لماذا يلازم الرجال شاشات الأخبار والمباريات؟ قراءة نفسية واجتماعية

Man arriving home, relaxing on couch, eating popcorn while watching movies shown on TV. Person entering apartment, eating snacks and streaming shows in neon lit living room, camera B
الأخبار والمباريات بالنسبة للرجال ليست مجرد محتوى بل وسيلة لفهم العالم وتفريغ المشاعر (فري بيك)

تشير دراسات إعلامية ونفسية حديثة إلى أن الرجال يشكلون النسبة الأكبر من متابعي الأخبار السياسية والاقتصادية والأحداث الرياضية مقارنة بالنساء، سواء عبر التلفزيون أو المنصات الرقمية، وهذا الحضور اليومي المكثف للأخبار والمباريات في حياة كثير من الرجال لم يعد يُنظر إليه بوصفه تفضيلا إعلاميا فحسب، بل سلوكا متكررا يرتبط بحاجات نفسية واجتماعية.

ويُظهر مركز بيو للأبحاث (Pew Research Center) في تقاريره حول أنماط استهلاك الأخبار أن الرجال يميلون أكثر من النساء إلى متابعة الأخبار السياسية والاقتصادية والدولية بشكل منتظم، خصوصا في فترات الأزمات، ويربط الباحثون هذا السلوك بما يُعرف في علم النفس الاجتماعي بـ"الحاجة إلى السيطرة المعرفية"، أي السعي إلى فهم العالم وتوقّع مساراته بوصف ذلك وسيلة لتقليل القلق وتعزيز الشعور بالكفاءة.

Men watching video on a TV freepik
الرجال يميلون أكثر من النساء إلى متابعة الأخبار السياسية والاقتصادية والدولية (فري بيك)

وبحسب الباحثين في مركز بيو، فإن الأخبار بالنسبة لكثير من الرجال لا تؤدي وظيفة معرفية فقط، بل تُشكّل جزءا من الهوية اليومية، ويُنظر إلى الاطلاع المستمر على الشأن العام باعتباره علامة وعي ومسؤولية، خاصة في المجتمعات التي تربط الرجولة بالقدرة على الفهم والتحليل واتخاذ المواقف.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

الرياضة لدى الرجال.. متعة أم حاجة نفسية؟

في موازاة الأخبار، تحتل الرياضة -وعلى رأسها كرة القدم- موقعا مركزيا في حياة عدد كبير من الرجال. وأظهرت دراسة منشورة في مجلة علم النفس التطبيقي (Journal of Applied Psychology) بعنوان "كيف تعزز مشاهدة الأحداث الرياضية الإحساس بالرفاهية الذاتية"، أجراها فريق بحثي من جامعة واسيدا اليابانية بقيادة البروفيسور شينتارو ساتو، أن مشاهدة المباريات تُنشّط مناطق المكافأة في الدماغ.

ومناطق المكافأة في الدماغ مرتبطة بالمتعة والانتماء الاجتماعي، وتُسهم في خفض مستويات التوتر ورفع الشعور بالرضا النفسي، لا سيما لدى الرجال الذين يتابعون المباريات ضمن سياق جماعي.

Irked supporter raging while watching sports broadcast, berating team after mistake. Angry man throwing pillow at TV screen while looking at football, scolding player for missing chance, camera B
مشاعر الحماس والغضب والإحباط والفرح تصبح مقبولة ومبررة اجتماعيا أثناء المباراة (فري بيك)

ويفسر علم النفس الرياضي هذه النتائج بأن الرياضة توفّر للرجل "قناة لتفريغ المشاعر"، فالحماس والغضب والإحباط والفرح -وهي مشاعر لا يُشجَّع الرجال غالبا على التعبير عنها في الحياة اليومية- تصبح مقبولة ومبرَّرة اجتماعيا أثناء المباراة.

إعلان

ويتقاطع هذا التفسير مع ما توصل إليه الباحث الأميركي دانييل وآن، أحد أبرز المتخصصين في علم نفس الجماهير الرياضية، في كتابه "جماهير الرياضة: علم النفس والتأثير الاجتماعي لسلوك المتفرج" (Sports Fans: The Psychology and Social Impact of Spectator Behavior)، أن الانتماء لفريق رياضي يمنح الرجل شعورا بالهوية والمعنى والانتماء الجماعي، وهي احتياجات نفسية أساسية قد يصعب تلبيتها بوسائل أخرى.

طقوس المشاهدة والانتماء الجماعي

وتُظهر تجارب رصد اجتماعي نُشرت في مجلة سلوكيات الرياضة (Journal of Sport Behavior) أن الرجال الذين يشاركون بانتظام في مشاهدة المباريات الجماعية -في المقاهي أو المجالس أو المنازل- يتمتعون بمستويات أعلى من الشعور بالاندماج الاجتماعي مقارنة بمن يشاهدون بمفردهم.

وتشير هذه الدراسات إلى أن طقوس المشاهدة لا تقل أهمية عن الحدث الرياضي نفسه، إذ تتحول إلى مساحة تواصل وتبادل انفعالي تُعوّض تراجع الروابط الاجتماعية التقليدية في الحياة المعاصرة.

الرجال الذين يشاركون بانتظام في مشاهدة المباريات الجماعية يتمتعون بمستويات أعلى من الشعور بالاندماج (فري بيك)

الرياضة امتداد للهوية الذكورية

ويربط باحثون في علم الاجتماع هذا السلوك بأنماط التنشئة الاجتماعية للرجال وبمفهوم "الذكورة المهيمنة"، وهو مفهوم طوّرته عالمة الاجتماع الأسترالية رايوين كونيل، التي ترى أن المجتمعات تشجّع الرجال على ضبط مشاعرهم وتجنّب التعبير العاطفي المباشر، مقابل إبراز القوة والانضباط والسيطرة، وضمن هذا الإطار تصبح الرياضة مساحة مقبولة اجتماعيا لتجسيد هذه القيم والتنفيس عن المشاعر دون تعارض مع الصورة النمطية للرجل.

ويعزّز هذا الطرح عالم الاجتماع الأميركي مايكل ميسنر، المتخصص في علم اجتماع الرياضة، ويرى أن الانخراط العاطفي في متابعة الفرق والمباريات يمنح الرجال شعورا بالاعتراف الاجتماعي والانتماء.

من المتعة إلى الهروب الصامت

غير أن هذه الوظيفة النفسية الإيجابية قد تنقلب إلى سلوك انسحابي عندما تتحول متابعة الأخبار أو الرياضة إلى وسيلة للهروب الدائم من ضغوط العمل أو العلاقات أو المسؤوليات الأسرية، وفي هذه الحالة تصبح الشاشة ليس مجرد مصدر معرفة أو ترفيه، بل ملاذا ذهنيا يتيح الانسحاب دون مواجهة مباشرة مع الواقع، وهكذا يمكن أن يقرأ الطرف الآخر هذا السلوك غيابا عاطفيا.

Woman arguing with her internet addicted boyfriend freepik
متابعة الأخبار أو الرياضة تنقلب إلى سلوك انسحابي عندما تتحول إلى وسيلة للهروب (فري بيك)

وترى عالمة الاجتماع الأميركية آرلي هوكشيلد أن الانسحاب الذهني المتكرر، حتى غير المقصود، يُفسَّر على أنه تراجع في الاستثمار العاطفي داخل العلاقة. أما الباحثة البريطانية كارول سمارت فتؤكد أن العلاقات المستقرة تقوم على "الحضور العاطفي اليومي"، وأن تكرار لحظات الانشغال بالشاشة قد يخلق فجوة صامتة تتسع بمرور الوقت.

ولا يحدد المختصون الإشكالية في عدد الساعات فقط، بل في أولوية الانتباه، وعندما تصبح الأخبار أو المباريات النشاط الذي يُؤجَّل من أجله التواصل الأسري أو الحضور النفسي، فإن الأمر يتجاوز المتابعة الصحية إلى نمط سلوكي يحتاج إلى مراجعة.

الأخبار والرياضة ليست مجرد محتوى إعلامي أو ترفيهي لدى الرجال، بل هي أدوات نفسية واجتماعية لفهم العالم وتخفيف الضغوط وبناء الانتماء، ومع ذلك فالإفراط في الاعتماد عليهما قد يحوّلهما إلى حاجز صامت يفصل الرجل عن محيطه القريب وهو ما يستدعي إعادة النظر في العلاقة مع الشاشة ضمن الحياة اليومية.

إعلان
المصدر: الجزيرة + مركز بيو + مواقع إلكترونية

إعلان