أولوف بالمه رئيس وزراء سويدي عارض أميركا في فيتنام

Swedish Social Democratic Party politician and new Prime Minister of Sweden, Olof Palme (1927-1986) pictured speaking at a press conference at Claridge's hotel in London on 8th April 1970. (Photo by Rolls Press/Popperfoto via Getty Images/Getty Images)
أولوف بالمه كان يتقن 5 لغات عالمية ولمع نجمه السياسي وهو طالب في الجامعة (غيتي)

أولوف بالمه سياسي سويدي ولد عام 1927. شغل منصب رئيس الوزراء لفترتين، الأولى من 1969 إلى 1976، والثانية من 1982 إلى 1986. وهو رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي من عام 1969 وحتى عام 1986. ويعد شخصية محورية مؤثرة منذ ستينيات القرن الماضي. كان ثابتا في سياسة عدم الانحياز تجاه القوى العظمى، ووجه انتقادات للسياسة الخارجية السوفياتية والأميركية. تعرض للاغتيال عام 1986 ولم يُعرف منفذ العملية.

المولد والنشأة

ولد "سفين أولوف يواكيم بالمه" في 30 يناير/كانون الثاني 1927م في ستوكهولم بالسويد لعائلة أرستقراطية. وتوفي والده عندما كان في سن الخامسة، فنشأ في رعاية والدته إليزابيت، وهي ألمانية الأصل.

درست والدته علوم الطب وشاركت في إنقاذ المنكوبين في الحرب العالمية الثانية بالتعاون مع الأمير السويدي فولكه برنادوت، فتأثر أولوف بالمه بوالدته في الانتصار للحق والعدالة للضعفاء والمظلومين.

كان أولوف بالمه كثير المرض في طفولته؛ وهو ما جعله قليل اللعب والترفيه مع أقرانه من الأطفال، وسمح له بالقرب والتواصل مع الكبار والنهل من معارفهم بدل الانشغال باللعب.

ورغم مرضه فقد تعلم بالمه القراءة وهو في سن الرابعة، وأتقن اللغة الألمانية، كما علمته والدته اللغة الروسية، وتعلم الفرنسية من مربيته، وأضاف في شبابه وتعليمه المدرسي والجامعي اللغتين الإنجليزية والإسبانية، لذا كان متعدد الثقافات.

تزوج بالمه من السيدة "ليسبيت بالمه" وله منها 3 أبناء، هم يواكيم (ولد عام 1958) ومورتين (ولد عام 1961) ومتيّاس (ولد عام 1968).

International peace conference "Pacem in Terris", Geneva 1967: Olof Palme (Photo by RDB/ullstein bild via Getty Images)
أولوف بالمه (وسط) أثناء مشاركته في المؤتمر الدولي للسلام في جنيف عام 1967 (غيتي)

الدراسة والتكوين العلمي

كان بالمه شغوفا بقراءة التاريخ والأدب، فبعد أن حصل على شهادة الثانوية العامة عام 1944 بدأ يكتب للصحافة، ثم درس الفنون في جامعة كانيون في ولاية أوهايو بالولايات المتحدة الأميركية، وشكّل هناك النادي الاشتراكي للطلبة، وزار 35 ولاية أميركية اطلع فيها على الفروق الطبقية الكبيرة بين الناس.

استنكر بالمه أسلوب التعامل في الاتحاد العالمي للطلاب، والذي كان يسيطر عليه الشيوعيون؛ لذا أنشأ اتحادا طلابيا عالميا موازيا له عام 1951. ولفت نشاطه السياسي والتنظيمي نظر رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي ورئيس وزراء السويد في ذلك الوقت "تاغي إيرلاندر" فقرّبه منه.

عاد إلى السويد وتابع هناك دراسة القانون واستمر في الدفاع عن حقوق الطلاب وعن العمل السياسي الطلابي، وتعد هذه أولى خطوات عمله السياسي.

التجربة السياسية والعملية

تأثر أولوف بالمه كثيرا بعنف الانقلاب الشيوعي الذي حصل في براغ، عاصمة تشيكوسلوفاكيا السابقة عام 1948، وهو ما انعكس على حياته السياسية ليتخذ طريقا وسطا ما بين النظام الشيوعي والنظام الحر.

شارك للمرة الأولى في الانتخابات العامة للبرلمان السويدي عام 1948، وصوَّت لصالح الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي يعدّ أكبر الأحزاب السويدية منذ عام 1886. وبعد انتسابه للحزب عام 1951 بدأ بالمه حياته السياسية.

زار بالمه عددا كبيرا من دول العالم الفقيرة، لا سيما الآسيوية، وفي مقدمتها الهند وسيلان، وهو ما ترك لديه أثرا عميقا، وعزّز عنده صورة العالم الحقيقية. وظهر ذلك من خلال تصريحاته، إذ يقول عن بلدان آسيا: "لقد جعلتني آسيا أعايش وأفهم معنى الاستعمار، إن العالم ليس مقسما إلى شرق وغرب فحسب وإنما إلى شمال وجنوب أيضا".

وكان أولوف بالمه أول من نظم حملات طلابية مناهضة لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، ومكَّن الطلاب الأفارقة من الحصول على البعثات الدراسية في السويد.

Portrait of Swedish Prime Minister, Olof Palme delivering a press conference in Paris in April 1970, during his official visit in France. (Photo by AFP)
أولوف بالمه في مؤتمر صحفي في باريس عام 1970 خلال زيارة رسمية لفرنسا (الفرنسية)

الوظائف والمسؤوليات

منذ التحاقه عام 1954 بمكتب رئيس الوزراء السويدي "تاغي إيرلاندر" ترأس الهرم السياسي في الحزب الاشتراكي الديمقراطي سكرتيرا مساعدا، وتدرج في المناصب حتى أصبح اليد اليمنى لرئيس الوزراء ومرافقه في كل أعماله ورحلاته، على الرغم من فارق السن بينهما (25 سنة). ولمّا كان بالمه يتقن 5 لغات عالمية ويتقن فن السياسة، فقد وصفه رئيس الوزراء إيراندر بأنه "شخصية لا تقدر بثمن".

انتُخب بالمه لعضوية البرلمان السويدي ممثلا للحركة الطلابية والشبيبة في حزبه الاشتراكي الديمقراطي عام 1959، وكان يومئذ أصغر عضو في البرلمان بين زملائه الـ349.

كان بالمه من أشد المعارضين لدخول السويد في مجموعة دول السوق الأوروبية المشتركة، مبررا موقفه بالحفاظ على الحياد الذي تميزت به السويد لسنوات طويلة قبل دخولها الاتحاد الأوروبي في منتصف التسعينيات من القرن الـ20. لكن بالمه كان يسعى في الوقت ذاته إلى تمتين أواصر الصداقة والعلاقات الطيبة بين دول السوق نفسها.

وهو من أوائل من طالب بدعم الشعوب والدول الفقيرة في مشاريع التطوير والتنمية من خلال البرلمان السويدي، وقد تم تعيينه وزيرا من دون حقيبة في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1963، واعتبره سياسيو السويد النائب غير الرسمي لرئيس الوزراء في تلك المرحلة.

أما أهم ما قام به من جهود في تلك المرحلة، التي تميزت باستقلال كثير من الشعوب، فكانت مناهضته المركزة والعنيفة لسياسة الولايات المتحدة الأميركية في فيتنام. حتى إن أحزاب المعارضة السويدية المكونة من الأحزاب البرجوازية والمحافظين والشعب والوسط، قد اتهمته في عام 1965 بمغازلة الكتلة الشيوعية العالمية.

تسلّم بالمه حقيبة وزارة المواصلات عام 1965 وغيّر نظام السير في السويد، الذي كان يتبع النظام البريطاني، ليصبح السير على يمين الشارع وليس يساره، وكانت جميع تنقلاته تتم بوسائل النقل العام كأي مواطن في السويد، ولم يبق بالمه لفترة طويلة على رأس وزارة المواصلات، فقد تسلم بعدها حقيبة وزارة التربية والتعليم في عام 1967.

Swedish politican Olof Palme makes the victory sign after the Social Democrats election victory, September 19, 1982. Picture taken September 19, 1982. TT News Agency/ Bertil Ericson via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS IMAGE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY. SWEDEN OUT. NO COMMERCIAL OR EDITORIAL SALES IN SWEDEN.
أولوف بالمه بعد فوز الحزب الديمقراطي الاشتراكي في الانتخابات في 19 سبتمبر/أيلول 1982 (غيتي)

الإنجازات

شغل منصب الوسيط الخاص للأمم المتحدة في الحرب العراقية الإيرانية، وكان رئيسا لمجلس الشمال الإسكندنافي عام 1979.

شارك إلى جانب سفير فيتنام الشمالية في موسكو، في مقدمة مظاهرة شعبية في العاصمة ستوكهولم ضد الولايات المتحدة الأميركية وضد احتلالها فيتنام، ويعد هذا الحدث الأبرز الذي ارتبط باسمه.

وكَتبت عن هذه المظاهرة 367 صحيفة أميركية، وهذا ما أكسب بالمه شهرة دولية، وعلى إثر ذلك سحبت الولايات المتحدة الأميركية سفيرها من العاصمة السويدية.

وطالبت المعارضة السويدية بإقالة الوزير بالمه ووصفته بأنه خائن للوطن؛ إلا أنه لم يبالِ بهذه الدعوات ولم يتراجع عن موقفه، بل تابع جهوده وتنفيذ قناعاته.

أثار بالمه الجدل بدعمه الاقتصادي والصريح لعدد من حكومات العالم الثالث، فقد كان أول رئيس حكومة غربية يزور كوبا بعد ثورتها وألقى خطابا في سانتياغو أشاد فيه بالثوار الكوبيين المعاصرين.

ولم تكتف الحكومة الاشتراكية بإزعاج الولايات المتحدة الأميركية من خلال هذا الحدث، بل فتحت أبواب المملكة السويدية أمام الجنود الأميركيين الفارين من الجيش الأميركي المشارك في الحرب ضد فيتنام؛ وهو ما أدى إلى تجميد مؤقت للعلاقات بين السويد والولايات المتحدة.

خرج بالمه بعدها ليؤكد على مواقفه المبدئية الحيادية، متصدرا مظاهرة شعبية بتاريخ 21 أغسطس/آب 1968 في مالمو ثاني أكبر مدينة في جنوب السويد، وكانت المظاهرة هذه المرة ضد دخول جيوش الاتحاد السوفياتي مع قوات حلف "وارسو" إلى تشيكوسلوفاكيا، وهو الغزو الذي دعا بسببه الحزب الشيوعي السويدي إلى الخروج من عباءة سياسة موسكو.

وبسبب مصداقيته وثباته على سياسة الحياد أهّله ذلك ليكون الشخصية البديلة لتسلم منصب رئاسة الوزراء بعد تنحي إيرلاند.

التقى بالمه رئيسَ منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، على مأدبة غداء دعا إليها الرئيس الجزائري آنذاك هواري بومدين في العاصمة الجزائر، وقد واجه نتيجة لذلك انتقادات حادة من أنصار إسرائيل حول العالم، ما اضطره إلى الرد بأن صاحب الدعوة حرّ فيمن يدعوهم إلى مأدبته، وأنه استمع إلى أبي عمار ووجد أن كثيرا من أفكاره "ليست إرهابية".

حادثة اغتياله

اغتيل بالمه في أحد شوارع ستوكهولم في 28 فبراير/شباط 1986، أثناء خروجه رفقة زوجته من عرض سينمائي، وكانت هذه الحادثة أول جريمة قتل لزعيم وطني في السويد منذ غوستاف الثالث عام 1792، وكان لها تأثير كبير عبر الدول الإسكندنافية. وأدانت محكمة ابتدائية في ستوكهولم المدمن "كريستر بيترسون" بارتكاب جريمة القتل، ولكن تمت تبرئته بالإجماع من قبل محكمة الاستئناف.

ومنذ ذلك الوقت بقيت حادثة اغتيال بالمه لغزا حيَّر رجال الأمن والسياسة والإعلام على السواء، وحيكت حول الحادثة نظريات وفرضيات عديدة، واختلفت الأقاويل حول الجهة التي تقف وراء الاغتيال.

وفي العاشر من يونيو/حزيران 2020، عقد المدعون السويديون مؤتمرا صحفيا للإعلان عن وجود "دليل معقول" على أن القاتل هو أحد الشهود الرئيسيين في القضية، والذي ادعى حينها بأنه حاول إسعافه، وهو "ستيغ إنغستروم". وبما أن إنغستروم كان قد انتحر عام 2000 فقد أعلنت السلطات إغلاق التحقيق في وفاة بالمه.

المصدر : مواقع إلكترونية + وكالات