فرط الحركة ونقص الانتباه عند الأطفال.. فهم الأسباب وطرق التعامل معها

يتمتع معظم الأطفال بمستويات عالية من النشاط والحيوية، وغالبا ما يعبّرون عن فضولهم وحبهم للاستكشاف عبر الركض والقفز والتسلق واللعب الصاخب.
ويتفاعل الأطفال مع بيئتهم باندفاع أكبر وقدرة أقل على الالتزام بالقواعد مقارنة بالبالغين، وهو أمر طبيعي ومتوقع، بل ويُعد مؤشرا على نمو بدني وعقلي سليم.
ويتجاوز هذا النشاط في بعض الحالات حدوده الطبيعية ليصبح مفرطا ومستمرا وغير منضبط، ويظهر في أكثر من بيئة، ويؤثر سلبا وبشكل مباشر على حياة الطفل.
وهو في هذه الحالة يعجز عن الانتقال من نشاط حركي إلى نشاط هادئ، ويواجه صعوبات كبيرة في الانخراط في أنشطة تتطلب التركيز والهدوء، مثل التلوين أو قراءة القصص كما يكون مستوى الانتباه والتركيز لديه أقل مما هو متوقع لعمره ومستوى نموه.
وهذه الأعراض الخارجة عن السيطرة تتحول إلى مصدر قلق حقيقي للأهل في المنزل، وللمعلمين في المدرسة، وتفتح باب التساؤل حول ما إذا كان الطفل يعاني من "اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه".
وهذا الاضطراب تشير التقديرات إلى انتشاره بنسبة تقارب 15% بين الأطفال في دول مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية، أي أن كل صف دراسي يضم، في المتوسط، طفلا واحدا مصابا على الأقل.
الاضطراب الأكثر شيوعا في مرحلة الطفولة
ويُعد اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط واحدا من أكثر الاضطرابات النفسية النمائية العصبية شيوعا في مرحلة الطفولة.
وينجم عن خلل في النمو العصبي نتيجة تفاعل معقد بين عوامل وراثية وأخرى بيئية، مع تأكيد غالبية الدراسات على أن العامل الوراثي له الدور الأكبر في ظهوره، وتصل نسبته إلى ما بين 70% و80%.
وتبدأ أعراض الاضطراب في مرحلة ما قبل المدرسة، وتستمر لدى نسبة غير قليلة من المصابين إلى مراحل لاحقة من الحياة، لتنعكس آثارها على التعليم والعلاقات الاجتماعية والسلوكيات اليومية والوظائف المهنية، سواء لدى الأطفال أو المراهقين أو البالغين.

وتتمثل الأعراض الأساسية في ضعف الانتباه وفرط الحركة والاندفاع والإصرار على تحقيق الرغبات وعدم تأجيلها، وقد تظهر هذه السمات مجتمعة لدى بعض المصابين، بينما تطغى إحداها على الأخرى لدى آخرين.
ولهذا يُقسَّم اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه إلى 3 أنواع رئيسية:
- النوع المركب: تظهر فيه أعراض فرط الحركة ونقص الانتباه والاندفاع بدرجات متقاربة، وهو النوع الأكثر شيوعا لدى الجنسين.
- نمط نقص الانتباه: تغلب فيه أعراض تشتت الانتباه، ويظهر بنسبة أعلى لدى الإناث.
- نمط فرط الحركة والاندفاع: تسود فيه أعراض الحركة الزائدة والاندفاع، ويُلاحظ بشكل أكبر لدى الذكور.
ويصيب الاضطراب الذكور أكثر من الإناث، بنسبة تتراوح بين 1 إلى 3 و1 إلى 9، وفق الدراسات المختلفة.
التشخيص والأعراض
ويُشخَّص اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه عبر تقييم سريري متخصص في عيادات الطب النفسي، وفق معايير الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5).
ويشمل التقييم مقابلات مع الطفل وأسرته، ودراسة تاريخه الطبي ومسار نموه، والحصول على ملاحظات المعلمين، إضافة إلى تطبيق مقاييس التقييم السلوكي والاختبارات المعرفية، مع استبعاد أو تشخيص الاضطرابات المصاحبة. ويجري تقييم 18 عرضا أساسيا موزعة على محورين: 9 أعراض لنقص الانتباه و9 لفرط الحركة والاندفاع.
ولتشخيص الاضطراب لا بد من ظهور 6 أعراض أو أكثر لدى الأطفال دون 17 عاما لمدة لا تقل عن 6 أشهر، أو 5 أعراض لمن هم أكبر سنا، على أن تكون هذه الأعراض غير متناسبة مع المستوى التطوري، وتؤثر بوضوح على الأداء الاجتماعي أو الأكاديمي أو المهني.

الأسباب ودور العامل الوراثي
وينتج اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه عن تفاعل معقّد بين السمات الجينية الموروثة والعوامل البيئية البيولوجية، مثل التعرض لمواد سامة (الرصاص أو السجائر أو الكحول) وتُجمع غالبية الدراسات الحديثة على أن العامل الوراثي يشكل الركيزة الأساسية في نشوء الاضطراب، إذ تُقدَّر مساهمته بما يتراوح بين 70% و80% من أسباب الإصابة.
وعلى خلاف الاعتقاد الشائع، لا يُعد اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه نتيجة مباشرة لسوء تربية الوالدين أو لأساليبهم في التعامل مع الطفل، غير أن الممارسات التربوية الخاطئة أو البيئات الأسرية الضاغطة قد تؤدي إلى تفاقم الأعراض، أو إلى بروزها بشكل أكثر حدّة، أو التسبب باضطرابات نفسية مرافقة.
ويعود الاضطراب إلى خلل في وظائف المناطق الأمامية من الدماغ، وهي المناطق المسؤولة عن التنظيم التنفيذي والانتباه وضبط السلوك، إذ يحدث اضطراب في التوازن الكيميائي العصبي داخل هذه المناطق، مما ينعكس على قدرة الطفل على التركيز وضبط الحركة والانفعالات.
وللعوامل البيئية دور متفاوت في تحفيز ظهور اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، وقد تكون هذه العوامل مؤثرة في مراحل مختلفة، سواء قبل الولادة أو بعدها.
عوامل في فترة ما قبل الولادة
وتشمل هذه العوامل تعاطي الكحول أو التدخين أثناء الحمل، وإصابة الأم بالالتهابات أو بتسمم الحمل أو ارتفاع ضغط الدم، إضافة إلى التعرض لبعض السموم في فترة الحمل، مثل بعض الأدوية والمواد المستخدمة في الصناعات البلاستيكية، والمبيدات الزراعية والحشرية، والمعادن الثقيلة كالرصاص والزئبق.

عوامل في فترة ما بعد الولادة
وهناك عوامل أخرى مؤثرة مثل الولادة المبكرة أو صعوبات الولادة أو انخفاض وزن الطفل أو اضطراب وصول الأكسجين إلى دماغه أثناء الوضع، إضافة إلى الأرق الطويل بعد الولادة.
كما أن الإهمال الشديد، سواء الجسدي أو العاطفي، يزيد المخاطر، إلى جانب تعرض الأطفال للمعادن الثقيلة مثل الرصاص أو تناولهم مواد كيميائية عبر الأغذية.
ويُشار إلى أن هذه العوامل لا ترتبط فقط باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، بل قد تسهم أيضا في ظهور اضطرابات النمو العصبي أو اضطرابات نفسية أخرى.
اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه عبر المراحل العمرية
وتختلف مظاهر اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه باختلاف المرحلة العمرية ومستوى النمو، وتتبدل الأعراض بمرور الوقت، فتتراجع سمة وتبرز أخرى.
وعلى سبيل المثال يكون فرط النشاط هو العرض الأوضح في مرحلة الطفولة المبكرة، لكنه يميل إلى الانخفاض مع التقدم في العمر، لتظهر لاحقا أعراض أخرى أكثر ارتباطا بالانتباه والتنظيم.
مرحلة ما قبل المدرسة
وفي هذه المرحلة تتجلى الأعراض في فرط الحركة والتنقل المستمر، والاندفاع والسلوك العنيد أو العدواني، والانخراط في ألعاب صاخبة تتطلب جهدا بدنيا عاليا، إلى جانب نوبات الغضب المتكررة، وضعف العلاقات مع الأقران، واضطرابات الكلام أحيانا.
ومن سمات الطفل في هذه المرحلة أيضا سعيه لتعطيل ألعاب غيره، وعدم القدرة على الجلوس بهدوء في الأنشطة الجماعية أو الاستماع إلى القصص، وكذا مقاومة الالتزام بمواعيد النوم.

مرحلة المدرسة
وغالبا ما يتم تشخيص اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه أثناء سنوات الدراسة، إذ تتطلب البيئة المدرسية مهارات تنظيمية وتركيزا والتزاما بالقواعد، وهي مهارات تتأثر بشكل واضح لدى الأطفال المصابين بالاضطراب.
ويظهر هؤلاء الأطفال بسلوكيات تُوصَف مجتمعيا بالمشاغبة، نتيجة عدم قدرتهم على الالتزام بالوظائف التنفيذية واتباع التعليمات والتكيف مع الزملاء. ويبرز فرط الحركة عبر الركض المستمر أو ممارسة ألعاب محفوفة بالمخاطر أو مزعجة للآخرين.
وفي المقابل، قد يبقى الأطفال المصابون بنمط نقص الانتباه فقط -وغالبيتهم من الفتيات- دون تشخيص لفترات أطول، نظرا لهدوئهم الظاهري داخل الصف، ويبدو هؤلاء وكأنهم في حالة شرود أو أحلام يقظة وهو ما يعبّر عنه المعلمون بقولهم "عقله ليس معي وكأنه في مكان آخر".
وينعكس ذلك على التحصيل الدراسي مع نسيان التعليمات والمعلومات التي قُدمت قبل وقت قصير، وضعف الانتباه السمعي، وعدم القدرة على إنجاز الواجبات وبدء المهام وإنهائها، إضافة إلى قصر مدة التركيز وسهولة التشتت.
مرحلة المراهقة
ورغم تراجع فرط النشاط في مرحلة المراهقة مقارنة بمرحلة الطفولة، فإن الدراسات تشير إلى استمرار الأعراض لدى ما لا يقل عن 65% من المصابين في هذه المرحلة.
ويؤثر الاضطراب سلبا على الأداء الأكاديمي والعلاقات الأسرية، وقد يتطور إلى سلوكيات أكثر خطورة، مثل التسرب المدرسي والتدخين وشرب الخمر والمشاركة في أنشطة إجرامية وإيذاء النفس.
وتظهر الأعراض في صورة ضعف تحمل المسؤولية وصعوبة التخطيط وعدم القدرة على إنهاء ما بدأه المراهق، إلى جانب تجاهل القواعد المنزلية المتعلقة بمواعيد العودة والنوم وتناول الطعام، والانغماس المفرط في استخدام الإنترنت أو الألعاب الإلكترونية.

العلاج ورأي الطب النفسي في التدخل الدوائي
ويُعد علاج اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه عملية متعددة الأبعاد تشمل التدخل الدوائي، إلى جانب الدعم النفسي والاجتماعي، والعلاج المعرفي السلوكي، وتثقيف الوالدين والمعلمين، والدعم المدرسي.
ويشدد الطبيب النفسي ورئيس الجمعية السورية للصحة النفسية، ملهم الحراكي، على ضرورة العلاج الطبي النفسي في حالات محددة، أبرزها تأثر تعليم الطفل وتطوره اللغوي بشكل ملحوظ، بما يشمل تأخر النطق وصعوبات القراءة والكتابة والحساب، أو حدوث تأثير شديد على علاقات الطفل مع أسرته أو محيطه الاجتماعي نتيجة فرط الحركة والاندفاعية.
وفي المقابل، يحذر الحراكي من التشخيص الخاطئ، مشيرا إلى وجود حالات يزداد فيها نشاط الطفل بشكل مفاجئ مصحوبًا بعصبية وقلة نوم، لكنها تكون ناجمة عن قلق أو اضطراب مزاجي مرتبط بظروف أسرية أو مدرسية، وليس عن خلل عصبي. ويؤكد أن إعطاء الأدوية المنشطة في غير موضعها قد يؤدي إلى تفاقم الحالة بدل تحسينها.
ويوصي الحراكي بتقييم دقيق وشامل لحالة الطفل وتحري جميع الأسباب المحتملة لفرط الحركة، مع التريث شهرا أو شهرين دون تدخل دوائي، بالتوازي مع تعديل البيئة المحيطة بالطفل وتدريب الوالدين على أساليب التعامل المناسبة.
ويشير إلى أن الدواء يسهم في خفض مستوى النشاط وزيادة القدرة على التركيز والانتباه واتباع التعليمات، لكنه لا يُغني عن تعليم السلوكيات الإيجابية، أو تنمية مهارات التفكير التأملي أو تنظيم الأولويات.
كما لا يقضي بشكل كامل على الصعوبات المتعلقة بضبط المشاعر وتحمل الإحباط، مما يجعل العلاج عملية تكاملية بين الدواء والتدخلات السلوكية والتربوية.

أهمية التثقيف الأسري ونصائح للأهل
ويشكل العيش مع طفل مصاب باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه تجربة مرهقة لكثير من الآباء، مما يستدعي حصولهم على تثقيف كاف حول طبيعة الاضطراب وطرق التعامل معه، ويُشبه ذلك التعليمات التي تُعطى للمسافرين في الطائرات بضرورة وضع قناع الأكسجين أولا قبل مساعدة الآخرين.
وترتكز مبادئ التثقيف الأسري على تقبل حالة الطفل وبناء علاقة إيجابية معه، وتخصيص وقت كاف له وإدارة مشاعره السلبية، ووضع قواعد واضحة ومتسقة توفر الإحساس بالانضباط، مع إشراكه في إيجاد الحلول، وتجنب النقد والعقاب المفرط، وتجاهل بعض السلوكيات الأقل إشكالية، مع إدراك أن الطفل غالبا ما يواجه الرفض واللوم من محيطه.
ولا يُطلب من الأهل محاربة الاضطراب بل تقبله والتكيف معه بما يتيح للطفل الشعور بالأمان ويساعده على إدراك أخطائه والعمل على تحسينها.
كما يُنصح بتشجيع النشاط البدني المنتظم، خاصة ضمن مجموعات وعلى شكل ألعاب، لِما له من دور في تفريغ الطاقة الزائدة، وتنمية مهارات التحكم في الاندفاع وتعزيز الالتزام بالقواعد والانسجام مع الجماعة.
نصائح للمعلمين
ويواجه الأطفال المصابون باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه صعوبات واضحة في التكيف مع النظام المدرسي، مما ينعكس على سلوكيات إشكالية داخل الصف، ويبرز هنا دور المعلم في فهم طبيعة الاضطراب وأساليب التعامل معه.
ومن الخطوات العملية يُنصح بإجلاس الطفل في المقاعد الأمامية لتسهيل التواصل وتقليل المشتتات، وتكليفه بمهام حركية بسيطة مثل مسح السبورة أو إحضار الكتب، والتركيز على تعزيز السلوكيات الإيجابية بدل التركيز على الأخطاء، مع تقديم تعليمات واضحة وقصيرة ومتكررة، إلى جانب التعاون المستمر مع أهل الطفل.

نصف الكأس الممتلئ
ورغم ارتباط اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه بمشكلات التركيز، فإن هذه الصعوبات غالبا ما تقتصر على المجالات التي لا تثير اهتمام المصابين، في حين يظهر كثير منهم قدرة عالية على التركيز والإبداع في المجالات التي ينجذبون إليها، ويستثمرون طاقتهم المرتفعة في تحقيق أداء مميز.
ويبرز في هذا السياق عدد من الرياضيين والفنانين والمبدعين المعروفين بإصابتهم بالاضطراب، مثل جيم كاري وباريس هيلتون وميشيل رودريغز وآدم ليفين ومايكل فيلبس وسيمون بيلز وغيرهم.
وتعكس نسب انتشار اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه الحاجة إلى وعي أوسع بطبيعته المعقدة، ومتابعة الحالات مع المختصين، والتحلي بالصبر في تطبيق الإرشادات العلاجية، مع الانتباه إلى أن النقد المستمر قد يؤدي إلى تآكل الثقة بالنفس وفقدان احترام الذات لدى المصاب.
كما أن تجاهل العلاج لا يقتصر أثره على ضعف التحصيل الدراسي أو المشاغبة في الطفولة، بل قد يمتد في المراهقة والشباب إلى مشكلات أخطر، مثل ترك الدراسة أو الإدمان أو السلوك الإجرامي.
ومن هنا لا ينبغي الاكتفاء برصد السلبيات، بل يتوجب البحث عن نقاط القوة وتعزيزها، إذ كلما تعززت الجوانب الإيجابية لدى المصاب، تراجعت الأعراض السلبية تدريجيا من تلقاء نفسها.