ماكس فان برشم.. مؤرخ النقوش الإسلامية في القدس

حفظ

Max van Berchem at the age of 25https://www.wikiwand.com/ المصدر https://www.wikiwand.com/
ماكس فان برشم ولد عام 1863 في مدينة جنيف بسويسرا (موقع ويكيمند)

مستشرق سويسري ولد عام 1863 وتوفي عام 1921، تخصص في النقوش العربية الإسلامية، وسبق أقرانه في المشرق العربي وتركيا، وتردد على مدينة القدس لدراسة نقوشها.

ابتكر منهجا علميا لدراسة النقوش، يأخذ بعين الاعتبار سياقاتها التاريخية والجغرافية والثقافية إلى جانب البعد اللغوي، ووثق ما يزيد على 5 آلاف صورة شكلت أرشيفا ضخما للنقوش العربية والإسلامية، وتحديدا في مصر وسوريا والقدس، مما جعلها مرجعا لمعالم فريدة بعضها اندثر مع مرور الزمن.

المولد والنشأة

ولد ماكسيميليان بيرثوت فان برشم -الملقب بماكس- يوم 16 مارس/آذار 1863 في جنيف بسويسرا، وتعود أصوله إلى عائلة فلامانية ثرية تنحدر من شمال بلجيكا.

توفي والده المؤرخ ألكسندر فان برشم في العاشرة من عمره، فتولت رعايته والدته ماثيلد ساراسين إلى جانب أخويه فيكتور وبول.

نشأ ماكس على حب الموسيقى وبرع فيها، كما كان شغوفا بالطبيعة وممارسة رياضة تسلق الجبال.

تزوج ماكس عام 1891 إليزابيث فروسارد دي سوجي، وأنجبا مارغريت. ثم تزوج بعد وفاتها أليس نافيل عام 1896، وأنجبا 5 بنات وولدا.

Victor, Paul and Max with their respective wives Isabelle Naville, Alice Hechter and Alice Naville (from left) https://www.wikiwand.com/ المصدر
ماكس فان برشم (وسط) نال الدكتوراه الفخرية من جامعتي جنيف عام 1909 ولوزان عام 1917 (موقع ويكيمند)

الدراسة والتكوين

تلقى برشم دراسته الأولى في مسقط رأسه جنيف، ثم التحق بمدرسة في مدينة شتوتغارت الألمانية للحصول على الشهادة التي تؤهله لدرجة البكالوريوس.

بدأ تعليمه الجامعي عام 1881 في جامعة لايبزيغ -التي اتسمت بمستواها الرفيع في الدراسات الشرقية- فتخصص في اللغات السامية، بدءا باللغة الأكادية ثم انتقل نحو العربية.

وأغنى دراسته بالالتحاق بفصول دراسية أخرى في جامعتي ستراسبورغ وبرلين، وأبهر علماء الدراسات الشرقية هناك، خصوصا في مجال تاريخ وآثار الحضارة العربية الذي كان محور اهتمامهم آنذاك.

أكمل برشم تعليمه حتى نال شهادة الدكتوراة عام 1886 من جامعة لايبزيغ في تخصص الفلسفة، وحازت أطروحته حول قوانين الملكية العقارية في الإسلام على درجة الامتياز.

إعلان

وما إن أكمل الدكتوراه حتى سافر إلى مصر في أواخر العام ذاته رفقة والدته، فكانت رحلته الأولى لدراسة النقوش العربية في المشرق العربي والتي تبعتها رحلات عدة.

نال برشم شهادات الدكتوراه الفخرية من جامعتي جنيف عام 1909 ولوزان عام 1917.

مؤلفاته

اهتم ماكس فان برشم بدراسة المخطوطات والنقوش العربية الإسلامية، وخشي من اندثارها مع مرور الزمن، ورأى وجوب "توثيق جميع النصوص المنقوشة على المساجد والمقابر والخانات والمدارس والحصون أو الجسور، ونشر هذه النصوص بشكل منهجي".

ولذلك زار مدنا مشرقية عدة بين عامي 1887 و1914، ومن أبرزها القاهرة ودمشق والقدس، وأشرك معه في دراستها باحثين ألمانا وفرنسيين لاتساع رقعة عمله الميداني وأبحاثه التحليلية.

وأصدر مجموعة من المؤلفات باللغة الفرنسية جمعت عددا كبيرا من صور النقوش الإسلامية والعربية، دون أن يفصل بينها وبين سياقها التاريخي أو الاجتماعي أو الديني.

كانت أبرز مؤلفات برشم مدونته العلمية للنقوش العربية التي شكلت بمجلداتها الأربعة مرجعا لكثير من الدراسات العلمية حول النقوش العربية الإسلامية، لأنه أسس فيها قواعد التوثيق الميداني للنقوش.

تناول في المجلد الأول نقوش مصر، التي نشرت على 4 أجزاء بين عامي 1894 و1903، ثم ركز في الثاني عام 1909 على نقوش الشمال السوري، في حين اختص المجلد الثالث -الذي نشر بين عامي 1910 و1917- بمعالم آسيا الصغرى وجنوبي سوريا.

أما المجلد الرابع الذي اهتم بمدينة القدس فكان جاهزا للنشر، إلا أن وفاة برشم حالت دون ذلك، فاستكمل صديق له الإجراءات اللازمة ونشره عام 1922.

وبعد نحو 100 عام من وفاته، أصدرت مؤسسة التراث العربي للنشر كتاب "نقوش القدس كما وثقها ماكس فان برشم"، وراجع الكتاب توثيقات برشم بشأن نقوش القدس بلغة عربية، وأرفق تحليلات معاصرة لها.

نشر الكاتب إلى جانب مجلدات مدونته العلمية مجموعة من المؤلفات والدراسات، ففي عام 1897 أصدر مؤلفا حول نقوش الحشاشين في سوريا، وفي 1904 درس النحاسيات والزجاج المزخرف ومعانيها في الدولة نفسها.

كما امتدت أبحاثه إلى العراق، إذ نشر عام 1906 كتابا يتناول نقوش الموصل في فترة حكام الأتابكة في القرن الـ13 الميلادي.

كما كتب برشم مجموعة من الأبحاث والدراسات المنفردة في مجلات علمية في سويسرا وفرنسا وألمانيا، وجمعت مؤسسة "ماكس فان برشم" كثيرا منها ونشرتها في مؤلف من مجلدين عام 1978.

ترك برشم بعد وفاته أرشيفا ضخما من الصور والبيانات والتوثيقات، وورثت ابنته مارغريت اهتمامه بالآثار الإسلامية فأنشأت عام 1973 مؤسسة حملت اسمه، وأتاحت من خلالها وصول الباحثين إلى الأرشيف الكامل لأبيها.

نشرت مؤسسة "ماكس فان برشم" كتابين اعتمادا على الأرشيف ذاته عامي 1924 و1978، تناول الأول المساجد في الإسلام والثاني زخارف القدس الإسلامية.

وتوسعت المؤسسة في نشاطها عبر دعم أعمال التنقيب في مجال الآثار بالعالم العربي والإسلامي، وأبحاث الهندسة وتاريخ الفن والخط العربي.

Victor, Paul and Max (from left to right) around 1882 المصدر https://www.wikiwand.com/
من اليسار: فكتور وبول وماكس فان برشم (موقع ويكيمند)

رحلات توثيقية

سافر ماكس فان برشم إلى القاهرة وهو في الـ23 من عمره رفقة والدته، فتعرف على معالمها التاريخية ووثق نقوشها الإسلامية، وعاد إليها لاحقا أكثر من مرة، كما زار سوريا وفلسطين لأول مرة عام 1888، وعبر عن إعجابه بالمدينة المقدسة في قوله "أعترف أنني لم أشاهد ما هو أجمل من معالم القدس".

إعلان

أعاد ماكس زيارة القدس نحو 3 مرات أخرى في الأعوام 1893 و1894 و1914، ودقق في نقوشها التاريخية، وخصوصا في المسجد الأقصى المبارك وحارات المدينة المقدسة، وأشرفت على تحركاته في عمليات البحث والدراسة السلطات العثمانية بمساعدة قناصل دول أجنبية مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا.

نقوش القدس كما وثقها برشم

اعتمد ماكس فان برشم في تسجيل النقوش على 3 طرق رئيسة: النسخ اليدوي أو النسخ الضوئي في حالة توفر كاميرا بدائية الصنع آنذاك أو النسخ باستخدام الطباعة الحرفية، عبر تثبيت قماش رطب جزئيا فوق تفاصيل النقش والضغط عليه، مما يسمح بتشكل الرموز على القماش، ويُستعان أحيانا بالحبر أو الفحم لإبراز النصوص.

سبق ماكس في الأرشيف الذي جمعه من القدس غيره من مستشرقي عصره نتيجة لجهوده الحثيثة في التقصي والتوثيق، إذ كان يخاطر من أجل الحصول على نسخة واضحة للنقوش، حتى لو استدعى ذلك الصعود إلى ارتفاعات تتجاوز 12 مترا فوق سطح الأرض، أو القفز بين المناطق المرتفعة.

Max, Paul and Victor (from left) and their mother around 1872 المصدر https://www.wikiwand.com/
من اليسار ماكس وبول وفكتور فان برشم مع والدتهم عام 1872 (ويكيمند)

ومن أبرز النقوش التي وثقها ماكس فان برشم في مدينة القدس ما يلي:

  • نقش أموي وعباسي بالخط الكوفي فوق الباب الشمالي لقبة الصخرة المشرفة، نقل فيما بعد إلى المتحف الإسلامي، وتعود سطوره الأولى إلى الفترة الأموية، والأخيرة إلى الفترة العباسية.
  • نقش إخشيدي على سور القدس الشرقي من ناحية مقبرة الرحمة، ويؤرخ لإنشاء السور بأمر من علي بن إخشيد وأبي المسك كافور الإخشيدي سنة 350 هجرية.
  • نقش مملوكي في تربة (قبر) تركان خاتون -ابنة الأمير تقطاي بن سلجوطاي الأزبكي- يوثق مدفنها في الجانب الشمالي من طريق باب السلسلة، ونقش عام 753 هجرية.
  • نقش عثماني على سور القدس الشمالي إلى الشرق من باب الساهرة، ويوثق إنشاء السور عام 944 هجرية على عهد السلطان سليمان ابن السلطان سليم خان.

الوفاة

توفي ماكس فان برشم يوم 7 مارس/آذار 1921 في سويسرا عن عمر ناهز 57 عاما، بعد أسابيع من إصابته بالتهاب رئوي.

المصدر: الجزيرة + الصحافة الفلسطينية

إعلان