غريغوري راسبوتين.. عراف العائلة الإمبراطورية الروسية الذي توقع الثورة البلشفية

حفظ

Russian mystic and self-styled holy man Grigory Yefimovich Rasputin (1871 - 1916). (Photo by Topical Press Agency/Getty Images)
غريغوري راسبوتين تعززت مكانته في الأوساط الإمبراطورية بعد نجاحه في علاج ولي العهد ألكسي عام 1907 (غيتي)

غريغوري راسبوتين شخصية مثيرة للجدل في تاريخ روسيا القيصرية، جمع بين البعد الروحي والنفوذ السياسي، مما جعله أحد أبرز المقربين للعائلة الإمبراطورية في السنوات الأخيرة قبل الثورة الروسية. وُلد عام 1869 في بيئة ريفية متواضعة، ونشأ ضعيفا ومعزولا، لكنه تطوّر روحيا واجتماعيا من خلال رحلاته في الأراضي المقدسة وعلاقاته مع رجال الدين.

اكتسب لاحقا ثقة الإمبراطور نيكولاي الثاني والإمبراطورة ألكسندرا بفضل قدرته على تخفيف معاناة ولي العهد ألكسي، وهو ما مهد الطريق لنفوذه الكبير في البلاط ومشاركته في شؤون الدولة، رغم الجدل والاتهامات التي لاحقته.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

المولد والنشأة

وُلِد غريغوري راسبوتين يوم 21 يناير/كانون الثاني 1869 في قرية بوكروفسكوي التابعة لمقاطعة توبولسك داخل بيئة ريفية بسيطة شكّلت الإطار الأول لشخصيته.

كان الابن الرابع والوحيد الذي بقي على قيد الحياة من أسرته بعد أن فقد أشقاءه في سن مبكرة نتيجة تدهور ظروفهم الصحية، الأمر الذي ألقى عليه عبء العائلة منذ طفولته. كما عانى هو نفسه من ضعف بنيوي منذ ولادته، مما حدّ من قدرته على اللعب مع أقرانه، ودفعه إلى العزلة والانطواء.

لم تكن في قريته مدارس فنشأ أميا، لكنه تميز بحساسية نفسية عالية وهشاشة ظاهرة جعلته مختلفا عن مجتمعه الريفي. وفي سن الـ14 أصيب بمرض خطِر كاد يودي بحياته، قبل أن تتحسن حالته بشكل مفاجئ. ورغم جهله بالقراءة، تمكن من حفظ الصلوات وتأمل معانيها، مما عزز نزعته الروحية في سن مبكرة.

RUSSIA - 1916: A portrait of Grigori Rasputin ca 1916 in Russia. (Photo by Laski Diffusion/Getty Images)
غريغوري راسبوتين وُلد يوم 21 يناير/كانون الثاني 1869 في قرية بوكروفسكوي التابعة لمقاطعة توبولسك (غيتي)

ومع مطلع عام 1881 بدأ رحلة طويلة إلى قلب العالم الأرثوذكسي، فزار اليونان وسوريا والأردن وفلسطين، وجال في معظم البقاع المسيحية المقدسة. وأقام علاقات وثيقة مع الرهبان والحجاج ورجال الدين، وهي شبكة اعتبرها عدد من المؤرخين لاحقا نقطة محورية في تشكّل ثقله الديني والاجتماعي، والسياسي أيضا.

إعلان

وفي 1890 تزوج من براسكوفيا دوبروفينا، وأنجب منها 3 أطفال.

علاقته مع العائلة المالكة

مع مطلع عام 1903 دخل غريغوري مرحلة جديدة من تكوينه الشخصي والروحي، إذ شكّل وصوله إلى سانت بطرسبرغ نقطة الانطلاق الحقيقية لنشأته داخل الدوائر العليا للإمبراطورية الروسية. فقد وصل إلى العاصمة وهو يفتقر إلى أبسط مقومات العيش، مما دفعه إلى البحث عن سند روحي واجتماعي، فلجأ إلى عميد الأكاديمية اللاهوتية، الذي قدمه إلى الراهب الروحي للعائلة المالكة، بعد أن انتشرت في أنحاء البلاد قصص واسعة عن مواهبه وقدراته.

جاءت هذه البداية في لحظة تاريخية حساسة، إذ كانت روسيا تواجه اضطرابات سياسية متصاعدة ومحاولات للإطاحة بالنظام القيصري. وفي ظل هذا التوتر، التقى راسبوتين بالإمبراطور نيكولاي الثاني، وتمكن سريعا من ترك أثر عميق في نفس القيصر، وأصبح وجوده داخل البلاط جزءا من المشهد السياسي والاجتماعي لتلك المرحلة.

تعززت مكانته داخل الأوساط الإمبراطورية بعد نجاحه في مساعدة ولي العهد ألكسي عام 1907، الذي كان يعاني من الهيموفيليا، وهو ما عزّز مكانته في قلب العائلة المالكة ومنحه ثقة استثنائية، وحينها تحول تدريجيا إلى مرشد ومُقرّب وامتد تأثيره إلى بنية اتخاذ القرار.

ومع مرور الوقت تشكلت نشأته السياسية داخل البلاط عبر دوره مستشارا رئيسيا للقيصر، مستفيدا من قدرته على تحليل الشخصيات وفهم دوافع المقرّبين من الحكم، وهو ما جعل رأيه مرجعا في تعيينات المناصب العليا.

Russian mystic Grigori Rasputin (1869 - 1916) poses on a donkey in a Russian photo studio in Moscow around 1910. (Photo by Transcendental Graphics/Getty Images)
غريغوري راسبوتين بدأ رحلته إلى قلب العالم الأرثوذكسي مطلع عام 1881 فزار اليونان وسوريا والأردن وفلسطين (غيتي)

كما اتسع حضوره وشمل شؤون الدولة الكبرى، وحاول تجنيب روسيا الدخول في حرب عالمية كان يعتقد أنها ستتسبب بكارثة اجتماعية وسياسية.

ورغم الاتهامات التي لاحقته عام 1912، بالانتماء إلى الخليستية والسحر والفساد، ظل القيصر متمسكا بثقته فيه، مستمرا في إطلاعه على أسرار الدولة.

وهكذا تشكّلت نشأة راسبوتين داخل السلطة عبر مزيج من التوقيت التاريخي والاحتياج السياسي والقدرة على التأثير في قلب العائلة القيصرية، مما جعله أحد أبرز الشخصيات المثيرة للجدل في تاريخ الإمبراطورية الروسية.

الاغتيال

في 29 ديسمبر/كانون الأول 1916 استُدرج راسبوتين إلى قصر الأمير فيليكس يوسوبوف بحجة علاج زوجته الأميرة، في إطار خطة محكمة لإزاحته من المشهد السياسي والاجتماعي.

وما إن وصل إلى القصر حتى قُدمت له أطعمة ومشروبات دسّت فيها جرعات من سيانيد البوتاسيوم، غير أن السم لم يحقق غايته، فانتقل الأمير إلى الخيار المباشر وأطلق عليه النار.

ورغم تلقيه طلقات عدة في ظهره، تمكن راسبوتين من الفرار والوصول إلى الشارع، حينها بدأت مطاردة قصيرة تبعها إطلاق نار كثيف، وسقط بعدها أرضا نتيجة الإعياء، وتعرض لضرب عنيف من مطارديه قبل أن يُقيّد ويلقى من جسر بتروفسكي في نهر نيفا، حيث لفظ أنفاسه.

تعددت الدوافع وراء عملية الاغتيال، لكن أبرزها كان السعي للتخلص من شخصية اعتُبرت مصدرا لتشويه سمعة العائلة المالكة، كما طُرحت فرضيات أخرى تشير إلى أن راسبوتين كان يدفع القيصر نحو إبرام سلام منفصل مع ألمانيا، وهو ما أثار مخاوف دوائر نافذة داخل الإمبراطورية.

SAINT PETERSBURG, RUSSIAN EMPIRE - circa 1910: Grigori Rasputin, Russian mystic and friend of the family of Tsar Nicholas II of Russia. (Photo by Laski Diffusion/Getty Images)
غريغوري راسبوتين دُفن في حديقة ألكسندر بتسارسكوي سيلو بعد اغتياله في 29 ديسمبر/كانون الأول 1916 (غيتي)

دُفن غريغوري في حديقة ألكسندر بتسارسكوي سيلو، وحاول بعض المقربين منه قبل ثورة فبراير/شباط 1917 الدفع نحو تقديسه، لكنّ تغيّر المشهد السياسي بعد الثورة أدى إلى إصدار الحكومة المؤقتة أمرا بنبش قبره وحرق جثمانه.

إعلان

وفي ثلاثينيات القرن الـ20 تعرّضت ممتلكات ورثة راسبوتين للمصادرة باعتبارهم "عناصر معادية"، كما اعتقلت الأجهزة الأمنية السوفياتية أقاربه ونفتهم إلى معتقلات في المناطق الشمالية، وانقطع أثرهم لاحقا.

وحدها ابنته ماتريونا استطاعت الفرار من قبضة الاضطرابات عقب الثورة البلشفية، واستقرت أولا في فرنسا ثم انتقلت لاحقا إلى الولايات المتحدة.

أبرز "تنبؤاته"

ترك غريغوري مجموعة من "التنبؤات" مكتوبة في 11 صفحة، حول مستقبل روسيا والعالم، ومن أبرز توقعاته كان اندلاع اضطرابات ثورية في روسيا، تليها نهاية العائلة الإمبراطورية بأكملها على يد السلطات الجديدة، ثم تأسيس الاتحاد السوفياتي وانهياره لاحقا.

كما تنبأ بهزيمة ألمانيا أمام روسيا في الحرب العالمية الثانية، مما سيجعل روسيا ترتقي إلى مصاف القوى العظمى. وأشار أيضا إلى تصاعد ظاهرة الإرهاب في أوائل القرن الـ21، مع انتشارها بشكل خاص في الغرب.

وتوقع ظهور "الأصولية الإسلامية" في عدة دول وقدرتها بحلول نهاية العقد الأول من القرن الـ21 على السيطرة على السلطة في الشرق وإعلان ما وصفه بـ"الجهاد" ضد الولايات المتحدة.
كما حذر من اندلاع صراع عسكري عالمي كبير يستمر 7 سنوات، يكون الأخير في تاريخ البشرية، ويشهد سقوط ملايين القتلى من كل الأطراف.

المصدر: الصحافة الروسية

إعلان