البلدة "الموقرة" سبسطية.. وارثة الحضارات الصامدة في معركة التراث

حفظ

A Palestinian flag flies over the Roman historical site in the West Bank town of Sebastia Thursday, Nov. 20, 2025. (AP Photo/Nasser Nasser)
بلدة سبسطية يعود اسمها إلى اللفظ الإغريقي "سبسطي"، وهو مرادف للقب الإمبراطور الروماني أوغسطس، ويعني لغويا "المبجلة" أو "الموقرة" (أسوشيتد برس)

بلدة فلسطينية تاريخية تقع شمال غرب مدينة نابلس، وتُعد من أقدم الحواضر المأهولة في فلسطين التاريخية. اكتسبت أهميتها من موقعها وتعاقب الحضارات والممالك المتعددة عليها، بدءًا من الكنعانيين في العصر البرونزي، مرورا بمدينة السامرة التي بناها الملك عمري في القرن التاسع قبل الميلاد، ثم الفترات الآشورية والفارسية والهيلينستية والرومانية والبيزنطية، وصولًا إلى العصور الإسلامية والصليبية والعثمانية.

تضم بلدة سبسطية مجموعة واسعة من المواقع والمعالم الأثرية التي تعكس تتابع الحضارات عليها، كما تحتفظ بطابع عمراني ارتبط بتاريخها في العهد العثماني باعتبارها إحدى قرى الكراسي (مراكز النفوذ المحلي).

أعلنت لجنة التراث العالمي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو"، يوم 24 يوليو/تموز 2026، إدراج بلدة سبسطية الفلسطينية رسميًا على قائمة التراث العالمي، وذلك أثناء اجتماع اللجنة الذي عُقد في مدينة بوسان بكوريا الجنوبية.

الموقع والتسمية

تقع بلدة سبسطية على بعد حوالي 12 كيلومترا إلى الشمال الغربي من مدينة نابلس في الضفة الغربية، عند تقاطع طرق استراتيجي يربط بين محافظات نابلس وجنين وطولكرم، ويسلكه الحجاج والزوار للوصول إلى السهل الساحلي ووادي الأردن.

تتربع البلدة الأثرية والتاريخية على تلة جبلية خلابة ترتفع نحو 463 متراً عن سطح البحر، وتحيط بها أودية خصبة تشتهر بزراعة الزيتون، واللوزيات، والتين، والمحاصيل الحقلية.

ويعود اسم بلدة سبسطية إلى اللفظ الإغريقي "سبسطي"، وهو مرادف للقب الإمبراطور الروماني أوغسطس ويعني لغويا "المبجلة" أو "الموقرة". وقد أطلق هذا الاسم عليها القائد الروماني هيرودس الكبير بعد أن منحها له الإمبراطور عام 30 قبل الميلاد، فأعاد بناءها وتخطيطها على النمط الروماني عام 27 قبل الميلاد تكريماً له.

خريطة قرية سبسطية - فلسطين

العمق التاريخي

تُعدّ سبسطية واحدة من أقدم الحواضر المسكونة في فلسطين التاريخية، إذ تمتد جذورها إلى أكثر من خمسة آلاف عام. وتمثل البلدة نموذجًا حيًا لتراكم الحضارات فوق بعضها بعضًا، حيث تركت الشعوب والقوى التي حكمتها آثارها ومعالمها على التل الذي قامت عليه المدينة، لتتحول سبسطية عبر آلاف السنين إلى سجل تاريخي مفتوح يوثق مراحل متعاقبة من تاريخ المنطقة.

إعلان

تعود أقدم الدلائل الأثرية على الاستيطان في سبسطية إلى العصر البرونزي المبكر، نحو عام 3200 قبل الميلاد، حين سكنها الكنعانيون. وقد شكل موقعها أهمية خاصة، الأمر الذي جعلها لاحقًا محط اهتمام القوى السياسية والحضارات التي تعاقبت على فلسطين.

وفي القرن التاسع قبل الميلاد، وتحديدًا نحو عام 876 قبل الميلاد، شهدت المنطقة مرحلة مهمة في تاريخها عندما بنى الملك "عمري" مدينة على التلة وأطلق عليها اسم السامرة. واتخذت المدينة مكانة بارزة باعتبارها عاصمة جديدة، كما ساهم موقعها في تعزيز السيطرة على طرق التجارة في المنطقة، الأمر الذي منحها أهمية سياسية واقتصادية كبيرة.

غير أن هذه المرحلة لم تستمر، إذ سقطت المدينة في يد الآشوريين بقيادة سرجون الثاني عام 722 قبل الميلاد، لتدخل سبسطية مرحلة جديدة من تاريخها تحت الحكم الآشوري. وبعد ذلك خضعت المدينة للحكم الفارسي.

A drone view of archaeological remains in the ancient village of Sebastia, near Nablus in the Israeli-occupied West Bank, June 4, 2026. REUTERS/Ammar Awad
سبسطية دخلت عام 636 للميلاد مرحلة الحكم الإسلامي، بعدما فتحها المسلمون بقيادة عمرو بن العاص دون قتال (رويترز)

ومع وصول العصر الهيلينستي، دخلت سبسطية مرحلة مختلفة من تاريخها. ففي عام 331 قبل الميلاد احتلها الإسكندر الأكبر، وتحولت إلى بلدة هيلينية استقر فيها جنوده المقدونيون. وقد مثّل ذلك تحولًا جديدًا في هوية المدينة وطابعها الحضاري، في ظل انتشار التأثير اليوناني في مناطق واسعة من الشرق.

وفي العهد الحشموني تعرضت المدينة للدمار عام 108 قبل الميلاد، إلا أن موقعها وأهميتها التاريخية جعلاها تستعيد مكانتها لاحقًا في ظل الحكم الروماني. فقد أعيد بناء المدينة بصورة واسعة في عهد هيرودس عام 27 قبل الميلاد، لتدخل مرحلة جديدة اتسمت بالازدهار العمراني والحضاري.

واستمرت مكانة سبسطية في النمو خلال العصر الروماني، حتى منحها الإمبراطور سبتيموس سيفيروس نحو عام 200 ميلادي مكانة كولونيا رومانية، وهو ما عزز موقعها وأهميتها ضمن المدن الواقعة تحت الحكم الروماني.

ومع انتشار المسيحية في المنطقة في الفترة البيزنطية، اكتسبت سبسطية أهمية دينية كبيرة، وأصبحت مركزًا أسقفيًا مهمًا. كما ارتبطت مكانتها الدينية بوجود قبر النبي يحيى عليه السلام، المعروف في التراث المسيحي بيوحنا المعمدان، الأمر الذي منحها قدسية خاصة وجعلها مقصدًا ذا أهمية دينية.

وفي عام 15 للهجرة/ 636 للميلاد، دخلت سبسطية مرحلة الحكم الإسلامي، بعدما فتحها المسلمون بقيادة عمرو بن العاص دون قتال. وشكل ذلك بداية مرحلة جديدة في تاريخ البلدة، التي أصبحت جزءًا من الحضارة الإسلامية التي امتدت في بلاد الشام.

وفي فترة الاحتلال الصليبي، شهدت تحولًا جديدًا في معالمها الدينية، إذ أقيمت كاتدرائية ضخمة فوق الضريح المرتبط بالنبي يحيى عليه السلام. وظلت البلدة تحت السيطرة الصليبية إلى أن تمكن القائد صلاح الدين الأيوبي من تحريرها عام 583هـ/1187م.

وبعد تحريرها، تحولت الكاتدرائية الصليبية إلى مسجد النبي يحيى، الذي أصبح أحد أبرز المعالم التاريخية والدينية في البلدة.

وفي العهد العثماني، استمرت سبسطية في الاحتفاظ بأهميتها التاريخية والدينية. وقد حظيت باهتمام السلاطين العثمانيين، حيث أُضيف إليها جامع عثماني، كما أمر السلطان عبد الحميد الثاني ببناء مئذنته عام 1892 ميلادي.

A Palestinian visitor takes a photo at the Roman historical site in the West Bank town of Sebastia Thursday, Nov. 20, 2025. (AP Photo/Nasser Nasser)
سبسطية برزت في أواخر الفترة العثمانية باعتبارها من قرى الكراسي التي شكلت مراكز للنفوذ المحلي (أسوشيتد برس)

وفي أواخر الفترة العثمانية، برزت سبسطية باعتبارها واحدة من "قرى الكراسي"، وهي القرى التي شكلت مراكز للنفوذ المحلي، وحكمت منها عائلات إقطاعية متنفذة مناطق واسعة من محيطها. وقد انعكس هذا الدور السياسي والاجتماعي على الطابع العمراني للبلدة، حيث شُيدت فيها قصور ومبانٍ كبيرة تعكس خصائص العمارة الفلسطينية التقليدية.

إعلان

ومن أبرز هذه المعالم قصر الكايد وقصر الحواري، اللذان يمثلان جانبًا من تاريخ سبسطية في تلك المرحلة، ويعكسان المكانة التي تمتعت بها العائلات المتنفذة داخل البلدة.

كنوز أثرية

تتنوع المعالم الظاهرة في سبسطية بين المنشآت الرومانية والمباني الدفاعية الهيلينستية والمواقع الدينية التي ارتبطت بالمسيحية والإسلام ومن أبرز المواقع الأثرية ما يأتي:

  • شارع الأعمدة الروماني

وهو من أبرز المعالم الأثرية في سبسطية وأكثرها دلالة على الطابع العمراني الذي شهدته المدينة في العصر الروماني. يمتد الشارع بطول يقارب 800 متر باتجاه البوابة الغربية، ويتميز بانتشار الأعمدة والتيجان الكورنثية على امتداده، في مشهد يجمع بين الآثار التاريخية والطبيعة المحيطة بها.

وقد كان الشارع يضم في السابق ما يقارب 600 عمود.

فلسطين - نابلس - بلدة سبسطية الأثرية -الجزيرة نت - أغسطس 2025
بلدة سبسطية تمتد جذورها إلى أكثر من خمسة آلاف عام (الجزيرة)
  • المسرح الروماني

يمثل جانبًا من الحياة العامة والثقافية في المدينة خلال العصر الروماني. ويأخذ المسرح شكلًا نصف دائري، وينقسم إلى أجزاء سفلية وأخرى علوية، وقد صُمم لاستيعاب مئات المتفرجين.

  • معبد أغسطس

على أعلى قمة التلة التي تقوم عليها سبسطية، توجد أساسات معبد أغسطس، الذي يُعد من أهم المعالم المرتبطة بالفترة الرومانية. وقد شيد هيرودس الكبير هذا المعبد الضخم إكرامًا للإمبراطور الروماني أوغسطس.

  • ساحة البازيليكا والمحكمة والسوق

وهي من المعالم التي تعكس التنظيم المدني والإداري للمدينة الرومانية. وتتخذ الساحة شكلًا مستطيلًا، وكانت محاطة بالأعمدة من جهاتها الأربع، فيما تقع إلى جانبها الساحة العامة المعروفة باسم الفوروم.

  • البرج الهيليني

وهو برج دفاعي دائري ضخم يرجع إلى القرن الرابع قبل الميلاد. ويتميز البرج بأسلوب بناء خاص، حيث وُضعت حجارته الكبيرة بطريقة رأسية مائلة، وهي تقنية تمنحه خصوصية معمارية واضحة.

الاحتلال سبق وأقر مشاريع استيطانية بموقع سبسطية الأثري قرب نابلس (الجزيرة)
الاحتلال أقر مشاريع استيطانية في موقع سبسطية الأثري قرب نابلس (الجزيرة)
  • المقبرة الرومانية وقبر القبة

يتكون الموقع من مبنى كان مقبرة عائلية، ويتميز بسقف على شكل قبة دائرية.لاوتزين واجهة المبنى الخارجية أعمدة حجرية، فيما يضم داخله توابيت حجرية ضخمة.

  • مسجد النبي يحيى

يقع المسجد في وسط البلدة، ويرتبط بموقع يُعتقد وفقًا للتراث الإسلامي والمسيحي، أنه يضم ضريح النبي يحيى بن زكريا عليه السلام، المعروف في المسيحية بيوحنا المعمدان.

على قائمة التراث العالمي

في خطوة تاريخية بارزة، أعلنت لجنة التراث العالمي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو"، يوم 24 يوليو/تموز 2026، إدراج بلدة سبسطية الفلسطينية رسميًا على قائمة التراث العالمي، وذلك أثناء اجتماع اللجنة الذي عُقد في مدينة بوسان بكوريا الجنوبية.

لقي القرار ترحيبًا فلسطينيًا واسعًا، إذ اعتبر المندوب الدائم لفلسطين لدى اليونسكو السفير عادل عطية إدراج سبسطية انتصارًا للهوية الوطنية الفلسطينية، وخطوة مهمة نحو حماية الموقع من مخاطر التهويد والاندثار.

في المقابل، أثار القرار اعتراضًا إسرائيليًا شديدًا، إذ زعمت مندوبة إسرائيل لدى اليونسكو نينا بن عامي ووزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أن قرار الإدراج يتجاهل -بحسب موقفهما- ما وصفاه بـ"الارتباط اليهودي التاريخي" بتلة السامرة التوراتية.

The Nabi Yahya Mosque and the the Sebastia Museum at the historic archaeological center of the West Bank village of Sebastia, north of Nablus, Thursday, Oct. 7, 2021. Palestinians on Thursday celebrated their heritage at folklore festival in the ancient West Bank town of Sebastia. (AP Photo/Nasser Nasser)
مسجد النبي يحيى يقع وسط البلدة (أسوشيتد برس)

معركة الوجود

تقع أجزاء واسعة من المنطقة الأثرية والتاريخية في سبسطية، بما يقارب نصف مساحة البلدة، ضمن تصنيف المنطقة "ج" الخاضعة للسيطرة العسكرية والإدارية الإسرائيلية الكاملة. وقد انعكس هذا الواقع على قدرة المؤسسات الفلسطينية على إدارة الموقع والحفاظ عليه، إذ تُمنع بلدية سبسطية من تنفيذ أعمال الترميم والصيانة والتنقيب العلمي في تلك المناطق.

إعلان

كما تشمل القيود ملاحقة طواقم النظافة الفلسطينية وعرقلة أعمالها، إلى جانب منع رفع العلم الفلسطيني، في إجراءات يرى الفلسطينيون أنها تحدّ من قدرتهم على ممارسة دورهم في حماية الموقع وإدارته.

ومنذ عام 2023، اتجهت الحكومة الإسرائيلية إلى تخصيص ميزانيات ضخمة تجاوزت 30 مليون شيكل، لتنفيذ مشروع متنزه السامرة الوطني في المنطقة.

ويتضمن المخطط إنشاء طريق التفافي يتيح الوصول إلى المنطقة الأثرية من دون المرور بالبلدة الفلسطينية، إلى جانب إقامة سياج سلكي قد يحول دون وصول المزارعين الفلسطينيين إلى حقول الزيتون المحيطة بالموقع الأثري. ويهدف المشروع إلى تعزيز الرواية التوراتية للموقع وفرض واقع استيطاني جديد على الأرض.

ويثير المشروع مخاوف فلسطينية من أن يؤدي إلى مزيد من عزل البلدة عن محيطها التاريخي والزراعي، وإعادة تشكيل العلاقة بين السكان الفلسطينيين والموقع الأثري الذي يشكل جزءًا أساسيًا من هويتهم ومصدرًا مهمًا لنشاطهم الاقتصادي والسياحي.

Stars of David graffitied on the ancient Hellenic wall in Sebastia [Al Jazeera]
جدار يوناني قديم في سبسطية رسمت عليه نجمة إسرائيل (الجزيرة)

كما شهدت المنطقة في الفترة بين عامي 2024 و2025 تصعيدًا جديدًا، بعدما استولت قوات الاحتلال على مساحة تقدر بنحو 1300 متر مربع داخل منطقة الآثار لإقامة ثكنة عسكرية دائمة تطل على معبد أغسطس وعدد من المواقع الأثرية الرئيسية.

ولا تقتصر التحديات التي تواجهها سبسطية على المشاريع الاستيطانية والإجراءات العسكرية، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للسكان. وتشهد البلدة اقتحامات متكررة من قوات الاحتلال والمستوطنين، إلى جانب إغلاق الطرق المؤدية إليها، وهدم عدد من المنشآت السياحية والمقاهي.

المصدر: الصحافة الفلسطينية

إعلان