بهجت أبو غربية .. مناضل تختزل حياته قضية فلسطين

بهجت أبو غربية ولد في قطاع غزة وكبر في مدينة القدس (الجزيرة)

مناضل فلسطيني شهد جزءا كبيرا من تاريخ الانتداب البريطاني، ومطلع على خبايا احتلال فلسطين والقدس، فحياته تختزل القضية الفلسطينية. يُعرف بشيخ المناضلين والمجاهدين، تزامنت ولادته مع الحرب العالمية الأولى، حيث عانى مرارة الاحتلال البريطاني، ثم قسوة الاحتلال الإسرائيلي. عاش حياة حافلة بالعطاء والجهاد وغادرها يوم 26 يناير/كانون الثاني 2012 في عمان عن سن ناهز 96 عاما.

المولد والنشأة

ولد بهجت عليان أبو غربية عام 1916 في خان يونس، جنوب قطاع غزة، إلا أنه ترعرع في مدينة القدس التي أحبها حُبّا جنونيا، وعاش بين أحضانها قرابة 50 عاما، فلم يغادرها إلا مُكرهاً بعد نكسة 1967.

وتشير مذكراته إلى أنه ينحدر من عائلة أبو غربية العريقة والمشهورة في مدينة الخليل، وأن والده هو عبد العزيز عليان أبو غريبة.

وتعلم العربية والتركية قراءة وكتابة، سافر إلى إسطنبول واستقر بها بضعة أشهر، وتمكن خلال الحرب العالمية الأولى من الحصول على وظيفة مدير ناحية (حاكم إداري عثماني).

ووالدته فكرية حسن من أصول تركية وهاجرت رفقة عائلتها إلى فلسطين واستقرت في مدينة الخليل، حيث تزوجها والده عام 1900، وأنجبت منه بهجت، الذي كان رابع إخوته الثلاثة صبري ورشاد ونهاد. بينما ولدت زوجة أبيه الثانية إخوة آخرين هم فؤاد وشفيق وحسن وحسين وإحسان.

وقد سماه والده بهجت لصداقته مع القائد بهجت بك، أحد مساعدي جمال باشا قائد الجيش التركي الرابع. نوعية عمل الوالد جعلت العائلة كثيرة التنقل بين مدن فلسطين إلى أن استقرت في القدس، حيث قضى سنوات الطفولة والشباب وأصبح مقدسيا حتى النخاع، وامتزجت حياته الشخصية بالقضية الفلسطينية وبالنضال العربي.

وقد تأثر كثيرا بتربية عائلته، حيث زرعت فيه روح المقاومة والتوعية بمخاطر الاستعمار والاحتلال. يتذكر كيف كانت والدته تشجعه على المشاركة في المظاهرات والاحتجاجات، وتوصيه بتوخي الحيطة والحذر حتى لا يسقط في أيدي الأعداء.

الدراسة والتكوين العلمي

بدأ مساره الدراسي في مدينة الخليل، التحق عام 1923 بمدرسة المعارف الحكومية وغادرها بعد سنتين بسبب انتقال عائلته للقدس.

وانضم إلى مدرسة التمرين الحكومية وتابع تعليمه في الصفين الثاني والثالث ابتدائي، وبعد الزلزال الشديد الذي ضرب المنطقة عام 1927، التحق بمدينة حيفا وتابع تعليمه في الصف الرابع الابتدائي.

وبعد عودة عائلته إلى القدس عام 1928 التحق بمدرسة الرشيدية، التي تابع فيها الصف الخامس الابتدائي وحتى الصف الثاني الثانوي عام 1931، إلا أنه بسبب توقع احتمال إصابته بمرض في عينه قد يحول بينه وبين وظيفة حكومية، صدر في حقه قرار يقضي بضرورة انقطاعه عن الدراسة والتوجه إلى تعلم حرفة تضمن مستقبله.

ووقع الاختيار على تعلم صناعة الساعات في محل بالقدس، وكانت الفرصة مواتية ليس لتعلم العبرية فحسب، بل للتعرف على مطامع الإسرائيليين في فلسطين.

وعام 1943، وبالموازاة مع اشتغاله معلما غير نظامي في المدرسة الإبراهيمية، عاد إلى صفوف التحصيل العلمي، والتحق بالمدرسة الليلية لجمعية الشبان المسيحية، وأطفأ حرقة الانقطاع التي كان لها أثر كبير على حياته.

وخلال فترات الدراسة تتلمذ على أيدي معلمين وطنيين، وتلقى تربية مدرسية مفعمة بروح النضال والمقاومة والتوق إلى الاستقلال.

وإلى جانب الدراسة، كان عاشقا للمطالعة، ولم يكن غريبا ميله إلى كتب التصوف والتاريخ والثورات والأدب، إلى درجة أنه منذ الصغر اطلع على تفاصيل الثورة الفرنسية وثورة أكتوبر الاشتراكية وحرب الاستقلال الأميركية، إضافة إلى كتابات ماركس ولينين وهتلر.

التجربة النضالية

لم يتوان بهجت عن حضور أغلب المظاهرات والمعارك المسلحة ضد الاحتلال، إذ أصيب وزج به في السجون عدة مرات. ودشن تجربته النضالية من خلال مشاركته يوم 13 أكتوبر/تشرين الأول 1933 في أول مظاهرة كبرى جابت شوارع القدس، وكان عمره لا يتجاوز 17 عاما، احتجاجا على سياسات الإنجليز والهجرة اليهودية، حيث كان في الصفوف الأمامية.

وتأثر كثيرا بالطريقة الوحشية التي تعاملت بها بريطانيا مع المتظاهرين، وبسقوط العشرات من القتلى والجرحى، كما آلمه استشهاد صديق العائلة الشيخ عز الدين القسام، الذي مهدّ لقيام ثورة فلسطين الكبرى، فكانت ردة فعله أن التحق بخلايا ثورية سرية، ونذر حياته للنضال المسلح في سبيل الوطن.

في ثورة 1936 التي اندلعت ضد بريطانيا وسياستها الرامية إلى تشجيع هجرة اليهود، تولى موقعا أساسيا في حمل السلاح وتكلف بتشكيل فرقة عسكرية أطلق عليها اسم "تنظيم الحرية". وذاق مرارة الاعتقال لأول مرة بداية أبريل/نيسان 1936 نتيجة اصطدامه مع شرطي بريطاني في شارع يافا وتبادل معه اللكمات.

ويوم 12 يونيو/حزيران 1936، شارك مع صديقه الأنصاري في اغتيال رئيس شرطة القدس "ألان سيكرست" الإنجليزي من أصول يهودية قرب مخفر باب الأسباط، بعد تخطيط وتربص دام شهرا كاملا.

وحضر ثورة 1939 بكل حماس ونضال لمقاومة بريطانيا التي سعت جاهدة لإخماد الثورة باغتيال قادتها أو سجنهم ونفيهم. كما حمل السلاح في حرب 1947 إلى 1949 وساهم في قيادة جيش الجهاد المقدس، إضافة إلى مشاركته في معارك عديدة، أبرزها معركة القسطل.

وقد جعلت منه حنكته النضالية قائدا يعول عليه في الميدان، ووضع مخططا تسليحيا وتنظيميا في القدس مع عبد القادر الحسيني (قائد جيش الجهاد المقدس) خلال أبريل/نيسان 1947.

وفي العام الموالي، وإثر اندلاع معركة القسطل غرب القدس في نيسان/أبريل 1948 بين الجهاد المقدس والقوات الإسرائيلية، وصل إلى القسطل ونفذ رفقة مقدسيين عدة عمليات مسلحة ناجحة انتهت بإحكام الطوق حول القدس وحمايتها من قبضة إسرائيل، إلا أن الفرحة لم تكتمل بسبب استشهاد الحسيني الذي وُوري الثرى في القدس.

واضطر للبحث عن مجال نضالي آخر بعد إنهاء علاقته بقيادة جيش الجهاد المقدس في مارس/آذار 1949. فالتحق بحزب البعث العربي الاشتراكي بين 1949 و1959.

وشكل التحاقه بالحزب محطة أساسية في مساره السياسي، وانتخب عضوا في القيادة القُطرية للحزب في الأردن، وهناك طاله الاعتقال عدة مرات خلال خمسينات القرن العشرين، فاختفى عن الأنظار ما بين 1957 و1959، ثم سجن في الأردن بين 1960 و1962 ثم أفرج عنه بعفو عام.

والتحق بالهيئة الإدارية لنقابة عمال الفنادق بالقدس 1962-1963، ثم انضم لصفوف منظمة التحرير الفلسطينية، وانتزع عضويته في لجنتها التنفيذية الأولى عام 1964. وتوترت علاقته بقيادة المنظمة، خصوصا بسبب موقفه الرافض لاتفاق أوسلو. وفي يوم 21 أكتوبر/تشرين الأول 1991 قدّم استقالته من المنظمة على خلفية موافقتها على الانخراط في العملية السلمية.

وحاول تكوين نواة للمقاومة إبان هزيمة 1967، ورغم خروجه مرغما من القدس، لعب دورا في دعم الفدائيين بالأردن. كما أنه انتقل بعد ذلك من معارك في الميدان إلى مقاومة كافة أشكال التطبيع.

الوظائف والمسؤوليات

إلى جانب وظيفة التعليم التي زاولها في المدرسة الإبراهيمية، ولج عالم الصحافة ومارس المهنة عام 1937 وكان مراسلا لجريدة الجامعة الإسلامية بالقدس التي كانت تصدر في يافا، وأصبح له اسم ينافس كبار الصحفيين من أمثال شكري قطينة، وكيل جريدة "الدفاع" وفرح الصائغ وكيل جريدة "فلسطين".

وشارك في نشر خريطة تكشف خطة إنجلترا وإسرائيل لنقل ملتقى خطوط السكك الحديدية الفلسطينية من مدينة اللد إلى ضواحي تل أبيب، فنتجت عن هذا السبق الصحافي ضجة إعلامية، مما أدى إلى العدول عن المشروع برمته.

وخلال فترة شبابه، شارك في حركة الكشفية، وكان قائدا ومدربا في المدرسة الإبراهيمية، ثم في عدد من الأندية الرياضية والتنظيمات شبه العسكرية.

وقد مكنته التجربة النضالية من أن يتقلد وظائف ومسؤوليات أبرزها عضويته لعدة مرات في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، خصوصا عامي 1964-1965، وما بين 1967-1969.

وانضم لقيادة الكفاح المسلح بعمان، وأصبح عضوا في قيادة جبهة النضال الشعبي الفلسطيني بين 1968 و1991، وعضوا بالمجلس الوطني الفلسطيني والمجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، إلا أنه قدم استقالته منها عام 1991 بسبب موافقة المجلس الوطني على القرار 242 الذي يعترف بإسرائيل ويقضي بالدخول في مفاوضات معهم. وفي الوقت نفسه، انضم إلى التجمع الوطني العربي الديمقراطي في الأردن بين 1990 و1992.

وشغل منصب رئيس اللجنة العربية الأردنية لمجابهة التطبيع بين 1993 و1995، وأصبح عضوا في اللجنة التنفيذية للمؤتمر الوطني الأردني لحماية الوطن ومجابهة التطبيع.

المؤلفات والإنجازات

جمع عصارة مساره النضالي والكفاحي في مذكرات من ألفي صفحة، موجهة للأجيال القادمة، ليوصل لهم رسالة مفادها أن الآباء والأجداد ناضلوا بشرف في سبيل حرية الأمة العربية.

وأصدر عام 1993 القسم الأول من مذكراته وعنونها بـ"في خضم النضال العربي الفلسطيني 1916-1948″ وتطرق فيه بالتفاصيل إلى أحداث حقبة مهمة من تاريخ فلسطين ومسيرة مقاومة شعبها منذ إعلان وعد بلفور حتى توقيع اتفاقيات الهدنة العربية الإسرائيلية عام 1949.

أما الجزء الثاني من المذكرات فصدر عام 2004 تحت عنوان "من النكبة إلى الانتفاضة الثانية 1949-2000″ وخصصه للحديث عن مشاركته في حزب البعث العربي ونضاله مع الحركة الوطنية الأردنية وعضويته في منظمة التحرير الفلسطينية وغيرها من التنظيمات التي كان يشتغل في صفوفها. كما تطرق فيه بكل شجاعة وتفصيل إلى وقائع وأحداث مهمة في تاريخ القضية الفلسطينية خلال فترة النكبة.

وفاته

توفي بهجت أبو غريبة في عمان يوم 26 يناير/كانون الثاني 2012، بعد زمن في النضال من أجل فلسطين. وفارق الحياة وكله أمله أن يزول الاحتلال وتُقام دولة فلسطين.

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية