محطات الأزمة الإسبانية بعد استفتاء كتالونيا

تصاعدت تداعيات الأزمة بين مدريد وكتالونيا بعد إعلان انفصال الإقليم (غيتي)
تصاعدت تداعيات الأزمة بين مدريد وكتالونيا بعد إعلان انفصال الإقليم (غيتي)

دخلت إسبانيا في أزمة سياسية عميقة على خلفية استفتاء إقليم كتالونيا وما أعقبه من تداعيات وتطورات، من أهمها إعلان استقلال الإقليم من طرف واحد، ورفض الحكومة الإسبانية القرار واتخاذها إجراءات صارمة لإفشال مساعي الانفصال وملاحقة المسؤولين عنه قضائيا.

وفي ما يأتي أبرز الأحداث منذ الاستفتاء على تقرير المصير الذي أجراه القادة الانفصاليون في كتالونيا في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2017، وأغرق إسبانيا في أخطر أزمة سياسية تواجهها منذ عودة الديمقراطية إليها عام 1977.

استفتاء وأعمال عنف
بعد توتر استمر أياما، احتشد آلاف الكتالونيين أمام مراكز الاقتراع للمشاركة في استفتاء حول الاستقلال. ورغم محاولات الشرطة منع إقامته في نحو مئة مركز؛ فقد نظم الاستفتاء بمشاركة نحو 2.26 مليون شخص، أي ما يمثل نسبة تبلغ نحو 42.3% من إجمالي عدد الناخبين في كتالونيا البالغ 5.34 ملايين. وأعلنت حكومة الإقليم تأييد 90% من الأصوات انفصال الإقليم، وأن سكانه كسبوا حقهم في إقامة دولة.

وتسببت محاولات الشرطة منع الاستفتاء في أعمال عنف، أطلق خلالها الرصاص المطاطي واستخدمت الهري لتفريق المتظاهرين، وسقط جراء ذلك 92 جريحا على الأقل.

وضمن ردود الفعل التالية على الاستفتاء، أعلن رئيس الحكومة الإسبانية ماريانو راخوي أن "الاستفتاء لم يجر" وأن قوات الأمن "تقوم بواجبها"، بينما دعت المفوضية الأوروبية إلى تجنب أعمال العنف وإلى حوار بين الحكومة المركزية والانفصاليين.

وتظاهر الآلاف في برشلونة وأنحاء أخرى من الإقليم، دفاعا عن الاستفتاء وتنديدا بأعمال العنف.

تعبئة وخطاب للملك
وبعد الاستفتاء بيومين (3 أكتوبر/تشرين الأول 2017)، ألقى الملك الإسباني فيليبي السادس خطابا اتهم فيه قادة إقليم كتالونيا بوضع أنفسهم "على هامش القانون والديمقراطية"، وأكد أن الاستفتاء على استقلال الإقليم "غير شرعي وغير ديمقراطي".

وقال إن على الدولة "ضمان النظام الدستوري"، وانتقد "عدم الولاء غير المقبول" من القادة الكتالونيين، وشدد على أن المسؤولين الانفصاليين "بتصرفهم غير المسؤول قد يعرضون استقرار كتالونيا وكامل إسبانيا للخطر".

وبالتوازي مع ذلك، بدأ إضراب عام في كتالونيا بناء على دعوة نحو أربعين منظمة نقابية وسياسية واجتماعية، كما تظاهر نحو سبعة آلاف شخص في برشلونة للاحتجاج على أعمال العنف التي تقوم بها الشرطة.

رفض وساطة
وأكد رئيس حكومة الإقليم كارلس بوجديمون أن حكومته تستعد لإعلان استقلال كتالونيا في الأيام المقبلة، وأخذ على الملك أنه "تجاهل بصورة متعمدة ملايين الكتالونيين" الذين صدمتهم أعمال العنف التي قامت بها الشرطة، وكرر دعوته إلى وساطة دولية سارعت مدريد إلى رفضها.

قلق اقتصادي
بعيد تنظيم الاستفتاء، بدأت المخاوف تظهر لدى الأوساط الاقتصادية، حيث تراجعت بورصة برشلونة (وهي ثاني أهم بورصة في إسبانيا بعد بورصة مدريد)، وأعلن بانكو سابادل -ثاني مصرف في كتالونيا- نقل مقره إلى خارج المنطقة، كما أعلنت مؤسسات أخرى في اليوم التالي خطوات مشابهة، منها ثالث مصرف في إسبانيا كايشابنك ومجموعة غاز ناتشورال للغاز الطبيعي.

وفي المحصلة قررت -حتى نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2017- أكثر من 1600 شركة نقل مقارها المحلية خارج كتالونيا.

الإسبان في الشارع
في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2017، تظاهر عشرات الآلاف في عدد كبير من المدن الإسبانية، للمطالبة بـ"الحوار" بين الكتالونيين وبقية أنحاء البلاد.

وفي اليوم التالي، تظاهر ما بين ثلاثمئة ألف (بحسب شرطة برشلونة) ونحو مليون (بحسب المنظمين) للدفاع عن وحدة إسبانيا.

ضغوط
زعيم الحزب الاشتراكي الإسباني بيدرو سانشيز طلب من بوجديمون التخلي عن إعلان الاستقلال من جانب واحد، كما أعلن أدا كولو -عمدة برشلونة اليساري الواسع النفوذ- معارضته إعلان الاستقلال.

وفي السياق ذاته، أعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل دعمها إسبانيا موحدة، بينما دعا الانفصاليون الأسكتلنديون مدريد إلى احترام نتيجة الاستفتاء.

تعليق إعلان الاستقلال
أكد رئيس حكومة إقليم كتالونيا بوجديمون أمام البرلمان في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2017، أن كتالونيا "ستصبح دولة مستقلة على شكل جمهورية"، ولكنه "علق" إعلان الاستقلال الذي وقعه مع نواب حزبه والأحزاب الحليفة، لإجراء حوار مع الحكومة الإسبانية التي تعتبر أن إعلان الاستقلال غير مقبول.

مدريد تهدد
وعلى ضوء ذلك، هدد رئيس الوزراء الإسباني بتعليق الحكم الذاتي لكتالونيا إذا أصر الرئيس الانفصالي على قيادة منطقته إلى "الاستقلال".

وذكرت المفوضية الأوروبية أنها تتوقع "احتراما تاما للنظام الدستوري الإسباني"، كما انتقدت باريس وبرلين وروما الطابع "غير الشرعي" و"غير المقبول" لإعلان الاستقلال.

خطر الانفصال
حذرت مدريد وصندوق النقد الدولي من أن الأزمة يمكن أن تهدد النمو في 2018، خصوصا مع سعي عشرات المؤسسات لنقل مقارها إلى خارج كتالونيا، بينما أعلنت هيئات عاملة في قطاع السياحة في كتالونيا تراجع الحجوزات السياحية في الإقليم.

أولى الاعتقالات
وفي 12 أكتوبر/تشرين الأول، كتب بوجديمون إلى راخوي مؤكدا أن أولويته للشهرين المقبلين هي "الحوار"، لكن مدريد حددت له مهلة أخيرة مدتها ثلاثة أيام للرد "بوضوح".

وفي تلك الأثناء، تم الاستماع إلى قائد الشرطة الكتالونية جوزب لويس ترابيرو -المقرب من بوجديمون- للمرة الثانية بتهمة التحريض على الانفصال.

وفي اليوم نفسه، وضع في الاعتقال رئيسا هيئتين انفصاليتين كتالونيتين، هما خوردي سانشيز وخوردي كويسارت، بالتهمة نفسها.

سجناء سياسيون
واحتجاجا على هذه التوقيفات نزل مئتا ألف إلى شوارع برشلونة، وتحدث بوجديمون عن "سجناء سياسيين".

انتهاء فترة الإنذار
كتب بوجديمون إلى راخوي لإبلاغه بأن برلمان كتالونيا لم يصوت لإعلان الاستقلال، لكن يمكن أن يفعل ذلك إذا تابعت مدريد "القمع" من خلال تعليق الحكم الذاتي. وكان جواب مدريد أن الحكومة ستواصل تطبيق المادة 155، وفي الوقت ذاته أعلن راخوي أنه سيطلب من مجلس الشيوخ السماح له بإقالة الحكومة الكتالونية والدعوة إلى انتخابات إقليمية في غضون ستة أشهر.

إعلان الاستقلال
في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2017، أعلن برلمان كتالونيا أن الإقليم بات "دولة مستقلة تتخذ شكل جمهورية"، وأدى النواب النشيد الانفصالي وهتفوا "لتحيا كتالونيا"، في حين احتفل عشرات الآلاف من مؤيدي الانفصال خارج البرلمان الكتالوني بالتصفيق والهتاف.

ونص إعلان الانفصال -الذي صاغه الأعضاء الانفصاليون الذين يشكلون الأغلبية في البرلمان- على قيام "دولة مستقلة تتخذ شكل جمهورية" في كتالونيا، وطالب في حيثياته بمفاوضات فورية مع مدريد "على قدم المساواة".

وطلب البرلمان من حكومة كتالونيا التفاوض بشأن الاعتراف بها في الخارج، في حين لم تعلن أي دولة دعمها للانفصاليين.

بعيد ذلك، أجاز مجلس الشيوخ الإسباني وضع كتالونيا تحت وصاية مدريد.

رفض عالمي
وبينما اتخذت الحكومة المركزية الإسبانية عدة إجراءات فور إعلان الانفصال، منها حل حكومة كتالونيا وبرلمانها، والدعوة لإجراء انتخابات مبكرة، واستبعاد كبار المسؤولين في الإدارة الداخلية الإقليمية لكتالونيا؛ تتالت ردود الفعل الدولية الرافضة لإعلان إقليم كتالونيا الانفصال من جانب واحد عن إسبانيا.

على مستوى الاتحاد الأوروبي، أعلن رئيس البرلمان الأوروبي أنطونيو تاجاني، أن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي (28 دولة) لن تعترف باستقلال كتالونيا.‎ كما قال رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، إن من المهم لأوروبا أن تتفادى المزيد من التصدعات داخل التكتل الأوروبي.

وبالإضافة للموقف الرسمي للاتحاد الأوروبي، أعربت دول أوروبية كبرى عن رفضها الانفصال، من بينها ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا.

كما أكدت الولايات المتحدة أنها تدعم وحدة إسبانيا، وأن إقليم كتالونيا جزء منها، وأشارت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية هيذر نويرت إلى أن بلادها تدعم التدابير الدستورية التي اتخذتها الحكومة الإسبانية لضمان إسبانيا قوية موحدة.

وصدرت مواقف رافضة لاستقلال الإقليم من دول أخرى عديدة، من بينها كندا وتركيا والمغرب، كما دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريتش، كلا من مدريد وكتالونيا إلى التوصل إلى حل في إطار الدستور.

ما الآثار المترتبة على انفصال كتالونيا؟
 

 
المصدر : الفرنسية + وكالات

حول هذه القصة

أعلن برلمان إقليم كتالونيا في جلسة عقدها يوم 27 أكتوبر/تشرين الأول 2017 انفصاله عن إسبانيا، في خطوة قوبلت بإجراءات عملية من الحكومة المركزية بمدريد.

تمنح المادة 155 من الدستور الإسباني صلاحيات للحكومة المركزية في مدريد في حال خروج أحد الأقاليم عن التزاماته الدستورية، وقد طلبت حكومة ماريانو راخوي تفعليها ضد إقليم كتالونيا.

أصدر برلمان كتالونيا في أكتوبر/تشرين الأول 2017 القانون الذي يمثل دستورا مؤقتا للإقليم، يكون ساري المفعول لمدة عام واحد، وهو الوقت المقدر لإعداد دستور دائم للجمهورية الكتالونية حال إعلانها.

المزيد من سياسي
الأكثر قراءة