المناظرات الانتخابية.. فرصة الإقناع والإيقاع بالخصوم

هي نوع من أنواع المناظرات، يستخدم في العمليات الانتخابية للتعريف والحملة الإعلانية، بهدف بيان الأفكار واستمالة الناخب وإحراج المنافسين، وتشتهر بها الولايات المتحدة الأميركية، وعدد من الدول الأخرى.

ما معنى المناظرة؟

تُعرّف المناظرة بأنها حوار متبادل بين جهتين متنافستين أو تمثلان اتجاهين مختلفين حول قضية معينة، وتحاول كل واحدة منهما إثبات وجهات نظرها والدفاع عنها مستخدمة الأدلة والبراهين لإقناع الجمهور برأيها.

كما تعرف بأنها "محاورة بين طرفين لتحقيق هدف في ميدان من ميادين المعرفة حين يواجه كل طرف الطرف الآخر بدعوى يدعيها ويدعمها بجملة من الحجج والأدلة، ويرد الآخر بحجج وأدلة مفندا الكلام، وتكون وفق قواعد معينة".

تاريخ المناظرات

يعود تاريخ المناظرات إلى زمن قديم، ففي العهد اليوناني تناظر فلاسفة اليونان وشكلت حواراتهم أثرا مهما في العلوم الإنسانية، كما عرفت المناظرة في الإسلام، فتناظر الرسول صلى الله عليه وسلم مع نصارى نجران وأحبار من اليهود حول نبوته.

وازدهرت المناظرات في العهد العباسي، وغدت فنا نثريا ومحل تقدير واهتمام على اختلاف طبقات المجتمع، فحدثت مناظرات بين العلماء والمفكرين والفلاسفة والفقهاء.

وجرت معظم المناظرات حينها في إطار حلقات العلم التي كانت منتشرة، واتخذت صبغة النقاشات والحوارات المستفيضة المدعمة بالحجج والأدلة، وطرحت مواضيع مختلفة للمناظرات.

واشتهر المعتزلة في العصر العباسي بالجدل والمناظرة، لا سيما وأنهم جماعة مثقفة متمرسة بأساليب الكلام والجدل والرد، وعرفوا بمجادلة أصحاب الفرق الأخرى.

وفي العصر الأندلسي ازدهرت المناظرات على نحو أكبر، وساعدت في نموها وتطورها المجالس الأدبية التي اشتهرت بها الأندلس، إضافة إلى اهتمام عدد من أمراء الأندلس وحكامها بالعلم والمعرفة والثقافة والتشجيع على العلم والتعلم والحوار والنقاش.

وأسهم الانفتاح على الثقافات المختلفة وطبيعة البلاد، والتيارات الفكرية المختلفة والجدال بين أهل المشرق والمغرب في ازدهار المناظرات في الأندلس.

وتعددت موضوعات المناظرة من جوانب سياسية وثقافية ودينية وأدبية وفقهية وفلسفية، واشتهر ابن حزم مناظرا متمرسا ذا فكر وثقافة، إذ ناظر اليهود والنصارى.

وفي العصر الحديث اتخذت المناظرات أشكالا مختلفة، فوجدت المناظرات الدينية، والمناظرات الأدبية، والمناظرات الشعرية، والمناظرات النحوية، والمناظرات السياسية، والمناظرات الفكرية وغيرها، وأصبحت أكثر تخصصا وتخصيصا.

ومع مطلع القرن الحادي والعشرين غدت فنا يدرس وتنشأ لأجله النوادي والمراكز التي ترعاها الدول، وينتظم به الطلاب منذ مراحل الدراسة الابتدائية، وتقام لأجله البطولات، مثل البطولة الدولية للجامعات، والبطولة الدولية للمدارس.

المناظرات الانتخابية

أصبحت المناظرات أساسية في العمليات الانتخابية، إذ صار من تقاليد الحملات أن يتم الجمع بين المرشحين للتناظر في الأفكار والسياسات والرد على الأسئلة، وغيرها.

وعرفت المناظرات الانتخابية في سياق الحملات الانتخابية التي يقودها المرشحون للرئاسة، وظهرت كنوع من الحملات الإعلانية.

وتعرّف بأنها: مواجهات ذات طابع سياسي تجمع بين المرشحين بهدف طرح الأفكار وسياسة الحكم المقبلة والإستراتيجيات التي يتبعها المرشح، ويجيب كل مرشح على الأسئلة الموجهة إليه بشأن السياسات الخارجية والداخلية للبلاد، وأهم القضايا التي تؤثر على الشعب والدولة.

وكثيرا ما يظهر تأثيرها على نحو مباشر على الانتخابات ونتائجها، إذ قد يؤدي فعل أو مظهر أو كلمة في هذه المناظرات إلى شن حملة إعلامية تطيح بالمرشح.

كما أن أداء المرشحين في هذه المناظرات غالبا ما يتم استثماره في ما تبقى من عمر الحملة الانتخابية، إما إيجابا من طرف فريق المرشح، أو سلبا من طرف خصومه.

وقد أصبح هذا النوع من المناظرات يبث على التلفاز منذ منتصف القرن العشرين، وأصبح يتابعها الملايين.

فوائد المناظرات الانتخابية

تعود المناظرات الانتخابية بفوائد عديدة على المرشحين والمنتخبين من أهمها:

  • التعريف بسياسة الحكم التي ينوي اتباعها المرشح أو النائب عن الحزب.
  • معرفة آرائه وتوجهاته حول القضايا التي تؤثر بشكل مباشر على الناخبين.
  • تعطي الناخبين فرصة للمفاضلة بين المرشحين بناء على طرحهم.
  • ظهور شخصية المتحدث وخبراته وقدرته اللغوية، وصفاته الشخصية مثل الصبر والحلم الاحترام والهدوء والقدرة على التحمل وغيرها.
  • تتيح القدرة للمرشح على التواصل المباشر مع الجماهير والحديث عن القضايا المختلفة.
  • تمثل نوعا من الحملات الإعلانية للمرشح، وقد تؤدي إلى رجحان كفته بحسب أدائه وإجاباته.

أثر المناظرات الانتخابية على الناخبين

  • التأثير على المستوى المعرفي: تؤدي المناظرات الانتخابية إلى تأثير إيجابي على الناخبين من الناحية المعرفية من خلال إضافة معلومات ومعارف جديدة تتعلق بالعملية السياسية والانتخابية، وتعطي فرصا أكبر للناخبين للمتابعة والمراقبة وزيادة الاهتمام بالعملية الانتخابية وما يتعلق بها من معلومات.
  • تأثير وجداني وعاطفي: تؤدي المناظرات الانتخابية إلى تأثير عاطفي إيجابي على الناخبين، لا سيما حين تتطابق أفكار الناخب مع المرشح، وكيفية حديثه وآلياته المستخدمة في الحوار.
  • تأثير سلوكي: يتأثر الناخب بالسلوك الذي يبرز خلال المناظرات وما ينتج عنها من تصرفات وأفعال وردود أفعال تؤدي إلى اقتناعه بجهة على حساب أخرى.

دول رسخت تقاليد المناظرات الانتخابية

اشتهرت المناظرات الانتخابية بين المرشحين للرئاسة في الولايات المتحدة الأميركية، وسجلت مواقف متعددة عن تأثير هذه المناظرات على نتائج الانتخابات.

كما استخدمت في دول مختلفة، إذ أصبحت عرفا أساسيا في الانتخابات الرئاسية، وتعتمد في فرنسا وبريطانيا وألمانيا، وتركيا، وإيران وغيرها من الدول.

وتوضع لهذه المناظرات شروط وضوابط تضمن تكافؤ الفرص في الحديث والرد بين المتنافسين، وتمنع التجاوز فيما بينهما، إذ يتم الحرص على أن يكون وقت الحديث متساويا وكذا وقت الرد والتعليق، ويمنح لكل منهما في النهاية وقت لقول حر يبلغ من خلاله الرسائل التي يريد.

وعلى الرغم من أن السباق الانتخابي الأميركي شهد مناظرات عديدة منذ منتصف القرن التاسع عشر، فإن هذا التقليد ترسخ أكثر في النصف الثاني من القرن العشرين، ومن أشهر المناظرات تلك التي جرت في بداية الستينيات بين المرشحين ريتشارد نيكسون وجون كينيدي.

وقد توقفت إلى عام 1976، وتم استئنافها والسماح بأن تكون أمام الجماهير وجرت المناظرة آنذاك بين جيرالد فورد وجيمي كارتر، واشتهرت أيضا المناظرة التاريخية عام 1984 بين رونالد ريغان ووالتر مونديل.

وفي عام 1988 تأسست هيئة غير حكومية اسمها لجنة المناظرات الرئاسية، تتشكل من 5 أعضاء من الحزب الجمهوري ومثلهم من الحزب الديمقراطي، وأصبحت تشرف على هذا النوع من المناظرات.

مواجهة هيلاري كلينتون ودونالد ترامب في مناظرة انتخابية عام 2016 كانت أيضا حاسمة ومؤثرة على الناخبين بشكل كبير، وكانت المناظرة الأكثر مشاهدة في التاريخ، إذ تابعها نحو 84 مليون أميركي.

وفي إيران تصنف المناظرات التي يبثها التلفزيون الرسمي الإيراني مباشرة بين المرشحين لانتخابات الرئاسة كل 4 أعوام، بأنها البرنامج الأكثر مشاهدة. وتجمع المناظرات المرشحين، وتتسم عادة بالجدلية.

وتحتل المناظرات جزءا مهمّا من الذاكرة السياسية لدى الشعب الإيراني، فينتظرها في كل انتخابات رئاسية، وتفرغ الشوارع ويجلس الجميع أمام الشاشات، ويسمع صوتها من جميع أجهزة الإذاعة في إيران، وتخلق -بعد انتهائها- موجة كبيرة من النقاشات في المشهد الانتخابي.

ويقول المحلل السياسي مصطفى فقيهي إن المناظرات لعبت في دورات مختلفة من الانتخابات، دورا مهمّا في تحديد بنية التصويت في البلاد وأنتجت ظواهر مهمة، وعلى وجه الخصوص، وصلت إلى ذروتها في انتخابات 2009 و2013 و2017.

وسجلت انتخابات 2021 أقل نسبة قبول لبرامج المناظرات الرئاسية بسبب استبعاد مجلس صيانة الدستور كثيرا من المرشحين، وكذا بسبب انخفاض نسبة المشاركة والاهتمام بتلك الانتخابات.

ويرى متابعون ومحللون أن أهم مناظرة في تاريخ الجمهورية الإسلامية هي المناظرة الثنائية التي جمعت عام 2009 بين الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد والمرشح للرئاسة آنذاك مير حسين موسوي، إذ حددت نتيجة الانتخابات وتركت آثارها في السياسة الإيرانية لسنوات.

وبعد تلك المناظرة واعتراض بعض السياسيين على نتيجة الانتخابات وخروج مظاهرات عارمة وحدوث أزمة سياسية كبيرة جراء ذلك، قررت السلطات ألا تكون المناظرات ثنائية، بل تجمع كل المرشحين، لتجنب الاستقطاب الثنائي.

وفي فرنسا اشتهرت المناظرة التي أجريت عام 1974 بين فرانسوا ميتران وفاليري جيسكار ديتستان، وتلك التي جمعت عام 1988 بين ميتران وجاك شيراك.

وفي عام 2002 رفض شيراك مناظرة منافسه زعيم اليمين المتطرف جان ماري لوبان، وقال آنذاك "مثلما رفضت في السابق التحالف مع الجبهة الوطنية (حزب لوبان الذي غير اسمه إلى التجمع الوطني) (…) لن أقبل، غدا، مناظرة ممثله".

أما في 2007 فساد التوتر المناظرة التي جمعت نيكولا ساركوزي وسيغولين رويال، كما أن مناظرة إيمانويل ماكرون عام 2017 مع ابنة لوبان وخليفته في زعامة اليمين المتطرف مارين لوبان كانت هي الأخرى لافتة بما شهدته من نقاش حاد أثار ردود فعل واسعة.

المصدر : الجزيرة + وكالات + مواقع إلكترونية