جيمي لاي.. قطب الإعلام المعارض في هونغ كونغ

(FILES) Millionaire media tycoon Jimmy Lai poses during an interview with AFP at the Next Digital offices in Hong Kong on June 16, 2020.
جيمي لاي فرّ إلى هونغ كونغ طفلا بعد صعود الشيوعيين إلى السلطة عام 1949 (الفرنسية)

جيمي لاي، رجل أعمال وقطب إعلامي بارز في هونغ كونغ، وُلد عام 1947 في الصين، وفرّ إلى هونغ كونغ طفلا بعد صعود الشيوعيين إلى السلطة، وهناك بدأ من الصفر عاملا في مصنع قبل أن يبني ثروة كبيرة في صناعة الملابس.

أسس لاحقا مجموعة "نكست ميديا" وصحيفة "آبل ديلي"، وأصبح قطبا إعلاميا بارزا وصوتا داعما للديمقراطية ومنتقدا للحكومة الصينية.

وكان للاي دور سياسي مؤثر أثناء احتجاجات هونغ كونغ، لا سيما في عامي 2014 و2019، وقد واجه محاكمات وسجنا طويلا بموجب قانون الأمن الوطني في قضية أثارت ردود فعل دولية واسعة.

المولد والنشأة

وُلد جيمي لاي تشي ينغ بمدينة قوانغتشو بمقاطعة غوانغدونغ الصينية عام 1947 أثناء الحرب الأهلية الصينية، ونشأ في أسرة ميسورة الحال، غير أن وضعها تدهور عقب وصول الحزب الشيوعي الصيني إلى السلطة عام 1949، إذ فرّ والده إلى هونغ كونغ، في حين أُرسلت والدته إلى معسكر لإعادة التأهيل عبر العمل، الأمر الذي جعله وإخوته يعتمدون على أنفسهم في سنوات حياتهم المبكرة.

وفي ظل الاضطرابات التي أعقبت استيلاء الشيوعيين على السلطة، وعندما كان في الثانية عشرة من عمره، غادر لاي برّ الصين الرئيسي متسللا على متن قارب صيد إلى هونغ كونغ، التي كانت آنذاك مستعمرة بريطانية.

وصل لاي إلى هونغ كونغ دون موارد مالية، وبدأ يشتغل عاملا في مصنع للقفازات مقابل أجر متدن، وترقى تدريجيا إلى منصب إداري. وفي تلك الفترة تعلم اللغة الإنجليزية، مما أسهم في تطوير مهاراته المهنية.

Anti-Government Protests Continue In Hong Kong Amid The Coronavirus Pandemic
جيمي لاي أسس مجموعة نكست ميديا وصحيفة آبل ديلي المعارضة للحكومة الصينية (غيتي)

التجربة العملية

في العشرينيات من عمره، استثمر لاي المدخرات التي جمعها من عمله في سوق الأسهم، محققا أولى مكاسبه المالية، وفي عام 1981 أسس سلسلة متاجر الملابس "جيوردانو"، متيحا مبدأ "الاستبدال أو الاسترجاع في حال عدم الرضى".

وقد حققت متاجره نجاحا سريعا، وانتشرت فروعها في أنحاء آسيا، مما مكنه من بناء ثروة أسهمت لاحقا في تأسيس إمبراطوريته الإعلامية.

حوّل لاي اهتمامه من التجارة إلى الإعلام والمناصرة السياسية بعد أحداث مذبحة ميدان "تيان آن مين" عام 1989 حين اندلعت احتجاجات واسعة بقيادة الطلاب والمواطنين المطالبين بالديمقراطية والإصلاح السياسي، وانتهت بتدخل من الجيش الصيني أسفر عن مقتل نحو 300 شخص وفق الأرقام الرسمية، في حين تقدر منظمة العفو الدولية عدد القتلى بما لا يقل عن 1300 شخص.

إعلان

في عام 1990 أسس لاي مجموعة "نكست ميديا" وأطلق مجلة "نكست" الأسبوعية، التي مزجت بين الأخبار الجادة والتقارير الساخرة، فحققت نجاحا سريعا وبلغت مبيعاتها 75 ألف نسخة عام 1991 مع نحو 315 ألف قارئ، ثم ارتفعت إلى 162 ألف نسخة بحلول 1995، ووصل عدد القراء إلى أكثر من مليون شخص.

وفي عام 1995 أطلق لاي صحيفة "آبل ديلي" في هونغ كونغ، والتي اشتهرت بانتقادها الصريح للحكومة الصينية، واعتمدت على الطباعة الملونة والأسعار المخفضة لجذب قاعدة واسعة من القراء.

وأصبح لاي واحدا من أبرز داعمي "الحركة الديمقراطية" في هونغ كونغ، وبفضل نجاحه في صناعة الملابس وشهرته في قطاع الإعلام، يعد من أبرز رجال الأعمال في هونغ كونغ، وأُدرج ضمن قائمة "فوربس للمليارديرات" عام 2008، إذ قُدرت ثروته بنحو 1.2 مليار دولار أميركي.

(FILES) In this photo taken on June 16, 2020, Hong kong pro-democracy media mogul Jimmy Lai poses during an interview with AFP at the Next Digital offices in Hong Kong.
جيمي لاي كان له دور سياسي مؤثر أثناء احتجاجات هونغ كونغ لا سيما عامي 2014 و2019 (الفرنسية)

التجربة السياسية

منذ عام 2008، ومع تراجع بيئة الإعلام في هونغ كونغ نتيجة الأزمة المالية العالمية والصعوبات التي واجهتها وسائل الإعلام، حافظ لاي على موقفه المعارض للحكومة الصينية عبر صحيفة "آبل ديلي"، التي استمرت في دعم الاحتجاجات وتشجيع المشاركة المدنية.

مع تفاقم الأوضاع السياسية في عام 2014 بسبب اقتراح الحكومة إصلاح النظام الانتخابي، الذي لم يلب مطالب السكان في انتخاب المسؤولين الرئيسيين دون تدخل من بكين، انتقل لاي من كونه داعما خلف الكواليس إلى ناشط سياسي بارز، فشارك في الاعتصامات التي قادتها "حركة المظلات"، وتعرض لمضايقات واعتُقل مع عدد من قادة الحركة بعد انتهاء الاحتجاجات.

وفي عام 2019، اضطلع لاي بدور فاعل أثناء الاحتجاجات ضد قانون الترحيل، مستخدما صحيفة "آبل ديلي" لتغطية الأحداث وتشجيع المواطنين على المشاركة في المسيرات المطالبة بالديمقراطية وحقوق الإنسان، مما جعله هدفا لانتقادات الإعلام الرسمي الصيني.

وفي يوليو/تموز من العام نفسه زار لاي الولايات المتحدة والتقى مايك بنس نائب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وكذلك وزير الخارجية مايك بومبيو، مطالبا بمساندة "قانون حقوق الإنسان والديمقراطية في هونغ كونغ"، وفرض عقوبات على المسؤولين الصينيين ونظرائهم في هونغ كونغ، الأمر الذي أصبح لاحقا أحد الأدلة الأساسية في محاكمته في هونغ كونغ بموجب قانون الأمن الوطني.

طوال هذه الفترة ظل لاي متمسكا بمواقفه، معبرا عن استعداده لتحمل التبعات القانونية والشخصية "دفاعا عن حرية التعبير وحقوق المواطنين في هونغ كونغ".

سجنه ومحاكمته

بدأت محنة لاي القانونية بعد إصدار قانون الأمن القومي في هونغ كونغ عام 2020، عندما داهمت الشرطة مبنى مجموعة "نكست ميديا" الناشرة لصحيفة "آبل ديلي"، واعتُقل لاي وأبناؤه بتهم تشمل الاحتيال والتواطؤ مع قوى أجنبية، وحصل لاي في البداية على الإفراج بكفالة، لكنه أُلغي في ديسمبر/كانون الأول 2020، وانتهى به الأمر في السجن.

وفي عام 2021 حُكم عليه بالسجن 20 شهرا بسبب قضايا متعددة تتعلق بأنشطة غير قانونية، وفي منتصف العام نفسه جُمدت أصول "نكست ميديا"، واضطرت صحيفتا "آبل ديلي" و"نكست ماغازين" إلى التوقف عن الصدور.

إعلان

وفي عام 2022 صدر حُكم بسجنه 5 سنوات و9 أشهر بعد ثبوت استخدامه مبنى "نكست ميديا" لصالح شركة استشارية دون الإفصاح عنه، مما شكل انتهاكا لعقد الإيجار.

قضى معظم مدة سجنه في الحبس الانفرادي، مما أثر على صحته، وقد أعرب نجله عن قلقه لعدم حصوله على رعاية طبية مناسبة لمرض السكري، مع السماح له بالخروج من زنزانته 50 دقيقة يوميا فقط. بالمقابل صرح متحدث باسم حكومة هونغ كونغ بأن لاي تلقى الرعاية الطبية والرفاهية المناسبة داخل السجن.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2023 بدأت محاكمته بموجب قانون الأمن القومي بتهم تشمل التواطؤ مع قوى أجنبية لتهديد الأمن القومي والتآمر لطباعة ونشر مواد تحريضية.

اتهم المدعون لاي بالتواطؤ مع كبار مسؤولي صحيفة "آبل ديلي" لـ"نشر 161 مقالا تحريضيا تهدف إلى بث الكراهية تجاه الحكومة الصينية وحكومة هونغ كونغ"، واعتبروه "شخصية سياسية متطرفة". كما اتهموه بمحاولة دفع الولايات المتحدة ودول أخرى إلى فرض عقوبات على الصين وحكومة هونغ كونغ، لكنه نفى جميع التهم الموجهة إليه.

أدلى لاي بشهادته أمام المحكمة في جلسات متفرقة امتدت حتى نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وأجاب على أسئلة تتعلق بتحكمه التحريري في "آبل ديلي" وصلاته بالنشطاء في هونغ كونغ والمملكة المتحدة والولايات المتحدة والاجتماعات المزعومة مع سياسيين أميركيين.

وفي 15 ديسمبر/كانون الأول 2025، أدانت المحكمة لاي بتهمتي التواطؤ مع قوى أجنبية والتآمر لنشر مواد تحريضية. وذكرت القاضية إستر توه، أثناء قراءة الحكم المكون من 855 صفحة، أن الأدلة أظهرت أن لاي كان يوجّه "دعوات مستمرة" للولايات المتحدة للمساعدة في تقويض الحكومة الصينية، وأنه قضى سنوات في دراسة كيفية استخدام أميركا للضغط على بكين، وقد يواجه حكما بالسجن المؤبد.

FILE - Hong Kong media tycoon Jimmy Lai pauses during an interview in Hong Kong on July 1, 2020. The trial of Hong Kong’s most famous activist publisher who was arrested under China’s crackdown on dissidents will start on Monday, Dec. 18, 2023 after being delayed for over a year. Jimmy Lai broke into the city’s once freewheeling media world about three decades ago, armed with the belief that delivering information is equal to protecting freedom. (AP Photo/Vincent Yu, File)
جيمي لاي أُدين بتهمتي التواطؤ مع قوى أجنبية والتآمر لنشر مواد تحريضية على حكومة هونغ كونغ (أسوشيتد برس)

ردود فعل

أثارت محاكمة جيمي لاي ردود فعل دولية واسعة، وتحوّلت قضيته إلى نقطة توتر سياسي بين بكين وعدد من الدول الغربية.

وأفادت تقارير بأن ترامب طالب بالإفراج عن لاي أثناء اجتماع مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في أكتوبر/تشرين الأول 2025، في إطار انتقادات واشنطن لتطبيق قانون الأمن القومي في هونغ كونغ.

من جانبها، وصفت حكومة لندن مرارا محاكمة لاي، الذي يحمل الجنسية البريطانية، بأنها ذات دوافع سياسية، في وقت يواجه فيه رئيس الوزراء كير ستارمر ضغوطا متزايدة من منظمات حقوقية وبرلمانيين للتحرك دبلوماسيا لضمان الإفراج عنه.

كما أدانت لجنة حماية الصحفيين الحكم الصادر بحق لاي واعتبرته "إدانة زائفة"، مؤكدة أن القضية "تمثل تراجعا خطيرا لحرية الصحافة في هونغ كونغ".

في المقابل شددت بكين على دعمها الكامل لسلطات هونغ كونغ، مؤكدة أن الإجراءات المتخذة بحق لاي تأتي في إطار حماية الأمن القومي والتصدي لما وصفتها بـ"الأفعال الإجرامية" التي تهدد الاستقرار والسيادة.

المصدر: الصحافة الصينية + مواقع إلكترونية

إعلان