كي-222.. غواصة روسية نووية دشّنت عصر التيتانيوم في الأعماق

Russia’s K-222 ‘Titanium’ Nuclear Submarine @الصحافة الروسية
الغواصة "كي-222" شُطبت من سجلات الأسطول البحري في 1989 (الصحافة الروسية)

منصة نووية روسية فريدة بهيكل من التيتانيوم أكسبها لقب السمكة الذهبية، دخلت الخدمة عام 1969، وجمعت بين الحجم الكبير والطاقة العالية والسرعة القياسية، سجلت رقما عالميا في السرعة بلغ 44.7 عقدة أثناء التجارب.

عُرفت الغواصة "كي-222" (K-222) سابقا باسم "كي-162″، وهي الغواصة الوحيدة من هذا الطراز ضمن المشروع 661. انطلقت أعمال تفكيكها رسميا في مارس/آذار 2010، وأُعلن عن اكتمال العملية في مارس/آذار 2015.

التصنيع والتطوير

جاء مشروع الغواصة الروسية كي-222 بهدف معالجة القصور في غواصات الجيل السابق التي كانت تضطر للظهور على السطح لتوجيه صواريخها، مما يجعلها عرضة للاستهداف، لذلك أقرّ مجلس وزراء الاتحاد السوفياتي عام 1958 برنامجا لتطوير غواصة نووية صاروخية أسرع، وأعمق غوصا، وقادرة على إطلاق صواريخ كروز من تحت الماء، مع مستوى أعلى من الأتمتة ومفاعلات أكثر كفاءة.

وبحلول عام 1960، تم اعتماد المتطلبات التكتيكية والفنية وإنجاز التصميم التفصيلي. ورغم الاستفادة من أنظمة مجرّبة، ركّز المشروع على إدخال تقنيات ومواد مبتكرة، إلى جانب تطوير جيل جديد من الأسلحة والمعدات.

وفي 1962، بدأ تصنيع الهيكل من مادة التيتانيوم، وهي خطوة غير مسبوقة عالميا. وقد اختير لقوته العالية، ومقاومته للتآكل، وضعف بصمته المغناطيسية، مما يُحسّن القدرة على خفض احتمالات اكتشافه.

حمل مشروع الغواصة في البداية اسم كي-162، ثم تغير في ديسمبر/كانون الأول 1963 إلى "كي-222″، ودخلت الخدمة نهاية عام 1969، واستغرق بناؤها قرابة عقد كامل بسبب تعقيدات التصنيع وتأخر توريد التيتانيوم ومنظومة الصواريخ.

ورغم التخطيط الأولي لإنتاج عدة غواصات إضافية، تقلّص المشروع تدريجيا واكتفي بغواصة واحدة فقط، وذلك بسبب ارتفاع التكلفة وندرة التيتانيوم وتعقيد التنفيذ مقارنة بالعائد العملياتي.

إعلان

المواصفات والمميزات

تميّزت الغواصة بحجمها الكبير وتخطيطها الهندسي المتطور، فقد بلغ طولها 106.9 أمتار، وعرضها 11.5 مترا، وعمقها 8.2 أمتار، بينما تراوحت إزاحتها بما بين حوالي 5 آلاف طن على السطح و7 آلاف طن تحت الماء. واعتمدت هيكلا مزدوجا يضم تسع مقصورات محكمة، مع توزيع داخلي غير تقليدي أضفى عليها هيئة تشبه الرقم (8).

زُوّدت الغواصة بمفاعلين نوويين بقدرة 177.4 ميغاواط لكل منهما، يغذيان توربينا بخاريا لتشغيل عمودي مراوح. وبلغت قدرتها الميكانيكية الإجمالية نحو 80 ألف حصان، إضافة إلى مولدين توربينيين بقدرة 3 آلاف كيلووات لكل منهما، كما استخدمت بطاريتين من الفضة والزنك مكونتين من 152 خلية لكل بطارية، بدلا من مولد ديزل تقليدي.

أما من حيث الأنظمة الإلكترونية، فزُوّدت برادار بحث من طراز "ألباتروس" (المعروف لدى الناتو باسم "سنوب تراي")، إلى جانب نظام اتصالات عبر الأقمار الصناعية "مولنيا".

وبذلك جمعت الغواصة كي-222 بين الحجم الكبير والطاقة العالية والسرعة القياسية، لتشكل تجربة هندسية فريدة في سباق التفوق البحري أثناء الحرب الباردة.

ولذلك سجلت هذه الغواصة أرقاما قياسية عالمية، فقد بلغت سرعتها 44.7 عقدة (نحو 82.8 كلم/س) تحت الماء، وهو رقم قياسي للغواصات المأهولة. كما زُوّدت بعشرة صواريخ كروز مضادة للسفن، وصُممت أساسا لاستهداف حاملات الطائرات مع قدرة إطلاق كاملة من تحت الماء.

التسليح والعتاد

وزوّدت الغواصة كي-222 بمنظومة هجومية متقدمة تمثّلت بعشرة صواريخ كروز مضادة للسفن قصيرة المدى، قابلة للإطلاق من تحت سطح البحر ومزوّدة بتوجيه مستقل في مرحلتها النهائية.

كما جُهّزت بأربعة أنابيب طوربيد لتأمين الحماية في حال وقوع اشتباك مفاجئ، فيما تمحورت مهمتها الرئيسية حول استهداف حاملات الطائرات الأمريكية.

في سبعينيات القرن العشرين، خدمت كي-222 ضمن أسطول الشمال السوفياتي الحاصل على وسام الراية الحمراء، قبل أن تُكتشف شقوق في هيكلها استدعت إخضاعها لعملية إعادة تأهيل مطوّلة بين عامي 1972 و1975.

وعلى صعيد التسليح، امتلكت الغواصة قدرة نارية لافتة بفضل صواريخها العشرة التي عززت قدرتها على اعتراض ومهاجمة مجموعات حاملات الطائرات المعادية. وشكّل إطلاق الصواريخ المجنحة وهي في حالة غمر سابقة في الخدمة السوفياتية، مما منحها ميزة تكتيكية مهمة.

غير أن إعادة تذخير هذه الصواريخ لم تكن ممكنة إلا في الموانئ، وهو ما قيّد مرونتها العملياتية. ولتعويض ذلك، زُوّدت أيضا بأربعة أنابيب طوربيد، مع 12 طوربيدا للدفاع الذاتي، مما وفّر لها توازنا بين القدرة الهجومية البعيدة المدى والاستجابة القتالية القريبة.

عيوب التشغيل والحادث النووي

ورغم سرعتها القياسية في وقتها، واجهت الغواصة مجموعة من العيوب التقنية الجوهرية التي أثرت على أدائها العملياتي، كان أبرزها مستويات الضوضاء المرتفعة جدا، إذ وصف الطاقم صوتها عند السرعات العالية بأنه يكاد لا يُحتمل.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1980، وقع حادث نووي أثناء إعادة تزويد مفاعل الغواصة بالوقود في مصنع سيفيرودفينسك، إذ أدى التشغيل غير الصحيح لأنظمة موازنة المفاعل إلى وصول غير مقصود إلى قلبه، مما تسبب في تلف المفاعل، دون تسجيل رسمي لمستويات التلوث أو تعرض الطاقم للإشعاع. وبعد مرور عام على الحادث، قرر السوفيات إخراج الغواصة من الخدمة نهائيا.

الخروج من الخدمة

خرجت الغواصة "كي-222" من سجلات الأسطول البحري الروسي عام 1989، ثم نُقلت عام 1999 إلى شركة سيفماش لإعادة تدويرها، لكن تصميمها الفريد وهياكلها المصنوعة من التيتانيوم حالا دون اعتماد أساليب التفكيك التقليدية، مما استدعى الإبقاء عليها مدة طويلة قبل نقلها لاحقا إلى مركز إصلاح السفن زفيزدوتشكا في يوليو/تموز 2008.

إعلان

انطلقت رسميا أعمال تفكيك الغواصة "كي-222" في مارس/آذار 2010، واستمرت حتى إعلان اكتماله رسميا في مارس/آذار 2015، بالتزامن مع تفريغ الوقود النووي المستهلك وإغلاق مفاعليها.

المصدر: مواقع إلكترونية

إعلان