مريم أبو دقة.. أول فدائية فلسطينية مبعدة ومناضلة "ماتت" أكثر من مرة

المناضلة الفلسطينية مريم أبو دقة
فرنسا رحلت مريم أبو دقة إلى مصر في التاسع من نوفمبر/تشرين الثاني 2023 بدعوى تهديدها للأمن العام (رويتز)

مناضلة وفدائية فلسطينية وناشطة نسوية وعضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. ولدت عام 1952 لأب فلسطيني وأم مصرية. حوصرت مع عدد من زميلاتها في مدرستها بغزة 7 أيام من دون ماء أو طعام. انضمت للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وأصبحت من قادتها.

المولد والنشأة

ولدت مريم محمود محمد أبو دقة في 23 يوليو/تموز 1952 في غزة حين كان القطاع تابعا للإدارة المصرية، لأب فلسطيني متزوج من 4 نساء آخرهن أمها المصرية.

وتحت ضغط الهجمات الإسرائيلية على غزة انتقلت أسرتها وهي في الثالثة من عمرها إلى مصر، حيث تفتح وعيها على أحداث صد العدوان الثلاثي، ورأت أمها وهي تشارك في الجهود النسائية بالمقاومة الشعبية. وفي أوائل الستينيات عادت إلى قرية عبسان الكبيرة التابعة لخان يونس جنوب شرق غزة.

في سن مبكرة بدأت تشرق روح مريم النضالية، فانخرطت في فرق الكشافة، ونشطت في العمل المسرحي بمدرسة أبو نويرة التابعة للأونروا، وكتبت وهي في الـ14 من عمرها رسالة إلى الزعيم أحمد الشقيري، مؤسس منظمة التحرير الفلسطينية، تعترض فيها على إغلاق مراكز التدريب في وجه المرأة.

المناضلة الفلسطينية مريم أبو دقة
المناضلة الفلسطينية مريم أبو دقة انضمت منذ شبابها إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (الفرنسية)

وعززت رسالتها بأبيات للشاعر إبراهيم طوقان يقول فيها:

أنا لن أعيش مشردا     أنا لن أظل مقيدا
أنا لي غد وغدا سأزحــــف ثائرا متمردا

فرد عليها الشقيري: "حبذا يا صغيرتي لو وجد 10 من أمثالك في غزة، وفي القريب العاجل سنفتح معسكرات لتدريب الفتيات"، وأرسل لها عدة كتب.

الدراسة والتكوين العلمي

درست مريم بالمرحلة الأساسية في مدرسة أبو نويرة التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) ومدرسة العودة الحكومية في بلدة عبسان.

وقضت المرحلة الثانوية في مدرسة عز الدين القسام بمدينة غزة، ثم حصلت على شهادة الثانوية العامة من دولة اليمن عام 1971 بعد خروجها من سجن الاحتلال.

ونالت درجات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في الفلسفة والعلوم الاجتماعية من بلغاريا بين عامي (1983 و1991).

المناضلة الفلسطينية مريم أبو دقة
مريم أبو دقة آمنت بحق النساء الريادي والقيادي في كفاح التحرر الوطني (الفرنسية)

ركائز المشروع النضالي

انطلقت مريم بقوة في العمل النضالي مشبعة بروح الثورة على الاحتلال والرفض لأي حلول جزئية، والإيمان الشديد بأن المحتل يواجه بالمقاومة وليس بالتفاوض، ولهذا رفضت اتفاق أوسلو ورأت أنه كان "فخا".

كما تمردت مريم على التقاليد التي تقلل من دور المرأة في المجتمع والثورة، وأكدت رؤيتها في حق النساء الريادي والقيادي في كفاح التحرر الوطني، رافضة منذ البداية أن تكتفي بنات حواء بأعمال التمريض والمساعدة والدعم اللوجيستي.

ورغم ذلك بقيت مريم متأثرة إلى حين بمفاهيم الطبقة التي تنتمي إليها عائلة ثرية تمتلك الأراضي الواسعة، لكنها أثناء تجربتها النضالية تعلمت أن العمال والفلاحين هم المخزون الثري الحقيقي للعمل الوطني، إذ اكتشفت في يومين إقبال سكان المخيمات على التبرع بالآلاف مقابل تبرع البرجوازيين ببضعة دنانير على مضض.

وحينها قررت الانحياز ضد طبقتها، مؤكدة إيمانها بأيديولوجيا الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي رأت فيها نموذجا تنظيميا ورؤية تقدمية تستوعب اندفاعها الثوري في العمل الوطني وأفكارها الرافضة الناقدة لمجتمع عربي تشيع فيه "نظرة غير عادلة لدور المرأة".

رحلة كفاح

عند سقوط غزة عام 1967 حوصرت مريم مع عدد من زميلاتها في مدرستها 7 أيام من دون ماء أو طعام، فما زادها ذلك إلا صلابة وإصرارا على مواجهة الاحتلال وهي تردد "كبرنا قبل الموعد، وحملنا رؤوسا أكبر من أجسادنا".

انخرطت مريم في صفوف الفدائيين، وكانت تتجول باللباس العسكري مع رفاقها في شوارع قريتها عبسان الكبيرة حتى طوق جيش الاحتلال القرية بأكملها واعتقل عددا كبيرا من رفاقها فخبأها والدها في أرضه.

وبعد شهر من المطاردة عادت إلى منزلها لمشاهدة عائلتها وقضاء وقت معها، فهاجمت قوات الاحتلال منزلهم واعتقلتها عام 1968 ووجهت لها 5 تهم لا تنفيها، منها جمع التبرعات للمناضلين وأسر الشهداء، والمشاركة في المظاهرات، والانتماء لمجموعة غيفارا غزة، ليحكم عليها وهي ابنة الـ16 ربيعا بالسجن عامين وغرامة مالية.

في أواخر عام 1969 أفرج عنها في شهر رمضان بعد إتمامها العامين بالسجن، وفي اليوم التالي رجعت إلى مدرستها فرحة بزميلاتها وكتبها وفصولها، لكنها عادت من اليوم الأول لتجد مخابرات الاحتلال في انتظارها تنفيذا لأمر إبعادها إلى الأردن، لتكون وهي في الـ18 من عمرها أول فدائية مبعدة.

رفضت السلطات الأردنية دخولها بسبب خلافات واشتباكات مع الجبهة، لتقضي 11 يوما عند الحدود، حتى هب رفاقها لنجدتها وأدخلوها تهريبا إلى معسكرات جرش، وهناك نشطت في تدريب الفتيات على العمل النضالي.

وتزايدت المطاردات على أثر أحداث أيلول الأسود، فاستخرجت الجبهة لمريم جواز سفر باسم "رسمية جبريل"، وهربت من المخابرات الأردنية، لتصل بعد مغامرة طويلة إلى صيدا في لبنان، وتنضم إلى القطاع العسكري قيادية في الجبهة.

وواجهت مريم أبو دقة مخاطر كثيرة حتى أذيع خبر وفاتها مرات، واتسمت قيادتها بالحزم حتى إنها حكمت على أحد رفاقها بأن يربط في سارية يوما كاملا لمخالفته تعليمات الجبهة بتجنب التعرض للجماهير.

في مواجهات 1982 بلبنان كانت مريم في سوريا لتأسيس منظمة الشبيبة الفلسطينية، ولم تستطع الدخول لساحة المعركة رغم محاولاتها، فاكتفت بتقديم المساعدة، وحينها أقامت منظمة المرأة الفلسطينية، وفي نوفمبر/تشرين الثاني عام 1995 أنهت رحلة الإبعاد بمغامرة جديدة للعودة إلى غزة لترتمي في أحضان أمها وتحاور قبر أبيها.

دور العلم في بناء الدولة

مع رسوخ الإيمان بالحق في بناء الدولة الفلسطينية ومعايشة هذا الحلم باعتباره غذاء يوميا للروح الوطنية بقيت مريم أبو دقة تعرف دور العلم في بناء المستقبل، فسعت إلى دراسة الصيدلة في تشيكوسلوفاكيا في السبعينيات من القرن العشرين، وبعد اقتناص الفرصة لم تستطع الذهاب بسبب انشغالها بالتحضير لعملية فدائية ردا على اغتيال الصحفي والروائي الفلسطيني غسان كنفاني.

وفي أوائل الثمانينيات أرسلتها الجبهة لدراسة الماجستير في بلغاريا، فاختارت لذلك تخصص الفلسفة مقدمة نحو المعرفة "بدافع مقاومة الإمبريالية والاستعمار والصهيونية عبر تغيير الوعي الإنساني وإثراء العقل لاستكشاف قدرات الكائن البشري المندفع بفطرته لمواجهة الظلم".

وفي دراستها أكدت مريم وعيها بذاتها النضالية وشغفها بتفاصيل مشروعها الوطني، فاختارت لدراستها في الماجستير "تطور الوعي السياسي للمرأة الفلسطينية"، وفي الدكتوراه "حرية المرأة والعادات والثقافة من وجهة نظر فلسفية.. تطبيق على أنشطة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين".

ترفض مريم أبو دقة اتفاق أوسلو وتؤكد أن الاعتراف بإسرائيل تنازل عن الحق التاريخي للشعب الفلسطيني، وتقول إن الانقسام أخطر على المشروع الوطني الفلسطيني من نكبة 1948، وترى أن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وأن الشراكة والتعددية مبدآن ضروريان لتحقيق التحرير، وأن الانتخابات وفق قانون التمثيل النسبي هي البوابة الأولى لإعادة اللحمة الوطنية.

الوظائف والمسؤوليات

انتسبت مريم أبو دقة للاتحاد العام للمرأة الفلسطينية منذ عام 1965، وانتمت إلى الجبهة الشعبية عام 1967، وشاركت في أنشطتها بفلسطين والأردن، وأصبحت مسؤولة لفصيل عسكري في لبنان عام 1982، وشاركت ضمن وفد فلسطيني في مهرجان الشبيبة العالمي في دولة كوبا عام 1981.

كما أشرفت على تأسيس منظمة الشبيبة الفلسطينية التابعة للجبهة الشعبية عام 1981، واتحاد لجان المرأة الفلسطينية عام 1981، وكانت ممثلة للجبهة الشعبية في الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية. وتولت منصب أمين سر الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية في ليبيا عام 1983.

وأصبحت عضوا في اللجنة المركزية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 1992، وعضوا في المجلس الوطني منذ عام 1995.

الأبحاث والنشاط العلمي

شاركت في عدد من الأبحاث، منها آثار التعذيب النفسي والجسدي البعيد الأمد على الأسيرات المحررات، والتأثير النفسي والاجتماعي على الأسيرات من واقع السيرة الذاتية، كما شاركت في تأليف عدد من الكتب، منها الأسيرات المحررات الفلسطينيات بين الواقع والمأمول، والمشاركة السياسية للمرأة الفلسطينية.

نشاط حقوقي

ومع تاريخها النضالي في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي تبرز مريم أبو دقة ناشطة عالمية في قضايا حقوق الإنسان، وأهمها حقوق المرأة، فقد أسست مركز الدراسات النسوية في غزة، كما تهتم بدورها في العمل النسوي العالمي، وتحرص على الروابط التي تصلها بهذا النشاط في مختلف دول العالم.

غير أن هذا الدور لم يشفع لمناضلة قضت عشرات السنوات في نضال إنساني عالمي، فقررت السلطات الفرنسية ترحيلها إلى مصر في التاسع من نوفمبر/تشرين الثاني 2023، مدعية أن وجود سيدة تجاوزت السبعين عاما على الأراضي الفرنسية يهدد بتقويض النظام العام.

المصدر : مواقع إلكترونية