هرمونات الرجل عبر اليوم.. متى يكون أكثر تركيزا أو أكثر توترا؟

هرمونات الرجل عبر اليوم: متى يكون أكثر تركيزا ومتى أكثر توترا؟
الكورتيزول والتستوستيرون يخضعان لإيقاع يومي يؤثر في اليقظة والطاقة والاستعداد للتوتر (الجزيرة)

في الصباح ينجز الرجل المهام المعقدة بهدوء وتركيز، فيخطط ويحلل ويتخذ قراراته بثبات، ومع نهاية اليوم قد يعود الشخص نفسه أقل صبرا وأسرع انفعالا حتى تتحول ملاحظة عابرة إلى خلاف، فهل يتغير الرجل فعلا في ساعات قليلة؟

العلم يقول إن الإجابة ليست نفسية فقط بل هي بيولوجية أيضا، إذ تشير مراجعات علمية منشورة في قاعدة بيانات المركز الوطني الأميركي لمعلومات التكنولوجيا الحيوية ومراجع طبية مثل "ستيت بيرلز" و"مايو كلينك"، إلى أن الجسم يعمل وفق ساعة بيولوجية داخلية تنظّم إفراز هرمونات أساسية، أبرزها الكورتيزول والتستوستيرون، فينعكس ذلك على الطاقة والتركيز والاستعداد للتوتر، إلى جانب تأثير النوم والضغط ونمط الحياة.

اقرأ أيضا

list of 3 itemsend of list

يعتمد الجسم على ما يُعرف بـ"الإيقاعات اليومية"، وهي نظام داخلي يقوده الدماغ طيلة اليوم والليلة، وينظم النوم واليقظة ودرجة الحرارة وإفراز الهرمونات. وتشير ورقة علمية منشورة في موقع "ستيت بيرلز" الطبي، بعنوان "فسيولوجيا الإيقاع اليومي"، إلى أن اضطراب هذا النظام -بسبب السهر المزمن أو العمل الليلي أو الضغط المستمر- يرتبط بتغير المزاج وضعف التركيز وتدهور جودة النوم.

وتؤكد دراسات منشورة في مجلات متخصصة مثل "أبحاث النوم" و"كرونوبيولوجي إنترناشونال" أن العمل بنظام المناوبات واضطراب الإيقاع اليومي يرتبطان بزيادة اضطرابات النوم والمزاج، وبضعف الأداء المعرفي على المدى الطويل.

الكورتيزول هرمون اليقظة

الكورتيزول غالبا ما يوصف شعبيا بـ"هرمون التوتر"، لكن توصيفه الأدق هو أنه هرمون اليقظة والاستجابة، وتوضح دراسة بعنوان "فسيولوجيا الكورتيزول" منشورة في "ستيت بيرلز" أن الكورتيزول يتبع نمطا يوميا واضحا لدى معظم البالغين الأصحاء:

  • يرتفع في الساعات الأخيرة من النوم.
  • يبلغ ذروته أثناء 30 إلى 60 دقيقة بعد الاستيقاظ في ظاهرة معروفة باسم "استجابة صحوة الكورتيزول".
  • ينخفض تدريجيا طوال اليوم ليصل إلى أدنى مستوياته ليلا بما يساعد على الاسترخاء والاستعداد للنوم.
إعلان

هذه الذروة الصباحية ليست توترا مرضيا، بل هي آلية طبيعية تعزز اليقظة وترفع الاستعداد الذهني والبدني لبدء اليوم.

المشكلة تظهر حين يختل هذا الإيقاع، إذ تشير أبحاث حول العمل بنظام المناوبات واضطراب الساعة البيولوجية إلى أن الكورتيزول قد يبقى مرتفعا أو يتزحزح توقيت ذروته إلى ساعات متأخرة، وهو ما يرتبط بصعوبة النوم وزيادة القلق واضطرابات المزاج على المدى الطويل.

إفراز هرمونات الضغط العصبي كالأدرنالين والكورتيزول بصفة مستمرة يثبط إفراز هرمونات أخرى، ما يؤدي إلى زيادة محتوى الدهون بالجسم وتقلص الكتلة العضلية
الكورتيزول غالبا ما يوصف شعبيا بـ"هرمون التوتر" (الألمانية)

التستوستيرون طاقة صباحية

لهرمون التستوستيرون أيضا إيقاع يومي، إذ توضح دراسات منشورة في "مجلة الغدد الصماء السريرية والأيض" ودوريات أخرى أنه:

  • يكون في أعلى مستوياته نسبيا في الصباح بعد الاستيقاظ.
  • ينخفض تدريجيا مع تقدم ساعات النهار.
  • يصل إلى مستويات أقل مساء، خاصة مع التقدم في العمر أو وجود اضطرابات في النوم.

ولا يعني ذلك أن الرجل "يفقد طاقته" ليلا بل إن نقطة انطلاقه الصباحية تكون عادة أعلى، ويرتبط هذا الهرمون بالحيوية العامة والطاقة والكتلة العضلية والدافعية، أكثر من ارتباطه المباشر بالتركيز اللحظي. لذلك فالأدق علميا القول إنه عنصر ضمن منظومة أوسع، ولا توجد أدلة حاسمة على أن ارتفاعه وحده هو ما يحدد ساعة التركيز المثالية كل يوم.

متى يكون الرجل أكثر تركيزا؟

العلم لا يقدم ساعة ذهبية واحدة تناسب الجميع، لكنه يرصد اتجاها عاما لدى من يعيشون نمطا نهاريا منتظما وينامون ليلا، ففي الصباح يتزامن ارتفاع الكورتيزول الطبيعي الذي يدعم اليقظة، مع مستوى أعلى نسبيا من التستوستيرون، وتأثير ضوء النهار على الدماغ.

وتشير أبحاث نشرتها مجلة علم الأعصاب إلى أن هذا الإيقاع اليومي يترافق مع نشاط أفضل في مناطق دماغية مسؤولة عن الوظائف التنفيذية (مثل قشرة الفص الجبهي)، ومع أداء أعلى في مهام مثل التركيز العميق والتخطيط واتخاذ القرارات المعقدة.

هرمونات الرجل عبر اليوم: متى يكون أكثر تركيزا ومتى أكثر توترا؟
العمل بنظام المناوبات واضطراب الإيقاع اليومي يرتبطان بزيادة اضطرابات النوم والمزاج (الجزيرة)



غير أن هذه الدراسات ترصد ارتباطا وظيفيا ولا تثبت علاقة سببية مباشرة، إذ يبقى للنوم ونوعية الغذاء ومستوى الضغط النفسي، إلى جانب الفروق الفردية، دور حاسم. والخلاصة العملية للرجل الذي ينام ليلا بانتظام هي أن النصف الأول من اليوم يكون غالبا أنسب للأعمال الذهنية الثقيلة بينما يمكن تأجيل المهام الروتينية أو الأقل تعقيدا إلى ساعات لاحقة، والأهم أن يلاحظ كل رجل نمطه الشخصي لأن الفروق الفردية كبيرة خاصة من يعملون ليلا أو ينامون متأخرين.

لماذا يزداد التوتر مساء؟

في الليل لا تكون الهرمونات وحدها في المشهد، إذ تشير كثير من الدراسات في علم النفس الصحي وتقارير نشرتها "مايو كلينك" إلى أن التوتر المسائي غالبا ما يكون نتيجة تفاعل بين:

  • إرهاق ذهني متراكم من العمل والتنقل والقرارات.
  • انخفاض تدريجي في القدرة على ضبط الانفعال، وهو ما تصفه نظرية "استنزاف الأنا"، أي أن موارد ضبط النفس ليست لانهائية، ومع نهاية اليوم يصبح الدماغ أقل قدرة على كبح ردود الفعل الانفعالية.

في كثير من الحالات، لا يكون الكورتيزول مرتفعا مساء لكن الجهاز العصبي يكون مرهقا، فتزداد حدّة الرد على أي ضغط إضافي حتى لو كان تعليقا بسيطا في البيت.

إعلان

هذا الفهم لا يبرر العصبية لكنه يساعد في توقيت القرارات والنقاشات، إذ إن فتح حوارات حساسة بشأن المال أو المستقبل أو القرارات المصيرية فور العودة من يوم مرهق، أو قبيل النوم مباشرة يرفع احتمالات التصعيد، بينما منح النفس قسطا من الراحة قبل هذه الحوارات قد يغير النتائج تماما.

الساعة البيولوجية Clockwork brain, computer illustration.
العلم لا يقدّم جدولا صارما بالساعات لكنه يكشف اتجاهات عامة يمكن أن تساعد الرجل على تنظيم يومه وعلاقاته (غيتي)

ما الذي يمكن أن يفعله الرجل عمليا؟

العلم يقدم إطارا لكن الحياة تحتاج إلى خطوات بسيطة وواضحة:

  • راقب نمطك الشخصي

جرب لأيام أن تكتب متى تشعر بأفضل تركيز ومتى تلاحظ على نفسك سرعة الانفعال. ستكتشف على الأغلب "نافذة ذهبية" للتركيز في النصف الأول من اليوم و"نافذة حمراء" مساء يكون فيها احتمال التوتر أعلى.

  • أعد توزيع مهامك

ضع المهام الذهنية الأصعب والقرارات الأهم في فترات ذروة تركيزك (غالبا الصباح أو ما بعده بقليل)، واجعل الرد على الرسائل وإنجاز الروتين وبعض الأعمال الخفيفة في الأوقات الأقل طاقة.

  • ضع فاصلا بين العمل والبيت

مشي قصير أو دقيقتان من الهدوء في السيارة بلا هاتف أو استحمام سريع قبل التفاعل مع الأسرة، كلها تفاصيل بسيطة تساعد على "تفريغ" توتر اليوم قبل الدخول في حوارات وعلاقات تحتاج حضورا وهدوءا.

  • احترم ساعتك البيولوجية

أبحاث النوم والإيقاعات اليومية تشير إلى أن تثبيت أوقات النوم والاستيقاظ (حتى في العطَل قدر المستطاع)، والتعرض لضوء النهار في الصباح لبضع دقائق، وتقليل الشاشات والضوء الأزرق قبل النوم، وإدخال نشاط بدني منتظم (حتى المشي السريع)، كلها عوامل تدعم عمل الساعة البيولوجية وتساعد الكورتيزول والتستوستيرون على العمل في إيقاع أقرب إلى الطبيعي.

ماذا عن الطعام؟

النظام الغذائي لا "يغير الهرمونات" وحده، لكنه يصنع بيئة تساعدها أو تربكها:

  • مراجعات علمية تشير إلى أن نقص المغنيسيوم قد يرتبط بزيادة الإحساس بالتوتر وأن تعويضه قد يساعد بعض الأشخاص.
  • أبحاث عن أحماض أوميغا-3 تربط بين تناولها وتراجع أعراض القلق في بعض الدراسات.
  • دراسات عن الزنك والتستوستيرون وجدت أن نقص الزنك يرتبط بانخفاض التستوستيرون وأن تصحيح النقص قد يرفع مستوياته ضمن الحدود الطبيعية.

لهذا توصي الدراسات المتعلقة بالتغذية بنمط غذائي بسيط قائم على الخضروات والحبوب الكاملة والدهون الصحية -مثل زيت الزيتون والمكسرات- والبروتينات الجيدة وتقليل السكريات والأطعمة المعالجة.

المصدر: الجزيرة + مواقع إلكترونية

إعلان