book Koran
الإحساس بالمعنى يعد في الأدبيات النفسية الحديثة أحد أقوى عوامل الحماية في أوقات العزلة والضغط (شترستوك)

متى تصبح الوحدة علامة خطر؟

أحيانا تتجاوز الوحدة حدودها الطبيعية، فإذا استمرت أكثر من أسبوعين أعراض مثل اضطراب النوم الشديد وفقدان الاهتمام والعزلة شبه التامة أو أفكار عن عدم جدوى الحياة، هنا يتطلب الأمر دعما أوسع.

تشير دراسات في دورية "الصحة النفسية للمسلمين" إلى أن المهاجرين هم الفئة الأقل طلبا لخدمات الدعم، ليس لعدم حاجتهم إليها، بل بسبب "الوصمة" الاجتماعية المرتبطة بالصحة النفسية أو نتيجة لعوائق اللغة التي تجعل التعبير عن الألم الداخلي مهمة شاقة.

هنا طلب المساعدة -من صديق أو إمام أو طبيب- ليس تنازلا عن الرجولة ولا عن الإيمان، بل يدخل في باب حفظ النفس.

رجولة تعترف بالتعب.. لا رجولة تحترق في الصمت

في الثقافة العربية يربط الصبر الذكوري غالبا بالصمت، لا بالاعتراف. فتتحول عبارة "تحمّل أنت رجل" إلى قيد داخلي يمنع كثيرين من البوح.

لكن الحزن ليس نقيض الرجولة والشكوى إلى الله ليست ضعفا والبكاء ليس سقوطا. الرجولة في الغربة ليست أن تحمل كل شيء وحدك، بل أن:

  • تعترف بأن الغربة موجعة.
  • تستخدم الدين قوة مساندة، لا سوطا داخليا.
  • تبني طقوسا صغيرة تحمي يومك.
  • تنسج شبكة بشرية تحفظ توازنك.
  • وتطلب العون عندما يتجاوز الحِمل طاقتك.

إن استطعت أن تخرج من رمضان الغربة بقلب أقل قسوة على نفسه ونظام يومي أكثر رحمة وعلاقة بالله وبالناس أكثر صدقا، فقد صنعت لنفسك جوا رمضانيا حقيقيا حتى لو بقيت الغرفة هادئة من حولك.

المصدر: الجزيرة + مواقع إلكترونية

إعلان