الصواريخ الباليستية أسلحة عابرة للقارات
الصواريخ الباليستية أسلحة بعيدة المدى مصممة لنقل رؤوس حربية تقليدية أو نووية، تتبع مسارا باليستيا أو منحنيا، يبدأ بدفع قوي باستخدام وقود صلب أو سائل، ثم تحلق بسرعات عالية تصل إلى 24 ألف كيلومتر في الساعة، قبل أن تعود إلى الأرض بفعل الجاذبية.
وتوصف حركة جسم ما بأنها "باليستية" إذا تحرك بقوة دفع أولية، ثم استمر بالحركة متأثرا بقوة الجاذبية حتى يسقط (في مسار شبه منحن)، من دون محرك يدفعه أثناء تحليقه، وذلك مثل رمي الحجر أو إطلاق الرصاصة، وهو ما يعرف في الفيزياء بحركة المقذوفات (Ballistics)، وإليها تنسب هذه الصواريخ.
النشأة والتصنيع
كانت انطلاقة أول صاروخ باليستي في أثناء الحرب العالمية الثانية، على يد المهندس الألماني فيرنر فون براون، الذي ابتكر صاروخ "في-2″، مستلهما قانون نيوتن الثالث لدفع الصاروخ.
ويعد صاروخ "في -2" من أوائل الصواريخ الباليستية، واستُخدم للمرة الأولى عام 1944 في قصف العاصمة البريطانية لندن.
آلية عمل الصواريخ الباليستية
ويتم إطلاق هذه الصواريخ باستخدام محركات صاروخية قوية، حيث تصعد إلى الغلاف الجوي العلوي أو حتى إلى الفضاء، بسرعة فائقة. وبمجرد قطع محركاتها، يتبع الصاروخ مساراً محدداً مسبقاً، ليعاود دخول الغلاف الجوي للأرض في نزول حاد قبل أن يضرب الهدف.
وتمر الصواريخ الباليستية بـ3 مراحل رئيسية منذ لحظة الإطلاق وحتى إصابة الهدف:
تبدأ المرحلة الأولية فور إطلاق الصاروخ وتعتمد على قوة الدفع الناتجة عن احتراق الوقود سواء كان صلبا أو سائلا، لتوليد تسارع كبير يكفي لاختراق الغلاف الجوي، تستمر هذه المرحلة ما بين 3 إلى 5 دقائق وتنتهي بتوقف المحرك.
بعد ذلك، يدخل الصاروخ المرحلة الوسطى، وفيها يواصل الصعود من دون دفع إضافي حتى يبلغ أقصى ارتفاع في مساره، ثم يبدأ في الانحدار بفعل الجاذبية، تُعد هذه المرحلة الأطول زمنيا، وقد تمتد نحو 20 دقيقة في حالة الصواريخ بعيدة المدى.
وأخيرا في المرحلة النهائية ينفصل الرأس الحربي عن الجسم الرئيسي للصاروخ ويعود إلى الغلاف الجوي بسرعة هائلة، متجها نحو هدفه المحدد بدقة عالية، وتُختتم المرحلة بالانفجار أو الاصطدام، وغالبا لا تتجاوز مدتها دقيقة واحدة.

ما أقصى مسافة يمكن أن تبلغها؟
تصنف الصواريخ الباليستية وفق مداها إلى الأنواع التالية:
- صاروخ باليستي لمدى ساحة المعركة "بي آر بي إم" (BRBM)- أقل من 200 كيلومتر (124 ميلا)
- صاروخ باليستي قصير المدى "إس آر بي إم" (SRBM) - أقل من ألف كيلومتر (621 ميلا)
- صاروخ باليستي متوسط/متوسط بعيد المدى "إم آر بي إم/آي آر بي إم" (MRBM/IRBM) - بين ألف كيلومتر و3500 كيلومتر (621-2175 ميلا)
- صاروخ باليستي بعيد المدى "إل آر بي إم" (LRBM) - بين 3500 كيلومتر و5500 كيلومتر (2175-3418 ميلا)
- صاروخ باليستي عابر للقارات "آي سي بي إم" (ICBM) - أكثر من 5500 كيلومتر (3418 ميلا)
القدرات العسكرية
تمثل الصواريخ الباليستية أحد المرتكزات الأساسية في معادلات الردع الإستراتيجي ضمن العقائد العسكرية الحديثة، لما تمتلكه من قدرة تدميرية عالية وسرعات فائقة وتعدد في سيناريوهات الاستخدام العملياتي.
تنطلق هذه الصواريخ بسرعات هائلة تُقاس بوحدة "ماخ"، وهي تعادل سرعة الصوت. فعندما يُقال إن الصاروخ يسير بسرعة ماخ 5، فهذا يعني أنه يتحرك بسرعة تعادل خمسة أضعاف سرعة الصوت.
وتصل بعض الصواريخ قصيرة المدى إلى سرعات تفوق سرعة الصوت (أكثر من ماخ 1)، بينما تحقق الصواريخ الأطول مدى سرعات فرط صوتية تتجاوز ماخ 5، ما يمكّنها من قطع آلاف الكيلومترات في دقائق معدودة، ويقلّص زمن الاستجابة الدفاعية للخصم إلى حدٍ كبير.
يتكوّن الصاروخ الباليستي من منظومة متكاملة تشمل محركا دفعيا عالي القدرة، وهيكلا مزودا بخزانات وقود، وأنظمة توجيه وتحكم إلكترونية متقدمة، إلى جانب حواسيب ملاحية ومنظومات استشعار دقيقة.
أما الرأس الحربي، فيمكن تجهيزه بشحنات تقليدية أو كيميائية أو نووية وحتى بيولوجية.
في المقابل، يتطلب اعتراض هذه الصواريخ بنية دفاعية متعددة الطبقات، تشمل أقمارا صناعية مزودة بحساسات للإنذار المبكر، وأنظمة رادارية قادرة على تتبع وهج الإطلاق ومسار الطيران في الزمن الحقيقي، إضافة إلى مراكز قيادة وتحكم عالية الكفاءة وصواريخ اعتراض ذات قدرات حركية فائقة.
كما تعزز بعض الصواريخ الباليستية فعاليتها عبر تقنية المركبات متعددة الرؤوس، إذ يحمل الصاروخ الواحد عدة رؤوس حربية تُطلق في المرحلة النهائية من المسار لاستهداف نقاط مختلفة، وهو ما يرفع من تعقيد مهام الدفاع ويضاعف كلفة التصدي.
وبهذا المزيج من السرعة، والقدرة التدميرية، والتكنولوجيا المتقدمة، تظل الصواريخ الباليستية إحدى أبرز أدوات الردع الإستراتيجي، وتطلق من ثلاث منصات رئيسية: منصات برية ثابتة أو متنقلة، غواصات بحرية، وقاذفات جوية.

الصواريخ الباليستية والفرط صوتية وكروز
تختلف الصواريخ الباليستية وكروز والفرط صوتية من حيث المسار والسرعة والقدرة على المناورة، ما ينعكس مباشرة على سهولة كشفها واعتراضها.
فالصواريخ الباليستية تسلك مسارًا قوسيًا عاليًا؛ تنطلق بقوة دفع كبيرة ثم تواصل طريقها وفق مسار تحكمه الجاذبية بعد نفاد الوقود. ورغم أن مسارها يمكن توقعه حسابيًا، فإن سرعتها الهائلة تقلّص زمن الاستجابة إلى حد كبير، إذ يمكن لبعضها بلوغ أهداف بعيدة خلال نحو 12 دقيقة فقط.
أما صواريخ كروز فتحلّق على ارتفاعات منخفضة وبسرعات أبطأ، وقد تستغرق قرابة ساعتين للوصول إلى الهدف نفسه. غير أن تحليقها المنخفض وقدرتها على تغيير الاتجاه وتفادي العوائق يجعل اكتشافها أكثر تعقيدًا. وبالمثل، تعتمد الطائرات المسيّرة على البطء النسبي مقابل البصمة الرادارية المحدودة، وقد تمتد رحلتها لساعات.
في المقابل، تجمع الصواريخ الفرط صوتية بين السرعة التي تتجاوز خمسة أضعاف سرعة الصوت والقدرة على المناورة المستمرة أثناء الطيران، ما يجعل مسارها أقل قابلية للتنبؤ ويزيد من صعوبة اعتراضها مقارنة بالأنواع الأخرى.
إسرائيل وإيران والصواريخ الباليستية
شهدت المواجهة بين إسرائيل وإيران تصعيدًا غير مسبوق في عامي 2025 و2026، اتخذ طابعًا عسكريًا مباشرًا.
ففي 13 يونيو/حزيران 2025 أطلقت إسرائيل عملية واسعة النطاق، استخدمت فيها أكثر من 200 طائرة مقاتلة لاستهداف منشآت عسكرية ونووية داخل إيران، إضافة إلى قيادات بارزة في مؤسسات أمنية وعسكرية وبحثية.
وفي 28 فبراير/شباط 2026 توسّع نطاق العمليات مع انضمام الولايات المتحدة إلى تحرك عسكري مشترك، استهدف عشرات المواقع في العاصمة طهران ومدن رئيسية أخرى مثل قم وأصفهان وكرمانشاه وكرج وتبريز، وشمل الضرب مسؤولين وشخصيات رفيعة المستوى.
ردًا على تلك الهجمات، أطلقت إيران مئات الصواريخ الباليستية باتجاه إسرائيل، في أكبر موجة قصف مباشر بين الطرفين. ورغم نجاح أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية في اعتراض عدد كبير من الصواريخ، فإن بعضها تمكّن من اختراق المنظومات الدفاعية وأصاب أهدافًا داخل الأراضي الإسرائيلية، بما في ذلك مناطق في وسط تل أبيب، مخلفًا أضرارًا مادية وخسائر بشرية.
وتُعد الترسانة الباليستية الإيرانية، رغم غياب أرقام دقيقة حول حجمها، من بين الأكبر والأكثر تطورًا على مستوى المنطقة.
ترسانة إيران الصاروخية
طوّرت إيران مجموعة من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز على مدار الثلاثة عقود الماضية. ويلخص الرسم البياني أدناه بعض أشهر صواريخ إيران ومدياتها.

ترسانة إسرائيل الصاروخية
تمتلك إسرائيل ترسانة صاروخية متقدمة، بما في ذلك أنظمة بعيدة المدى وقابلة لحمل رؤوس نووية، وتم تطويرها بدعم من الولايات المتحدة. ويبرز الرسم البياني أدناه بعض من أبرز صواريخ إسرائيل مع مدياتها المختلفة.

ما قدرات الدفاع الجوي لإسرائيل؟
يعتمد الدفاع الجوي الإسرائيلي بشكل كبير على ما يُعرف بنظام القبة الحديدية الذي يتميز بأنه مزود برادار يكتشف المقذوفات القادمة، بالإضافة إلى سرعتها واتجاهها.
وتعترض أنظمة أخرى الصواريخ متوسطة وطويلة المدى، حيث يعترض نظام "مقلاع داود" صواريخ تتراوح بين 40 كيلومترًا (25 ميلًا) و300 كيلومتر (186 ميلًا). ويعترض نظام السهم الصواريخ التي يصل مداها إلى 2400 كيلومتر (1491 ميلًا).


