"ديغيل هتوراه" حزب عمّق الأزمة الداخلية لحكومة نتنياهو

حزب سياسي إسرائيلي، أسسه الحاخام إليعازر مناحيم شاح عام 1988 عقب انفصاله عن حزب "أغودات يسرائيل". ويعتبر الحزب نفسه محافظا غير صهيوني، يمثل التيار الليتواني ويركز على مصالح طلاب الحوزات الدينية.
اتحد الحزب في مناسبات عدة مع "حزب أغودات يسرائيل" وشكلا تحالفا سياسيا سمي بـ"يهودات هتوراه" الذي نجح في حصد 7 مقاعد برلمانية في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2022، ليدخل ضمن الائتلاف الحكومي بقيادة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية.
وأعلن حزب "ديغيل هتوراه" أواسط يوليو/تموز 2025 انسحابه من الحكومة على خلفية ما وصفه بعدم الالتزام بصياغة قانون يعفي طلاب المدارس الدينية من الخدمة العسكرية الإلزامية.
التأسيس والنشأة
أُسّس حزب ديغيل هتوراه عام 1988 بقرار من الحاخام إليعازر مناحيم شاح، وجاء تأسيسه إثر انقسام داخل حزب "أغودات يسرائيل" بسبب خلافات على توزيع السلطة والتمثيل داخل الحزب الموحد للحريديم.
وأراد مؤسسو ديغيل هتوراه أن يمنحوا صوتا مستقلا يركز على خدمة طلاب الحوزات الدينية (يشيفوت) المنتمين لتيار الميتناغديم، بعيدا عن الهيمنة التاريخية للحسيديم داخل حزب أغودات يسرائيل.
الفكر والأيديولوجيا
يمثل الحزب الجناح الليتواني من التيار الحريدي غير الحسيدي، المعروف باسم "الميتناغديم"، وذلك في مقابل حزب "أغودات يسرائيل" الذي يهيمن عليه الحسيديون من الحريديم.
ويتنافس الحزبان أحيانا، وأحيانا أخرى يتوحدان ضمن تحالف سياسي يُعرف باسم "يهودات هتوراه" (التوراة اليهودي المتحد).
ويعرف حزب ديغيل هتوراه بتبنّيه نهجا دينيا محافظا يقوم على الدفاع الشديد عن مكانة التعليم الديني، والرفض الصريح لفكرة الصهيونية الدينية، ويعتبر الحزب نفسه مسؤولا عن تمثيل مصالح الحريديم الليتوانيين.
ويركز الحزب بشكل أساسي على حماية طلاب التوراة من الخدمة العسكرية الإلزامية، والحفاظ على الهوية اليهودية التقليدية في مجالات التعليم والإعلام والحياة العامة.
ولا يسعى الحزب نظريا إلى تغيير نظام الحكم الإسرائيلي، بل يمارس سياسات براغماتية تتيح له التأثير المباشر عبر المشاركة في الحكومات المتعاقبة من أجل تحقيق مطالبه الدينية والاجتماعية.
القاعدة الشعبية للحزب
يشكل تيار الميتناغديم القاعدة الاجتماعية والفكرية لحزب ديغيل هتوراه، الذي يمثل مصالحهم في الحياة السياسية الإسرائيلية، خاصة طلاب المدارس الدينية الليتوانية التقليدية.
ويُعرف أيضا باسم التيار الليتواني، وهو أحد الأفرع الرئيسية لليهود الحريديم الأشكناز، ونشأ في أواخر القرن الـ18 تعبيرا عن معارضة فكرية ودينية لحركة الحسيديم الصوفية التي انتشرت آنذاك.
وتعني كلمة "ميتناغديم" بالعبرية "المعارضين"، في إشارة مباشرة إلى رفضهم لفلسفة الحسيديم وتقاليدهم، وتأكيدهم لأولوية الدراسة الصارمة للتلمود والتشدد في التعليم الديني الأكاديمي (يشيفوت).
مشاركة الحزب في الانتخابات
في انتخابات عام 1988، حصل الحزب على مقعدين، شغلهما كل من أفراهام رافيتس وموشيه غافني، وانضم إلى حكومة الائتلاف بقيادة إسحاق شامير.
وفي انتخابات 1992، تحالف الحزب مع أغودات يسرائيل تحت اسم "يهودات هتوراه".

وقبل الاستحقاقات التشريعية لعام 1996 بفترة وجيزة، أعاد الحزبان توحيد صفوفهما لخوض غمار الانتخابات، وتكرر ذلك أيضا في انتخابات 1999 و2006 و2009.
وفي انتخابات 2022 حاز الحزب 3 مقاعد في الكنيست، من أصل 7 أعضاء يمثلون تحالف يهودات هتوراه.
أبرز ملامح المشروع السياسي
يتمحور المشروع السياسي للحزب حول ضمان استمرار الإعفاء من الخدمة العسكرية لطلاب المدارس الدينية، ودعم تمويل هذه المدارس والمؤسسات الدينية من ميزانية الدولة.
كما يسعى إلى تقوية سلطة المحاكم الدينية في قضايا الأحوال الشخصية مثل الزواج والطلاق، وتقييد أي تشريعات يرى أنها تُضعف الطابع الديني لليهودية في إسرائيل.
ويتبنّى الحزب سياسة الانخراط في الحكومات الائتلافية المتعاقبة من دون الالتزام بأيديولوجيا صهيونية قومية، مستندا إلى مبدأ "الحفاظ على التوراة" باعتبارها قيمة عليا تتقدم على النزاعات السياسية الأخرى.

أبرز قادة الحزب
تعاقبت شخصيات جمعت بين المرجعية التوراتية والعمل السياسي على قيادة الحزب في مراحل مختلفة منذ تأسيسه عام 1988.
يتقدم هؤلاء الحاخام إليعازر مناحيم شاح (1899-2001)، مؤسس الحزب ومرجعه الروحي الأبرز، وقاد خط الحزب العقائدي حتى وفاته، مؤكدا توجهه غير الصهيوني.
تبعه في المرجعية الدينية الحاخام يوسف شالوم ألياشيف (1910-2012) الذي كان صاحب التأثير الأكبر على قرارات الحزب في أواخر تسعينيات القرن الـ20 ومطلع العقد الأول من القرن الـ21.
أما على المستوى البرلماني والسياسي، يعد موشيه غفني من أبرز قادة الحزب، إذ شغل لسنوات طويلة منصب النائب البرلماني، وسبق له أن تولى رئاسة اللجنة المالية في ولايات برلمانية عدة، وأصبح الوجه السياسي الأبرز في الحياة العامة والاسم الذي يحظى بشهرة أكبر ضمن قادة الحزب.
كما برزت إلى جانبه شخصيات سياسية أخرى مثل آفراهام رافيتس (1934-2009) ويعقوب ليتسمان الذي تقلد منصب وزير الصحة في حكومة نتنياهو عام 2015، وارتبط بانتقادات حادة لحقته بسبب إدارته لأزمة جائحة كورونا ودفعته إلى تقديم استقالته من الحكومة عام 2021.
قرار الانسحاب من حكومة نتنياهو
في 14 يوليو/تموز 2025 أعلن الحزب استقالته رسميا من الائتلاف الحكومي الإسرائيلي، في خطوة جاءت احتجاجا على فشل الحكومة في تمرير مشروع قانون الإعفاء من الخدمة العسكرية لطلاب المدارس الدينية (الحريديم).
اتخذ الحزب هذا القرار بعد مشاورات مكثفة بين كبار حاخامات التيار الليتواني، وبناء على رسالة مباشرة بعث بها الزعيم الروحي الحاخام دوف لاندو إلى نواب الحزب تطالبهم بالانسحاب من الحكومة فورا.
وتزامن هذا التصعيد مع أزمة داخلية حادة تعيش على وقعها حكومة بنيامين نتنياهو، على خلفية ملفات متعددة؛ أبرزها ضغط المفاوضات مع حركة المقاومة الإسلامية (حماس) من أجل التوصل إلى وقف إطلاق النار في غزة، ومحاكمة نتنياهو أمام القضاء الإسرائيلي في قضايا فساد، إلى جانب مطالب المحكمة الجنائية الدولية بملاحقته بتهم ارتكاب جرائم حرب.
ووفقا لما نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية، فإن أوساطا داخل الحزب ترى أن "نتنياهو هو جوهر الأزمة"، معتبرة أن "وعوده لم تنفذ على أرض الواقع"، وأن "رحيله قد يفتح المجال لحل كل المشاكل العالقة".
