المسحّر والنفار وأبو الدمام.. قصة موقظي النيام

في ليالي رمضان، حين تسكن البيوت ويعمّ السكون الأزقة، يخرج المسحّر من بين الحارات والطرقات، كاسرًا صمت الليل لإيقاظ النيام، حاملاً طبله أو نفاره، مرددًا الأناشيد والأهازيج التي تنبّه النائمين وتوقظهم للقيام إلى السحور قبل دخول وقت الإمساك.
في السابق، كان الصحابي الجليل بلال بن رباح يرفع الأذان في السَّحَر (آخر الليل) لينبّه الناس إلى اقتراب بزوغ الفجر، ثم تطوّر "فن التسحير" مرورا بالعصور العباسية والفاطمية والمملوكية، ليصبح طقسا اجتماعيا يجمع بين الموسيقى والزجل والأناشيد الدينية، ويكافأ المسحّر على جهده بالمال أو الطعام.
مهنة المسحراتي
تنتشر مهنة المسحّر أو المسحراتي في معظم البلدان العربية والإسلامية، حيث يجوب المسحر الأزقة ليلا لتنبيه الناس وقت السحر ليتناولوا طعام السحور ويستعدوا لصيام اليوم التالي، مستخدما الطبلة ومرددا الأناشيد والأدعية، وهو يدق الطبول لينتبه الناس.
وتختلف أساليب أداء هذه المهمة من بلد إلى آخر؛ ففي اليمن كان المسحّر يوقظ الناس بقرع الأبواب بعصاه، بينما كان في المغرب يعزف على المزمار، وفي بلاد الشام كان قديما يمر على البيوت عازفا على العود والطنبور، مرددا الأناشيد الدينية الخاصة بشهر رمضان.
ولا ينتهي دور المسحّر مع انتهاء الشهر فورا، إذ يتجدد حضوره في صباح العيد في معظم الدول العربية حين يخرج مبكرا يجوب الحارات والبيوت، مصطحبا معه أداة الإيقاظ المألوفة، وأحيانا ابنه أو مساعدا يحمل الهدايا والعيديات، ويمرّ بالأهالي ليجمع مكافأته وعيدياته.
وفي عصرنا، باتت بعض الحكومات المحلية تتكفل بصرف مكافآت المسحراتي، وفي مناطق أخرى تعد هذه المهنية تطوعية لا يتقاضى عنها المسحّر أجرا.

ألقاب المسحّراتي في البلدان العربية
يطلق على المسحّر أسماء عديدة، وتختلف ألقابه من بلد لآخر، فباللهجة العراقية يعرف بالمسحرجي وأبو طبيلة وأبو الدمام، وفي بلاد الشام (سوريا والأردن ولبنان وفلسطين) باسم المسحراتي والمسحّر وأحيانا أبو طبلة.
وفي تونس والجزائر يُعرف باسم بو طبيلة، أما في المغرب فتتعدد التسميات، ومن بينها: الطبّال والنفّار الذي يستخدم مزمارا طويلا قد يتجاوز طوله مترا، إضافة إلى الغيّاط الذي يعتمد على مزمار أصغر حجما.
وفي ليبيا يُعرف المنادي للسحور باسم المسحراتي بينما يُسمّى في بعض المناطق، ولا سيما في الجنوب الغربي: النوبادجي.
وفي السعودية وعُمان والكويت عرف باسم المسحّر أو المسحّراتي، بينما يُسمّى أبو طبيلة في الإمارات وقطر والكويت نسبة إلى الطبل الذي يقرعه لإيقاظ الصائمين، أما في البحرين فيعرف باسم الطبّال.
وفي مكة، اشتهر قديما باسم الزمزمي، وكان يحمل حبلا يُعلق منه قنديلان كبيران، ليتمكن من إيصال الضوء لمن لم يسمع نداءه من فوق المسجد.
متى ظهر المسحّراتي؟
تختلف الروايات حول البدايات الأولى لتقليد إيقاظ الناس للسحور في رمضان، ويعود بها البعض إلى عهد النبي ﷺ، حين ارتبط تنبيه الصائمين للسحور بالأذان نفسه. فقد كان الصحابي بلال بن رباح -أول مؤذن في الإسلام- يرفع صوته بالأذان في الليل قبل الفجر، بينما كان الصحابي عبد الله بن أم مكتوم يؤذن عند طلوع الفجر فيكون إيذانا ببدء الصيام. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر المسلمين بقوله: "إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم".
وفي العصر العباسي، وتحديدا عام 238 للهجرة (853 للميلاد)، يروى أن والي مصر عنبسة بن إسحاق -الذي ولاه الخليفة العباسي المنتصر بالله محمد بن المتوكل- لاحظ أن كثيرا من الناس لا ينتبهون إلى وقت السحور، في ظل غياب من يتولى مهمة إيقاظهم، فقرر أن يقوم بالمهمة بنفسه.
فكان عنبسة يخرج ليلا يجوب الطرقات، متنقّلا من مدينة العسكر في الفسطاط حتى جامع عمرو بن العاص، يوقظ الناس وينادي بصوت عالٍ: "عباد الله، تسحّروا فإن في السحور بركة"، ولم يكتفِ بالنداء، بل كان يردد الأناشيد بصوت جهوَري ليوقظ النائمين ويذكّرهم بموعد السحور.
أما في العصر العثماني، فقد خُصصت للمسحراتي مكافأة خاصة من مالية الخلافة فضلا عن وجبة من الطعام وقت السحور.
تطوّر التقليد
ومع مرور الزمن، أخذ هذا التقليد يتشكل في صور متعددة، فمنذ عصر الدولة الفاطمية، يُروى أن الخليفة الحاكم بأمر الله أمر الناس بالنوم مبكرا بعد صلاة التراويح، ثم أرسل جنوده ليجوبوا الأزقة ليلا ويدقوا أبواب البيوت لإيقاظ الصائمين للسحور.
ومع مرور الوقت خُصِّص لهذه المهمة رجل واحد، عُرف باسم المسحّراتي، يحمل عصاه ويطرق الأبواب مرددا: "يا أهل الله قوموا تسحّروا".
وبعد أن كادت هذه المهنة أن تندثر، أعاد السلطان المملوكي الظاهر بيبرس إحياءها بوصفها تقليدا رمضانيا متوارثا، فكلّف صغار علماء الدين بالتجول ليلا والدق على أبواب المنازل لإيقاظ أهلها للسحور.
وبعد أكثر من نصف قرن، في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون، ظهرت طائفة أو نقابة للمسحّراتية أسسها أبو بكر محمد بن عبد الغني المعروف بـ"ابن نقطة".
ويُنسب لابن نقطة ابتكار فن القوما، وهو لون من الأناشيد والتسابيح ارتبط بطقوس التسحير في شهر رمضان، وظهر أولا في بغداد قبل أن ينتقل إلى القاهرة.

المسحر في مصر والسودان
كان المسحّراتية في مصر من أوائل من أدخلوا الطبلة إلى طقوس إيقاظ الناس للسحور. ففي بدايات الأمر استُخدمت آلة بسيطة كانت تُعرف باسم البازة، قبل أن تتطور لاحقا إلى طبلة أكبر يحملها المسحّراتي ويقرع عليها أثناء تجواله في الأزقة والحارات، مرددا أشعارا شعبية وزَجَلا خاصا يوقظ به النائمين ويضفي على الليل الرمضاني نكهته المميزة.
ومع مرور الوقت، لم تعد المهمة فردية كما كانت في السابق، بل تطورت لتشمل فريقا صغيرا يتقدمه المسحّراتي، ويضم عازفين على الطبلة والصاجات، يجوبون الأحياء مرددين أهازيج خفيفة وألحانا شعبية، غالبا ما كان يؤلفها الشعراء الشعبيون خصيصا لهذه المناسبة.
وفي السودان، يخرج المسحّراتي ليلا يطرق أبواب المنازل، يرافقه طفل صغير يحمل الفانوس وورقا كتب عليه أسماء أهل الحي، لينادي كل واحد باسمه.
واشتهر المسحّراتي السوداني بترديد عبارات مرحة وحيوية، مثل: "اصحوا يا نايمين، اصحوا يا جيران، اصحوا يا ناس يا حلوين، اصحوا واسحروا، وقولوا نوينا نصوم رمضان، اصحى يا نايم وحّد الدايم".

المسحر في بلاد المغرب
انتقلت عادة المسحّراتي إلى بلدان المغرب العربي في شمال إفريقيا في عهد الدولة الفاطمية التي تأسست سنة 300 للهجرة (912–913 للميلاد)، ومع اتساع نفوذ الفاطميين، انتقلت معهم تقاليد رمضان وطقوسه الاجتماعية، ومن بينها تقليد إيقاظ الناس للسحور.
وظل المسحّراتي يؤدي مهمته حتى وقت الاستعمار الأوروبي لشمال إفريقيا، قبل أن تبدأ هذه الشخصية الرمضانية المميزة بالتراجع تدريجيا في العصر الحديث، مع تغيّر أنماط الحياة وظهور وسائل تنبيه حديثة حلّت مكان الدور التقليدي الذي كان يؤديه.
وفي مدينة طرابلس بليبيا، في أثناء عصر القرمانلي (1711-1835)، كانت فرقة من الحرس الخاص تتجول في أنحاء المدينة قبل الفجر لإيقاظ الناس، يطرقون على العلب والصحون المعدنية باستخدام قطع من الحديد، ليكون صوتهم منبها للسحور.
وفي الشهر المبارك، يضفي المسحّر في الجزائر على جولات التسحير طابعا شعوريا مختلفا بحسب توقيت الشهر. ففي وسط رمضان يردد عبارته الدينية المألوفة: "اللهم صلّ وسلم على سيدنا محمد"، أما في الأيام الأخيرة، فيختتم جولاته بنداء وداعي يحمل الحنين: "الوداع الوداع يا شهر رمضان، قال ليكم سيدي رمضان تبقوا على خير".
وفي المغرب يقوم النفّار بجولته في الحي مرتين في الليل، تفصل بينهما ساعة على الأقل، وتأتي الجولة الأولى لإيقاظ النساء استعدادا لإعداد وجبة السحور، بينما تهدف الجولة الثانية لإيقاظ النائمين لتناول الوجبة قبل موعد الإمساك عن الطعام.
المسحّر في بلاد الشام
بلغ المسحراتي في بلاد الشام مكانة استثنائية، خصوصا في دمشق، إذ تحوّلت المهنة إلى تنظيم مهني، يتصدره شيخ الكار (رأس الهرم) يليه النقيب لمراقبة الالتزام، ثم الشاويش والأعضاء لحل المشكلات وتغطية الغياب، بما يضمن استمرار تقليد التسحير.
وفي سوريا، كان لكل حي مسحّر أو أكثر حسب المساحة وكثرة السكان، حيث يكتب المسحّر قبل رمضان أسماء أفراد البيوت لينادي كل واحد باسمه أثناء جولاته. يحمل الطبلة ويقرع عليها بعصا خاصة، ويصحب أحيانًا شخصًا يحمل الفانوس قبل أن يختفي الأخير مع تطور نمط الحياة، ويستمر المسحر بمفرده.
وفي دمشق، كانت المدينة مقسمة إلى قطاعات، ويتقاسم المسحراتية الأحياء، مع تحديد الحكومة أجرة لكل مسحر على حيّه. وكان للمسحّر ثلاث جولات:
- جولة يومية لإيقاظ الناس وقت السحور.
- جولة لجمع الطعام والمساعدات، يصطحب فيها مساعدًا لحمل السلة، وغالبًا ما يُخلط ما يجمع من أطباق، فانتشر المثل الشعبي: "مثل أكلات المسحر"، ويُوزع الطعام أحيانًا على المحتاجين.
- جولة العيد لجمع العيديات، يرافقه فيها ابنه أو مساعد، وتظل الطبلة هويته المميزة في كل جولاته، وهو تقليد مشترك في معظم الدول العربية حيث يطل المسحّر على الأهالي صباح العيد لتلقي العيديات.
ويشتهر نداء المسحّر بعبارات مرحة مثل: "يا نايم وحد الدايم". وغالبا يلحق الأطفال به مرددين الأهازيج الشعبية، مضيفين جوًا من البهجة على ليالي السحور.
وفي القدس كانت كل حارة تختار شابا أو رجلا ذا صوت جميل ليؤدي مهمة تسحير الناس في رمضان. ومع اقتراب نهاية الشهر، يكرم الأهالي المسحّر ماليا، وأحيانا يقدمون له الأرز والطحين والسكر تعبيرا عن تقديرهم لمجهوده في الليالي الرمضانية.
وارتبط بعض المسحراتية بذاكرة الناس جزءا من التراث، وتجاوز دورهم مجرد الإيقاظ؛ فبعضهم كان يجيد تغيير صوته وهيئته لنقل الرسائل بين القادة الفلسطينيين أثناء المقاومة والانتفاضات، سواء داخل المدن والقرى أو إلى الخارج، وصارت هذه المهنة تلاقي مضايقات كثيرة من المستوطنين وقوات الاحتلال.
وفي لبنان يظهر المسحر مرتديا عباءة أو دشداشة بيضاء في أثناء أداء مهمته، ومن بين الأهازيج التي يصدح بها: يا نايم وحّد الدايم.. يا نايم وحّد الله، قوموا على سحوركم، جايي رمضان يزوركم"، أما في الأردن "إصحى يا نايم وحّد الدايم.. يا عباد الله وحّدوا الله.. رمضان كريم".
المسحر في العراق
في العراق يعتمد المسحراتي في إيقاظ الناس للسحور على شعر يُعرف باسم "القوما"، وهو لون شعري ارتبط بنداءات السحور. وقد سُمّي بهذا الاسم لأن المسحراتي كان يكرر في ندائه عبارة: "يا نياما قوما.. قوما للسحور قوما".
ويستخدم المسحراتي في العراق طرق عدة لإيقاظ الناس، منها الطبل أو الدق على الأبواب أو المناداة أو دق الأجراس، وكانت تستخدم أيضا صافرة تعرف بـ"الجرخجي" في بغداد.
ومن بين الأهازيج الأخرى "سحور، سحور، سحور"، "اصحَ يا صائم، ووحد الدايم".
المسحّر في الجزيرة العربية
في دول الخليج كان "المسحراتي" يحمل طبلة كبيرة يعلّقها في رقبته، فيدق على أحد جانبيها بعصا صغيرة، ويضرب على الجانب الآخر بكفّه، وهو يجوب الأزقة مناديا بعبارات لإيقاظ الصائمين، من أشهرها "صحي يا صايم يا نايم واعبد ربك الدايم" أو "قوم صل قوم صوم واتسحر بالمقسوم".
وفي اليمن، يتولى أحد أهالي الحي مهمة التسحير، ويطرق باب البيت بالعصا وينادي أهله قائلاً: "قوموا كلوا"، أما في السعودية، فيوقظ النائمين بالدعاء: "ربي قدرنا على الصيام واحفظ إيماننا بين القوم".
وفي عُمان، يستخدم الطبلة أو الناقوس، مرددا: "يا نائمين الليل قوموا تسحروا سحور… يا مسلمين سحور يا صائمين".
وفي الكويت، ينادي بمرافقة أولاده، ويردد بعض الأدعية التي يردّون عليها أثناء الجولة، وفي قطر يجول المسحراتي أنحاء الفريج (الحي) وخلفه الأطفال يرددون وراءه أهازيجه.
المسلمون حول العالم
في نيجيريا يطوف المسحراتي على المنازل، ضاربا الطبول أو نافخا في الأبواق المسماة "جروه" و"كاهو"، وتصدر الطبول دويا يشبه صوت المدافع، للإعلان عن موعد الإفطار والسحور والإمساك.
وفي الصومال يُعتبر التسحير وظيفة رسمية، يعين لها موظف حكومي يضرب على طبلة كبيرة تُسمى "درمان" 3 مرات متتابعات، مرددا عبارة "واسحورتي واكورتي" أي "قوموا للسحور". ويشارك الأطفال بالفوانيس والأناشيد حتى موعد السحور.
أما في إندونيسيا يتولى أهل المدينة مهمة التسحير بالتناوب بين مجموعات، مستخدمين آلة "بدوق" ويصار ُطلق في العصر الحديث المدفع للإعلان عن السحور وبداية الصوم.
وفي الفلبين يكلف الأطفال بالتسحير، ويمرون على البيوت ويدقون الأبواب مرددين الأغاني، بعد أن يقضوا الليل في اللعب والغناء.
وفي تركيا لا تزال مهنة المسحراتي حاضرة في معظم المدن والقرى التركية، ومع اقتراب وقت السحور يجوب المسحّرون الشوارع بملابسهم التقليدية، يقرعون الطبول ويرددون أناشيد شعبية لإيقاظ الناس وتذكيرهم بموعد السحور.
وفي كثير من المناطق يعمل المسحراتي بالتنسيق مع البلديات المحلية، ويتلقى مكافآت رمزية من السكان في نهاية الشهر تقديرا لجهوده.
