سر السعادة الزوجية من منظور شركاء استمر زواجهم أكثر من نصف قرن

لم تعد الزيجات تستمر فترات طويلة في العصر الحديث، وفي كثير من الأحيان تسودها التعاسة والتوتر بدلا من السعادة والسلام.
في المقابل، امتدت زيجات آبائنا وأجدادنا عقودا استطاع فيها الشريكان أن يجدا أرضية مشتركة تمكن علاقتهما من البقاء والازدهار، فما السر وراء ذلك؟ إليك ما يقوله كبار السن الذين عاشوا معا ما يزيد على نصف قرن.
أجرى كارل بيلمر الباحث في جامعة كورنيل دراسة فريدة أراد من خلالها استكشاف أسرار الزواج السعيد والمديد مستوحاة من خبرات كبار السن الذين عاشوا عقودا طويلة مع شركائهم.
وشمل المشروع أكثر من 700 شخص بلغ متوسط أعمارهم 77 عاما، وامتد زواجهم ليبلغ متوسطا قدره 44 سنة أو أكثر، وكان من بين المشاركين من استمروا معا ما يزيد على 76 عاما.
ومن خلال المقابلات التي أجراها بيلمر مع المشاركين اكتشف أن الزواج السعيد ليس مجرد حب عابر، بل يأتي نتيجة تجارب وتحديات تراكمت عبر السنين، ولا يعني بالضرورة غياب الخلافات بين الزوجين، إنما يتطلب بكل تأكيد قدرة على إدارتها بحكمة.
وشارك الأزواج الذين شملتهم الدراسة أهم الدروس التي اعتبروها سر دوام الزواج ونجاحه، ولخصها بيلمر في 5 نقاط رئيسية:
1- التواصل الجيد
يُعد التواصل المفتوح والصادق حجر الزاوية في الحفاظ على الزواج وحل النزاعات قبل أن تتفاقم، فغياب الحوار أو الكتمان يؤدي غالبا إلى تراكم المشاكل، وتركها دون حلول قد يؤدي إلى انفجارها في أي لحظة، وتعتبر هذه التراكمات من أبرز أسباب الانفصال بين الأزواج في عصرنا الحديث.
وإلى جانب مشروع بيلمر أكدت العديد من الدراسات المشابهة أن التواصل الجيد والصراحة والاستماع الفعال كانت في صدارة العوامل التي تساهم في دوام الزواج وسعادته.

2- التعرف على الشريك قبل الزواج
نصح كبار السن بالتأني قبل اتخاذ قرار الارتباط، وأكدوا على أهمية التعرف العميق على شخصية الشريك وعاداته وأخلاقه قبل الزواج.
وأكدوا كذلك على أهمية إدراك أن هذه الطباع لن تتغير في الأغلب مع الوقت، فالكثير من الأزواج يختارون شركاء غير مناسبين ويراهنون على تغيرهم، وغالبا ما يخسر هذا الرهان.
وعليه، فقد أكدوا أن الزواج الناجح يقوم على فهم متبادل واقتناع حقيقي بالشريك كما هو، وليس كما نرغب أن يكون.
3- التزام مدى الحياة
وفقا للدراسة، فإن من أبرز العوامل التي تساهم في نجاح الزواج أخذه على محمل الجد منذ البداية وعدم التعامل معه على أنه علاقة عابرة أو قائمة فقط على الشغف اللحظي.
ولكي يستمر الزواج يجب أن يدرك الشركاء من البداية أنه عهد طويل الأمد يتطلب الالتزام والصبر حتى في أصعب الظروف والأوقات، وهذا يتطلب بدوره القدرة على الوفاء بالوعود والمثابرة على العمل المشترك للحفاظ على العلاقة عبر السنين بدلا من الاستغناء عنها عند أول اختبار.
4- حياة مشتركة تعني قرارات مشتركة
التعامل مع التحديات والمشكلات بروح الفريق الواحد يجعل المسؤوليات مشتركة ويخفف شعور أي طرف بالضغط أو الإحباط.
ويرى كبار السن أن الشراكة الحقيقية في الزواج تعني الدعم المتبادل واتخاذ القرارات معا ومواجهة الصعوبات سوية، وهذا النهج يعزز التفاهم ويقوي العلاقة على المدى الطويل.
5- قيم واهتمامات متشابهة
ينصح كبار السن بالارتباط بشخص يشاركهم القيم الأساسية والاهتمامات الجوهرية، مثل تربية الأطفال وإدارة الموارد المالية والمعتقدات الحياتية.
والتوافق في هذه الأمور يجعل الحياة أسهل ويقوي الانسجام بين الزوجين ويقلل الخلافات المتكررة.
تعلّم متى تبقى صامتا
"تعلّم متى تبقى صامتا" كانت نصيحة العديد من الأزواج الذين عاشوا عقودا مع أزواجهم بانسجام وسعادة، مثل الزوجين البريطانيين ترودي توملينسون (97 عاما) وآلان توملينسون (96 عاما).
يقول الزوجان في مقال نشرته صحيفة نيويورك تايمز إن قصة حبهما البسيطة تحولت إلى شراكة عمر امتدت أكثر من 70 عاما من الزواج.
ويؤكدان أنه على الرغم من مرور كل تلك السنوات فإن علاقتهما لا تزال مبنية على المودة والالتزام.
وعند سؤال ترودي عن هذا الزواج الطويل أوضحت أن السر هو أن تعرف متى يجب أن تصمت، وأنه ليس من الضروري الرد على كل خلاف أو تحويله إلى جدال.
وترى أن الضيق قد يحدث في أي علاقة، لكن الصبر والتسامح وقبول عيوب الشريك هو ما يجعل الزواج يستمر ويزهر مع الزمن، تماما كما أزهر حبهما عبر السنين.

وتوافقها على هذه النقطة الشيف البريطانية الشهيرة ماري بيري (90 عاما)، إذ تعتقد أنها كانت سر نجاح زواجها الذي استمر قرابة 60 عاما.
وقالت في مقابلة نشرها موقع "وومن آند هوم" (Woman & Home) إنها واجهت مع زوجها العديد من التحديات، لكنها لم تكن تميل إلى الجدال أو التصعيد، بل اختارت الهدوء والابتعاد المؤقت عن التوتر، وكانت تؤمن بأن ترك الخلاف يهدأ، والخروج إلى الهواء الطلق أو الانشغال بأمر بسيط كفيلان بإعادة التوازن إلى العلاقة.
وترى ماري أن سر زواجهما الطويل لم يكن في الكمال، بل في الاحترام المتبادل والصبر والمرونة.
وتقول بروح مرحة إن زوجها غالبا ما يوافقها الرأي بقوله "نعم عزيزتي"، ثم يمضي كل منهما بطريقته، في تفاهم صامت جعل زواجهما يستمر وينمو مع مرور السنوات.
التمسك بالقيم التقليدية والوفاء بالوعود
وأكدت ماري أيضا أن أحد أسرار استمرار زواجها كان النظر إليه باعتباره التزاما عميقا قائما على القيم التقليدية والوفاء بالوعود التي قُطعت في يوم الزفاف، وهي وجهة نظر توافق ما استخلصه بيلمر من دراسته.
وأضافت أنه مع التقدم في العمر تدهورت صحة زوجها بشكل كبير، لكنها وجدت في رعايته امتدادا طبيعيا لمعنى الزواج الحقيقي، وتعبيرا صادقا عن وعدها له يوم الزواج بالبقاء معه "في السراء والضراء"، وبالنسبة لها لم يكن اهتمامها بزوجها عبئا، بل جزءا من الحب والمسؤولية المشتركة.