الأرمادا.. معركة بين إنجلترا وإسبانيا سمّى ترمب أسطوله بها

شكّلت معركة أرمادا عام 1588 محطة فاصلة في التاريخ الأوروبي، حين هُزم الأسطول الإسباني الضخم، المعروف بـ"الأرمادا التي لا تُقهر"، على يد إنجلترا قبالة السواحل الفرنسية.
ولم تكن الهزيمة مجرد خسارة عسكرية، بل ضربة قاسية لهيبة إسبانيا التي كانت آنذاك الأقوى في العالم، إذ أجهضت طموحاتها لإخضاع إنجلترا وإعادة فرض الكاثوليكية فيها، وفتحت الطريق أمام صعود البروتستانتية وتعزيز مساعي استقلال هولندا.
وعلى المدى الأبعد، أسهم سقوط "الأرمادا" في إعادة رسم موازين القوى في أوروبا، معلنا بداية تراجع التفوق البحري الإسباني، في مقابل صعود إنجلترا قوة بحرية ناشئة، سرعان ما تحولت لاحقا إلى إمبراطورية استعمارية كبرى.
وبعد أكثر من 4 قرون، عادت كلمة "الأرمادا" لتطفو في الخطاب السياسي، لكن هذه المرة في سياق مختلف، إذ أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، في أواخر يناير/كانون الثاني 2026، إرسال تعزيزات عسكرية ضخمة إلى الشرق الأوسط أطلق عليها اسم "الأرمادا"، مبررا الخطوة بالسعي إلى منع انزلاق المنطقة نحو حرب أوسع.
والأرمادا كلمة إسبانية تعني البحرية، ولا تزال البحرية الإسبانية تسمى بالأرمادا، وكان أول من أطلق على البحرية الإسبانية هذا الاسم هو الملك فيلب الثاني.
الدوافع والأسباب
شهدت إنجلترا وإسبانيا علاقات ودية حتى أواخر خمسينيات القرن الـ16 الميلادي، فقد كان الملك الإسباني فيليب الثاني متزوجا ملكة إنجلترا ماري تيودور، وبعد وفاتها عام 1558، عرض الزواج على أختها غير الشقيقة إليزابيث الأولى، التي خلفتها على العرش، غير أنها رفضت ذلك العرض.
وفي العقود الثلاثة التالية، تدهورت العلاقات بين الجانبين، وكانت الخلافات الدينية في مقدمة أسباب هذا التدهور، فقد تبنّت إسبانيا المذهب الكاثوليكي، ونصّب فيليب الثاني نفسه حاميا للكنيسة الكاثوليكية، بينما تبنّت إليزابيث الأولى البروتستانتية، على خلاف ماري الأولى، وانتهجت سياسة مساندة للبروتستانت في أوروبا، فقدّمت لهم المال والسلاح.

ودعمت إليزابيث سرا الثورة الهولندية ضد الحكم الإسباني ابتداء من عام 1572، وكان إرسالها لقوة عسكرية قُدرت بنحو 7600 جندي لدعم الثوار الهولنديين عام 1585، بمثابة إعلان حرب على إسبانيا، مما جعلها في مواجهة مباشرة مع فيليب الثاني.
وتصاعدت حدّة التوترات عقب اكتشاف مؤامرات حاكتها إسبانيا لاغتيال الملكة إليزابيث الأولى وتنصيب ملكة إسكتلندا السابقة ماري ستيوارت مكانها، بهدف إعادة الكاثوليكية إلى إنجلترا، وهو ما دفع إليزابيث إلى إصدار أمر بإعدام ستيوارت مطلع عام 1587.
وقبل إعدامها، منحت ستيوارت فيليب الثاني حق وراثة مطالبها بعرش إنجلترا، الأمر الذي شجّعه على السعي لانتزاع هذه الحقوق، إضافة إلى رغبته في الثأر لمقتلها.
وأسهمت في تأجيج الخلاف الغارات المتكررة التي كان يشنها البحارة الإنجليز، مثل السير جون هوكينز والسير فرانسيس دريك، على السفن والمستعمرات الإسبانية في منطقة الكاريبي، حيث استولوا على حمولات من الذهب والفضة بتشجيع من إليزابيث الأولى.
وكانت إسبانيا تصادر السفن الإنجليزية في موانئها، وتفرض قيودا على التجار البريطانيين، وتمنعهم من الوصول إلى أسواق العالم الجديد في أمريكا الجنوبية والكاريبي.
ودفعت هذه الخلافات فيليب الثاني للتخطيط لغزو إنجلترا وقطع دعمها للهولنديين، في إطار ما عُرف بـ"مشروع إنجلترا" الذي حظي بدعم البابا في روما، بهدف الإطاحة بإليزابيث الأولى وإعادة فرض الكاثوليكية في البلاد.

التجهيزات العسكرية
أعدّت إسبانيا خطة لغزو إنجلترا تضمّنت بناء أسطول ضخم اكتمل بحلول عام 1587، وسرعان ما تسربت الأخبار إلى الإنجليز، فأغار السير فرانسيس دريك بأسطول إنجليزي صغير على ميناء قادس، ودمّر نحو 30 سفينة راسية، وأتلف مخزونا من الأخشاب، كما أحرق كميات كبيرة من البراميل المخصّصة لنقل مؤن قوات الغزو، الأمر الذي أسهم في تأخير إبحار الأسطول الإسباني قرابة عام كامل.
وفي أواخر مايو/أيار 1588، انطلق الأسطول من ميناء لشبونة البرتغالي، الذي كان خاضعا آنذاك للحكم الإسباني، غير أن العواصف أجبرته على العودة إلى ميناء لاكورونيا شمال إسبانيا. وبعد إعادة تنظيم صفوفه، عاود الإبحار ليصل إلى الساحل الجنوبي لإنجلترا في 19 يوليو/تموز، حيث كان الإنجليز قد أتمّوا استعداداتهم للمواجهة.
وتولى قيادة الأسطول الإسباني (الأرمادا)، دوق مدينة ميدينا-سيدونيا، ألونسو بيريز دي غوزمان، الذي اشتهر بخبرته في التخطيط وكفاءته في إدارة العمليات، إلا أن خبرته البحرية كانت محدودة نسبيا.
وتألف جيش الأرمادا من نحو 130 سفينة مزوّدة بما يقارب 2500 مدفع، وعلى متنها نحو 8 آلاف بحّار ونحو 20 ألف جندي. وبلغ عدد السفن القتالية نحو 40 سفينة، في حين شكّلت البقية في معظمها سفن نقل وسفنا خفيفة للدعم.
وتمثلت مهمة الأسطول في إحكام السيطرة على القناة الإنجليزية، تمهيدا لانضمام زوارق تحمل جيشا بقيادة دوق بارما (في إيطاليا)، أليساندرو فارنيزي، الوصي الإسباني على الأراضي المنخفضة (بلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ)، حيث يتم تأمين عبور هذا الجيش من فلاندرز شمال بلجيكا، عبر مضيق دوفر إلى الساحل الجنوبي لإنجلترا، تمهيدا لشن هجوم بري يهدف إلى الإطاحة بإليزابيث الأولى.
أما الأسطول الإنجليزي، فقد تولّى قيادته اللورد تشارلز هوارد من إفينغهام ونائبه السير فرانسيس دريك، وضمّ في بداية المعارك نحو مئتي سفينة، من بينها نحو 40 سفينة حربية. غير أن العدد الإجمالي تراجع إلى أقل من النصف في معظم المواجهات اللاحقة. وكان على متن الأسطول ما يقارب 16 ألف رجل، معظمهم من البحارة لا الجنود.

المواجهات المبكرة
وصل الأرمادا في 19 يوليو/تموز 1588 قبالة رأس ليزرد عند المدخل الغربي للقناة الإنجليزية، متخذا تشكيلا هلاليا تموضعت فيه السفن الكبرى البطيئة في الوسط، وأحاطت بها سفن أصغر وأكثر قدرة على المناورة لتأمين المساندة والحماية لها.
وعلى مدى الأسبوعين التاليين، ومع تقدّم الأرمادا داخل القناة، دارت معارك متفرقة بين الأسطولين، أبرزها 3 مواجهات رئيسية بين 21 و25 من الشهر نفسه قبالة بليموث، ثم قبالة بورتلاند بيل، وأخيرا قبالة جزيرة وايت.
وتصدّى الإنجليز للإسبان بتشكيل مزدوج، معتمدين على قصف الأرمادا بالمدفعية الثقيلة البعيدة المدى، ومتجنبين الالتحام المباشر، ولكنهم لم يتمكنوا من اختراق التشكيل الإسباني، ولم يُلحقوا به سوى أضرار محدودة.
وعلاوة على ذلك، لم يستطع الإنجليز وقف تقدّم الأسطول الإسباني في القناة، غير أن نقص الذخائر أدى إلى بطء الردّ الناري الإسباني، مما أتاح للإنجليز الاقتراب أكثر والبدء في إلحاق أضرار أشدّ بسفن الأرمادا، لا سيما أنهم قادرون على إعادة تزويد سفنهم بالذخيرة والبارود من الموانئ القريبة.
وفي 6 أغسطس/آب، بلغ الأرمادا مضيق دوفر ورسا قبالة مدينة كاليه على الساحل الفرنسي انتظارا لجيش بارما، غير أن ذلك الجيش لم يتمكّن من الالتحاق بالأرمادا، إذ كانت زوارقه صغيرة وغير مهيأة للإبحار في عرض البحر، كما أن عبورها المياه الساحلية الضحلة كان سيجعلها أهدافا سهلة للسفن الحربية الهولندية والإنجليزية المتربصة بها، وهو ما أفشل الخطة الأصلية للهجوم.

سير المعركة
في 8 أغسطس/آب، وبعد منتصف الليل، دفع الإنجليز بثماني سفن حارقة مملوءة بالمتفجرات مع اتجاه الريح نحو الأرمادا، مما أجبر السفن الإسبانية على قطع مراسيها والانتشار في عرض البحر تفاديا للنيران. ورغم أن الأضرار المادية كانت محدودة، فإن عنصر المفاجأة أحدث فوضى واسعة وأدّى إلى تفكك تشكيل الأسطول.
وقبل أن يتمكّن الأرمادا من إعادة تنظيم صفوفه، هاجمه الأسطول الإنجليزي قبالة غرافلين في معركة حاسمة، واقترب الإنجليز إلى مدى فعّال، وعجز الإسبان عن الرد بكفاءة، إذ لم تكن مدافعهم الثقيلة مهيأة للإطلاق، فاضطروا إلى الاعتماد على الأسلحة الخفيفة.
وكانت السفن الإسبانية مجهزة بمدافع صُممت للقتال من مسافات قصيرة، وكان الإسبان يعوّلون على تفوّقهم في المشاة، إذ قامت تكتيكاتهم على الاقتراب من السفن الإنجليزية بما يكفي للصعود إليها وخوض قتال مباشر على متنها.
غير أن هذا الأسلوب تعارض مع التكتيك الإنجليزي القائم على القصف بمدافع بعيدة المدى، مع البقاء على مسافات آمنة من الأرمادا، وفوق ذلك، تميّزت السفن الإنجليزية بسرعة وقدرة أكبر على المناورة من نظيراتها الإسبانية، مما حال دون تمكّن الإسبان من الاقتراب بما يكفي لصعود السفن الإنجليزية والاشتباك المباشر.
نتائج المعركة
استمرت المعركة 8 ساعات من القتال الضاري، مُني فيها الإسبان بهزيمة قاسية، إذ أنهكتهم المدافع الإنجليزية المتفوقة والعواصفُ، ونتيجة لذلك خسروا 3 سفن، وأصيبت سفن أخرى بأضرار بالغة، إضافة إلى خسائر كبيرة في الأرواح.
ومع تبدّد الأمل في التحاق جيش بارما، ونقص المؤن، اضطر جيش الأرمادا إلى التراجع شمالا، حيث طارده الأسطول الإنجليزي حتى سواحل أسكتلندا، ملحقا أضرارا كبيرة بالسفن المنسحبة، قبل أن ينقلب عائدا بسبب نقص الإمدادات.
وفي طريق عودة الأرمادا إلى إسبانيا، التفّت حول الجزر البريطانية وإيرلندا متجهة نحو المحيط الأطلسي، لكنها واجهت إعصارا عنيفا قبالة السواحل الأيرلندية. وبسبب انعدام حبال المراسي، لم تتمكن السفن من الاحتماء، فاصطدم العديد منها بالصخور، مما أدى إلى غرق عشرات السفن وخسائر بشرية كبيرة، وتم أسر الناجين وتسليمهم للسلطات لإعدامهم.
وبوصول ما تبقى من الأسطول إلى إسبانيا في أكتوبر/تشرين الأول، كان حوالي نصف السفن قد دُمّر، وتضررت السفن الأخرى بشدة، وبلغت الخسائر البشرية نحو 15 ألف شخص.
وفي المقابل، لم يسجل الإنجليز خسائر في السفن، وفقدوا نحو مئة شخص فحسب. واعتبروا أن العواصف التي واجهتها الأرمادا تدخّل إلهي نصرةً للبروتستانت، فسُكّت ميدالية تذكارية احتفاء بالنصر نُقشت عليها عبارة: "نفخ الله فتفرّقوا".