ما الذي تكشفه اللحى عن الرجال؟

لا تبدو اللحية للوهلة الأولى أكثر من شعر ينبت على الوجه، لكنها في أعين علماء النفس والتطور إشارة بيولوجية واجتماعية معقدة تحمل بين شعيراتها حكاية عن النضج الجنسي والمكانة والهوية، وحتى صراعات الرجل مع صورته أمام نفسه والآخرين.
في مقال منشور بموقع "سيكولوجي توداي" (Psychology Today)، ينطلق الأستاذ والباحث في علم النفس سام غولدستين من حكاية صديق قرر الخضوع لإزالة شعر الوجه بالليزر، لا هربا من ألم الحلاقة أو كلفتها بل من رتابة تكرارها اليومي.
اقرأ أيضا
list of 3 itemsقرار بسيط كهذا أثار موجة تعليقات من أسرته وأصدقائه، بعضهم -مازحا- اتهمه بالتخلي عن جزء من "رجولته". تلك اللحظة العابرة تكشف أن اللحية ليست تفصيلا عاديا بل رمزا لا ننتبه إلى دلالاته إلا عندما يقرر أحدهم التمرد عليه.
اللحية.. إشارة لا أداة
من منظور تطوري، البشر ثدييات "عارية" نسبيا، فقدنا معظم الغطاء الشعري الذي يكسو أجساد أقربائنا من الرئيسيات، لكننا احتفظنا ببقع إستراتيجية من الشعر من بينها اللحية التي تظهر في أكثر موضع مكشوف في الجسد وهو الوجه.
لو كانت اللحية موجودة لتدفئة صاحبها، لكان ذلك "اختيارا غريبا" من وجهة نظر التطور، فطبقة رقيقة من الشعر لا تقدم أفضل حماية من البرد مقارنة بالدهون والملابس، والتفسير الأرجح، كما يعرضه المقال، هو أن اللحية تطورت بوصفها إشارة وليست أداة.
ويشير المقال إلى دراسات، من بينها "الجميلة والوحش: آليات الاختيار الجنسي عند الإنسان" المنشورة عام 2010 للباحث ديفيد بوتس، تشرح كيف أن شعر اللحية علامة على نضج الرجل الجنسي ومكانته بين الرجال الآخرين، فمن خلالها يقرأ الرجال محيطهم الاجتماعي ويميزون من يُخشى جانبه ممن يمكن الوثوق به.
اللحية أيضا وسيلة لإظهار القوة والهيمنة والحكمة، فالرجل ذو اللحية الكثيفة والطويلة قد يبدو أكبر حجما وأقوى حضورا جسديا ونفسيا، وهو ما يمنحه أفضلية تنافسية على من يفتقدون شعر الوجه أو يحلقونه.

عامل جذب ووسيلة فرز
لا تقف وظيفة اللحية عند الرجال أنفسهم، فالأبحاث التي تناولت نظرة النساء إلى اللحى تظهر أنها تستخدم أيضا في تقييم النضج الجنسي والصحة وجاذبية الشريك المحتمل، وهو ما أشارت إليه دراسة للباحثَين بارنابي ديكسون وروبرت بروكس منشورة عام 2013 بعنوان "دور شعر الوجه في تصوّرات النساء لجاذبية الرجال وصحتهم وذكورتهم وقدراتهم الأبوية".
هنا تتحول اللحية إلى مؤشر مركب إذ تلخص في مظهر واحد جوانب من الحالة الصحية والهرمونية والمكانة الاجتماعية.
أبحاث في "السلوك والتطور الإنساني"، من بينها دراسة منشورة عام 2017 بعنوان "ما وراء اللحية: هل تؤثر أبعاد ملامح الوجه في شدة الأحكام على كثافة لحية الرجال؟"، للباحث بارنابي ديكسون وزملائه، تشير إلى أن اللحية تسهم في تشكيل الانطباعات عن المكانة والهيمنة وتحمل إشارة على النضج الجنسي والاجتماعي، وربما "السيطرة الجنسية" أيضا ضمن آليات الانتقاء الجنسي التي وصفها داروين منذ القرن التاسع عشر.
المجتمع هو الذي يقرر
بحسب المقال، ما إن يظهر "الخام البيولوجي" حتى تتكفل الثقافة بصياغة معناه، فالهرمونات قد تحدد نمو الشعر لكن المجتمع هو الذي يقرر ماذا تعني اللحية.
عبر التاريخ مثّل شعر الوجه كل شيء تقريبا، رمزا للرجولة والخصوبة أو للتمرد أو للتقوى أو للكسل أو للفكر أو للخطر أو للمصداقية. المفارقة أن هذه المعاني قد تتبدل جذريا في الفترة الزمنية نفسها ومن ثقافة لأخرى.
ما يميز اللحية أنها، خلافا للطول أو بنية العظام، قابلة للتشكيل إذ يمكن حلقها أو تهذيبها أو إطلاقها أو رسمها على الوجه بأساليب لا نهائية. هذا التحكم يمنحها قوة رمزية إضافية، فقرار الحلاقة يُقرأ غالبا بوصفه نزوعا إلى الانضباط والامتثال للصورة "الرسمية" أو المهنية، في حين يفهم إطلاق اللحية أحيانا باعتباره ميلا إلى اللاامتثال أو النضج أو رفض معايير المجتمع السائدة.
وفي كل الأحوال تتحول اللحية إلى ساحة تلتقي فيها العوامل البيولوجية مع ضغوط المجتمع وتوقعاته في صيغة شديدة الخصوصية لكل شخص.

لماذا ما زلنا نهتم كثيرا باللحية؟
حتى لو لم تكن اللحية مسألة حياة أو موت، فإن البشر لم يتوقفوا عن كونهم كائنات اجتماعية، فنحن نجري مسحا لحظيا لوجوه الآخرين بحثا عن إشارات ولا سيما الوجوه التي تختلف عنا.
اللحية تغير شكل الوجه وطريقة قراءته، وهي:
- قد تخفف من حدة بعض التعبيرات أو تضخمها.
- قد تخفي ملامح الضعف، أو تمنح صاحبها حضورا طاغيا.
ويقدم الكاتب الحلاقة وتشذيب اللحية باعتبارها طقسا من طقوس "رعاية ما نخلقه من أنفسنا"، فاللحية تنبت من جسد الرجل لكنها في الوقت نفسه كيان شبه مستقل يحتاج إلى عناية يومية، ويستخدم في صياغة صورة الذات أمام المرآة وأمام المجتمع. هنا يصبح الاعتناء باللحية أو التخلص منها نهائيا شكلا من أشكال العمل على الهوية لا مجرد تنظيف دوري للوجه.
تاريخ حي ينمو على الوجه
يذكّرنا الكاتب أن التطور لا يهتم بصناعة ملامح جميلة بقدر ما يفرز سمات تخدم -بشكل مباشر أو غير مباشر- البقاء والتكاثر. ومع ذلك، ومع تغير بيولوجيتنا ونفسيتنا وثقافاتنا عبر آلاف السنين، تظل بعض السمات -مثل حالة اللحية- محتفظة بحساسيتها الرمزية.
في ضوء ذلك، لم يكن قرار صديق الكاتب بإزالة شعر وجهه بالليزر مجرد "بحث عن راحة" من الحلاقة اليومية، بل يمكن النظر إليه باعتباره تمردا صغيرا على إشارة تطورية قديمة وكأنه يختار تعطيل لغة كاملة من لغات الجسد الموروثة.
في النهاية، يقترح المقال رؤية مكثفة وهي أن اللحية ليست مجرد شعر ينمو على الوجه، بل هي تاريخ ينمو وشيفرة بيولوجية قديمة تعيد الثقافة كتابتها في كل جيل وأيضا مرآة تعكس كيف نفهم الرجولة والهوية والإنسانية نفسها.
