بين الحماية والحظر.. هل تنجح القوانين في انتزاع الأطفال من أنياب الخوارزميات؟

Social media. Teenage girl using mobile phone at home. Different notification signs and emojis near gadget
حظر استخدام مواقع التواصل للأطفال دون ال16 يثير جدلا في بريطانيا (شترستوك)

تواجه المملكة المتحدة اليوم واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في العصر الحديث؛ هل نملك الحق، أو حتى القدرة، على حجب وسائل التواصل الاجتماعي عن المراهقين؟ يأتي هذا التساؤل بعد إقرار مجلس اللوردات تعديلات جوهرية على (مشروع قانون رفاهية الأطفال والمدارس)، وهو تشريع ينص صراحة على حظر استخدام المنصات الرقمية لمن هم دون سن السادسة عشرة، وإلزام الشركات بفرض تقنيات صارمة للتحقق من السن.

ومع اقتراب هذا المشروع من محطته الأخيرة في انتظار الموافقة النهائية من مجلس العموم ليدخل حيز التنفيذ رسميا، لم يعد الأمر مجرد نقاش قانوني عابر، بل تحول إلى صراع قيمي محتدم بين ضرورة حماية الصحة العقلية للأبناء من مخاطر الخوارزميات، وبين الحق في حرية الوصول إلى المعرفة والتواصل في عالم رقمي بامتياز.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

هذا الصراع لا يقتصر على حدود المملكة المتحدة فحسب، بل قد يمتد ليشمل دولا أخرى كذلك؛ لاسيما أن التحرك البريطاني كان مستوحى بشكل مباشر من التجربة الأسترالية التي فتحت باب النقاش حول مدى فاعلية "المنع المطلق" كأداة لحماية الطفولة في عصر السيولة الرقمية.

Teenage girl sitting on bed using smartphone, surrounded by wall with photos and social media icons, relaxing in cozy bedroom decorated with personal items and natural light
تحاول دول عدة فرض رقابة رقمية صارمة على الأطفال (شترستوك)

التجربة الأسترالية تتفشى عالميا

لم يكن التحرك البريطاني وليد الصدفة، بل جاء مدفوعا بـ "تأثير الدومينو" الذي أحدثته أستراليا في ديسمبر/كانون الأول 2025؛ حيث سنت الحكومة الأسترالية تشريعا غير مسبوق عالميا، يفرض حظرا قانونيا شاملا يمنع الأطفال دون سن الـ 16 عاما من الوصول إلى منصات التواصل الاجتماعي، مع نقل عبء المسؤولية القانونية والمادية بالكامل من كاهل الوالدين إلى شركات التقنية العملاقة.

أستراليا لم تكتف بوضع ضوابط، بل فرضت غرامات تصل إلى 49.5 مليون دولار أسترالي (نحو 32 مليون دولار) على المنصات التي تخفق في حظر من هم دون الـ 16 عاما.

وما يثير اهتمام المشرعين عالميا هو الأرقام التي استندت إليها أستراليا؛ فوفقا لهيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي (BBC) كشفت الدراسات أن 96% من القاصرين غارقون في هذه المنصات، وأن 70% منهم يتعرضون لمحتوى عنيف أو يحرض على الكراهية.

إعلان

ووفقا لوكالة رويترز (Reuters) للأنباء، فقد بدأت العديد من الدول الأخرى بفرض قيود رقمية متفاوتة الصرامة؛ إذ وضعت الصين برنامجا يفرض قيودا تقنية مباشرة على الأجهزة لتقييد وقت الشاشة حسب السن. وفي أوروبا، أعلنت الدنمارك عن خطة لحظر المنصات لمن هم دون الـ 15 عاما.

أما دول مثل فرنسا، ألمانيا، وإيطاليا، فقد اعتمدت قوانين تشترط "موافقة الوالدين" لمن هم دون سن (14 أو 15 عاما)، رغم اعترافها بتحديات تقنية تعيق التنفيذ الكامل.

وفي آسيا، أعلنت ماليزيا أنها ستفعل حظرا لمن هم دون الـ 16 عاما خلال عام 2026. وحتى في الولايات المتحدة، وبينما تفرض القوانين الفيدرالية حماية البيانات لمن هم دون الـ 13، تحاول عدة ولايات فرض قيود أكثر صرامة، لكنها لا تزال تواجه معارك قضائية شرسة تتعلق بحرية التعبير.

teenager with the laptop works
96% من القاصرين في استراليا غارقون في منصات التواصل الاجتماعي (شترستوك)

تحديات التنفيذ.. حين تصطدم القوانين بالواقع التقني

على الرغم من دخول القانون الأسترالي حيز التنفيذ، فإنه يواجه العديد من التحديات التي قد تصطدم بها دول أخرى مثل بريطانيا إذا مررت قرار الحظر؛ومن أبرز هذه التحديات:

1. معضلة "التحقق الفعال" وفجوة الخصوصية: تجادل كبرى الشركات مثل ميتا (Meta) بأن التكنولوجيا المتاحة حاليا ليست دقيقة بما يكفي لتمييز المراهق في الـ 15 من الشاب في الـ 17، وأن طلب وثائق الهوية الرسمية قد يثير استياء المستخدمين الذين لا يملكون حسابات بنكية أو جوازات سفر، وهم غالبا الفئات الأكثر احتياجا للتواصل.

ومن ناحية قانونية تبرز هنا كذلك مخاوف من تحول الإجراءات المتخذة بهدف "حماية الأطفال" إلى "باب خلفي" لجمع بيانات بيومترية شاملة للسكان، مما يضع أسرار المستخدمين في مهب الريح عند حدوث أي اختراق أمني.

2. خطر "العالم السفلي": أكبر المخاوف التي تواجه أي حكومة هي أن يمنح الحظر الآباء "أمنا كاذبا". فبينما لا يتاح للأطفال الوصول إلى المنصات الكبرى الخاضعة للرقابة مثل فيسبوك (Facebook) وإنستغرام (Instagram)، قد يتحولون لاستخدام "الشبكة المظلمة" (Dark Web) أو منصات مجهولة المصدر، وتطبيقات ألعاب غير مشمولة بالحظر مثل "روبلوكس" حيث يغيب الإشراف تماما ويزداد خطر الاستدراج والابتزاز.

Teenage hacker working online in secret. Child hacker cyber security theme. Young hacker with anonymous digital identity. Kid hacker with digital privacy.
حظر مواقع التواصل قد يدفع المراهقين لاستخدام الدارك ويب (شترستوك)

3. الهروب الرقمي عبر الحدود الوهمية: يمتلك المراهقون مرونة تقنية مذهلة؛ فاللجوء إلى الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN) لتغيير المواقع الجغرافية للأجهزة أصبح "لعبة أطفال".

هذا يضع المشرعين في بريطانيا وغيرها أمام حقيقة تقنية مرة: هل يمكن فعلا سجن "سحابة رقمية" عابرة للحدود خلف أسوار قوانين محلية؟ إذا استطاع الطفل بنقرة زر أن يوهم المنصة بأنه يتصفح من دولة لا تفرض الحظر، فإن القانون بأكمله يصبح بلا قيمة.

4. الغرامات مقابل الأرباح: هناك تحد يواجه أي قوة تشريعية وهو "قيمة الردع". فبينما تبدو غرامة 50 مليون دولار ضخمة، يرى الخبراء أن شركات مثل ميتا (Meta) تحقق هذا المبلغ كأرباح في أقل من ساعتين.

لذا، فإن التحدي ليس في وضع القانون، بل في جعل تكلفة مخالفته أكبر من مكاسب تجاهله، وهو أمر تتخوف منه الكثير من الحكومات التي تخشى صداما خاسرا مع الشركات العملاقة.

هل الحظر ضرورة حتمية أم مجرد إجراء سطحي؟

مع توسع النقاش في المجتمع البريطاني حول أهمية حظر مواقع التواصل الاجتماعي للأطفال دون 16 عاما انقسمت الآراء إلى معسكرين:

إعلان

الأول يرى أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد أدوات تواصل بريئة، بل هي خوارزميات معقدة صممت هندسيا لتسبب الإدمان القسري (Compulsive Use).

ويستشهد أنصار هذا التوجه بقصة البريطانية إستر غيه، التي تحولت إلى أيقونة لهذا الحراك بعد مأساة ابنتها المراهقة "بريانا" التي قتلت على يد مراهقين تأثروا بمحتوى عنيف عبر الإنترنت. تؤكد إستر أن ابنتها كانت ضحية "للعزلة الرقمية" التي فرضتها عليها الخوارزميات، حيث كانت الشاشة تمدها بمحتوى محبط يعزز قلقها النفسي، بينما كان القتلة يتغذون على محتوى سادي نزع منهم التعاطف الإنساني.

أما المعسكر الثاني فيضم أولئك الذين يرون في الحظر مجرد حل سطحي غير فعال. حجتهم أن القانون يعاقب الضحية (الطفل) بحرمانه من مجتمعه الرقمي، بدلا من معاقبة الجاني (الشركات التقنية) بإجبارها على تصميم خوارزميات آمنة. ويقترح هؤلاء بدائل مثل "تصنيفات العمر للأفلام" المطبقة على التطبيقات، بحيث لا يمنع الطفل من مواقع التواصل بل يقيد المحتوى الذي يصل إليه.

المصدر: مواقع إلكترونية

إعلان