شارل بودلير.. "البوهيمي" شاعر المجون والغموض

شاعر وكاتب فرنسي، من أبرز أدباء القرن التاسع عشر في فرنسا وأوروبا، ويعدّ من رموز أدب الحداثة، بل يعتبره كثير من النقاد مؤسسه، وأول من كتب ما يعرف بقصيدة النثر في الشعر الفرنسي. ولد عام 1821 في باريس وتوفي فيها عام 1867.

عاش بودلير -واسمه الكامل شارل بيير جوزيف فرنسوا بودلير- حياة مضطربة وبئيسة منذ صغره، حيث ذاق مرارة اليتم رغم أن أمه كانت ما تزال على قيد الحياة، إذ لم يعش معها كثيرا من سنوات عمره، وذاق مرارة الفقر رغم أنه ورث ثروة طائلة مُنع من التصرف فيها.

الشاعر الفرنسي شارل بودلير. Charles baudelaire
شارل بودلير ينتمي إلى عائلة بورجوازية من ملاك الأراضي وورث ثروة منع من التصرف فيها (مواقع التواصل)

المولد والنشأة

ولد شارل بيير بودلير في 9 أبريل/نيسان 1821 بالعاصمة الفرنسية باريس، من أب ينتمي إلى الطبقة البورجوازية المتوسطة من ملاك الأراضي يدعى جوزيف فرنسوا بودلير، وأم من أصول إنجليزية تسمى كارولين أرشمبو دوفيس.

كان أبوه راهبا ورساما هاويا، ثم ترك الرهبانية وأصبح موظفا في وزارة التعليم، ثم بعدها في البرلمان.

قبل أن يتعرف على أم شارل، تزوج جوزيف فرنسوا من جين جاستين روزالي جانين -وهي رسامة أيضا- وزرق منها بولد (ألفونس بودلير) وبنتين، وتوفيت عام 1818.

في عام 1819، تعرف والد شارل على كارولين وتزوجها، وكانت وقتها في سن السادسة والعشرين، وكان هو في عمر الستين، وبعد نحو عام من الزواج رزقا بطفلهما شارل بيير.

ومثلما ذاقت أم شارل بودلير اليتم وهي ابنة 7 سنين، توفي أبوه هو الآخر في فبراير/شباط 1827 وعمر الطفل آنذاك لم يتعد 6 سنوات، وزاد من مرارة يتمه أن والده توفي أمام ناظريه.

ترك الأب مكتبة كبيرة، التهَم شارل بيير كتبها وهو ما يزال صغيرا، وكان يرتاد النوادي والمجالس الثقافية التي كانت تعقد في بيوت بعض وجهاء وأغنياء ومثقفي باريس، وتنبأ له الكثيرون بالنبوغ والإبداع، وقيل إنه كان يقرض الشعر وهو في المرحلة الإعدادية.

منذ طفولته، توالت عليه الصدمات وأبى البؤس أن يفارقه، فلم يكد يتخلص قليلا من صدمة وفاة أبيه، حتى تزوجت أمه من الضابط في الجيش الفرنسي الجنرال جاك أوبيك، وتضاعفت آلامه بعد نحو عام من هذا الزواج، يوم رأى بعينيه أمه وهي تخضع لعملية إجهاض قسرية مؤلمة لتتخلص من جنين أمضى في أحشائها 8 أشهر كاملة.

فزوجها الجنرال أوبيك -وهو أحد الضباط الذين شاركوا في احتلال الجزائر عام 1830- أرغمها على التخلص من جنينها بدعوى أن ولادتها منه في تلك الفترة كان يمكن أن تضرّ بطموحاته العسكرية والدبلوماسية.

ولعل حرصه هذا على مسيرته المهنية هو ما أوصله إلى إسطنبول سفيرا لفرنسا لدى الدولة العثمانية، ثم بعد ذلك سفيرا في لندن ومدريد.

ولم يمض وقت طويل حتى تجذر كره الجنرال في قلب الطفل شارل، وانعكس ذلك على أدائه الدراسي وانتظامه في المدرسة، وانتهى به الأمر عام 1839 مطرودا من ثانوية لويس الأكبر في باريس حتى قبل أن يحصل على الثانوية العامة.

باريس القديمة
صخب باريس ونواديها الماجنة ابتلعت بودلير وقلبت حياته رأسا على عقب (بيكسلز)

الدراسة والتكوين العلمي

طبيعة عمل زوج أمه العسكري جعل شارل بودلير يتنقل بين عدة مدن ويدرس في عدة مؤسسات تعليمية، وبدأ هذا الاضطراب وعدم الاستقرار في حياته يزيد من كرهه للجنرال أوبيك، الذي يعتبر أنه "سرق" منه أمه وحرمه من حنانها ورعايتها.

ففي عمر 10 سنوات، دخل إعدادية شارلوماني في باريس، وبعدها انتقل إلى مدينة ليون مع أمه وزوجها ودخل الثانوية الملكية (تسمى حاليا ثانوية أمبير)، وفي عام 1836 عاد إلى باريس ودخل ثانوية لويس الأكبر.

وكانت العادة تفرض أن من يأتي إلى هذه الثانوية أو إحدى ثانويات باريس من المدن الأخرى، يتم تنزيل مستواه سنة أو سنتين، على اعتبار أن التعليم في العاصمة كان أكثر تقدما وتطورا، فحزن شارل لذلك ورأى أنه ضيّع عليه سنة من عمره الدراسي، واعتبره قرارا غير عادل.

رد فعل الشاب شارل على كل هذه الظروف التي أحاطت به منذ صغره انقلب تمردا ورفضا للأسرة والمجتمع وما حوله، وكلّفه ذلك التمرد والفوران طردا من ثانوية لويس الأكبر لسبب ظل طول عمره يعتبره "تافها"، وذلك لأنه رفض التبليغ عن زميل له، وصرّح أمام الإدارة أنه مستعد لأي عقوبة، لكنه "لن يكشف سر زميله".

انتهى مشوراه في ثانوية لويس الأكبر -التي درس فيها 3 سنوات في شعبة الفلسفة، وتعلم فيها اليونانية واللاتينية والإنجليزية والأدب الكلاسيكي القديم- لكنه لم يستسلم لهذا الطرد، وعمل بجهد حتى حصل على شهادة الثانوية العامة خارج التعليم النظامي.

في هذه الثانويات "الصارمة" بالعاصمة باريس، كانت القاعدة أن الطلاب الذين لم يكونوا ينضبطون كانوا يعاقبون بالحرمان من الأكل ومن الفسحة، ويُحبسون في قاعات وتُفرض عليهم عقوبات على شكل واجبات مدرسية زائدة، وأخرى ربما تكون من قبيل "التعذيب الجسدي".

وفي إحدى رسائله إلى أحد أصدقائه، كتب شارل بودلير واصفا قساوة مثل هذه الأساليب "أحيانا قد تكون العقوبة أن تتجمد أمام شجرة في ساحة الثانوية في أوج فصل الشتاء لمدة يحددها مدرس دكتاتور".

كما كتب في رسالة إلى والدته في 1861 مستذكرا تلك الفترة "تعلمين تلك التربية الوحشية التي كان يريد أن يربيني عليها زوجك، عمري الآن 40 سنة ولا أستطيع التفكير في دراستي الثانوية من دون الشعور بالألم".

وفي رسالة أخرى إلى صاحب دار النشر التي كان يتعامل معها، يقول بودلير واصفا ذكرياته في الثانوية "أكره هذا الوسط المتحذلق والمنافق الذي دفعني إلى الجوع والزنزانة المظلمة".

بعد حصوله على الثانوية العامة بجهده الخاص، توجه إلى كلية القانون ليبدأ مشوار دراسته الجامعية، لكن تمرده المجتمعي وحقده على "كآبة باريس" غلبا رغبته في الدراسة، فترك الجامعة وبدأ حياة تسكع وتشرد ومجون واستهتار ستظل ترافقه إلى لحظة موته.

باريس القديمة
مشهد من باريس القديمة، في هذه الحارات هرب بودلير من دائنيه ومن مظاهر الحياة العادية (بيكسلز)

حياته الماجنة في الحي اللاتيني

ترك شارل بودلير مقاعد الدراسة وانغمس في حياة "البوهيمية" والمجون واللامبالاة والاستهتار، و"كفر" بكل ما حوله، ودفن نفسه بين كؤوس الخمر ولفائف الحشيش ومسحوق الأفيون وأحضان البغايا في حارات الحي اللاتيني في باريس.

وفي أقل من سنتين، أنفق شارل بودلير نصف ثروته الطائلة البالغة 75 ألف فرنك فرنسي ورثها من أبيه، وزادت "فورة" التمرد عنده بعد أن تدخلت أمه -وهو في الثالثة والعشرين- ورفعت دعوى قضائية ضده وفرضت عليه حجرا ووصاية قضائية لتمنعه من تبديد ثروة أبيه.

حجرت المحكمة على أموال بودلير، وقضت له بمصروف شهري لا يتعدى 200 فرنك فرنسي يتسلمه تحت إشراف محام، وطلبت منه أن يقدم باستمرار تقريرا عن أعماله ومصاريفه، فدفعه ذلك إلى الشعور بالإهانة والاحتقار، وزاد من كرهه لأسرته وكل محيطه.

في عام 1841، أرسله زوج أمه في رحلة على باخرة إلى الهند، لعله يقتلعه من حياة الضياع هذه ويغير ظروف ومحيط عيشه، لكن الشاب لم يصل إلى وجهته وتوقف في جزيرة موريشيوس وقضى فيها شهورا، ثم عاد إلى باريس بعد أقل من سنة وابتلعته غيابات الحي اللاتيني من جديد.

ومن أجل توفير المال لينفق على نزواته وأهوائه التي لا تنتهي، عمل صحفيا وناقدا فنيا لدى كثير من الصحف، وحاول نشر بعض الأعمال لدى دور نشر، لكن ما كان يجنيه من مال لم يصمد أمام السيل الدافق من متطلبات حياته الشهوانية التي أطلق لها العنان، فتراكمت عليه الديون.

طاف شارل بودلير باريس كلها وغيّر سكنه مرارا هربا من دائنيه، فاستأجر أكثر من 40 منزلا وفندقا، وعرفته كل أزقتها تقريبا، وبلغ به اليأس والنفور من الحياة أن حاول الانتحار في 18 يونيو/حزيران 1845، حيث طعن صدره بسكين، لكنها لم تكن طعنة قاتلة، ولم يستجب القدر لرغبته في الموت.

وقبيل محاولة انتحاره، كتب رسالة إلى إحدى خليلاته يخبرها بما سيقدم عليه، وأوصى لها بما يملك وما ورث، لكن أجله الذي لم يحن بعد حال بينها وبين ثروة أبيه. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2018، بيع النص الأصلي لتلك الرسالة في مزاد علني بالعاصمة الفرنسية بسعر بلغ 234 ألف يورو.

وفي 1848، شارك شارل بودلير في الثورة الشعبية التي اندلعت في فبراير/شباط وأدت إلى قيام ما يعرف بالجمهورية الفرنسية الثانية، وحمل السلاح مع الثوار ووقف معهم في الحواجز التي نصبوها في باريس، ووجدها فرصة سانحة ليحرضهم على قتل زوج أمه الجنرال جاك أوبيك، لكن مراده لم يتحقق.

وبعد أن "انحرفت" الثورة عن مسارها، وأسفر ما تبعها من تطورات عن "انتكاسة" وعودة فرنسا إلى سابق عهدها في نظامها السياسي، تراجع بودلير وعارض الثوار والثورة، ووصفها بأنها "مذبحة الأبرياء".

عاش شارل بودلير جزءا من حياته "البوهيمية" في العاصمة البلجيكية بروكسل ومدن بلجيكية أخرى (1864-1866)، حيث سافر إليها هربا من دائنيه في باريس، وطمعا في جني بعض المال عبر إلقاء سلسلة من المحاضرات، لكنه أصيب بخيبة أمل لا تقل عما لقيه في فرنسا، حتى إنه كتب في أواخر حياته كتابا عن بلجيكا وانتقدها وأهلها ومدنها وأسلوب العيش فيها.

تمرّد بودلير على الحياة ونهجها تجلى حتى في تسريحات شعره التي تنوعت باستمرار بين الشعر الطويل المرسل والقصات القصيرة والحلق الجذري حد الصلع، بل امتد تمرده وحنقه هذا حتى إلى القارئ، ففي أحد مؤلفاته يصفه بأنه منافق حيث يتوجه إليه قائلا "أيها القارئ المنافق، يا شبيهي، يا أخي".

ومما نقلته روايات النقاد عن بودلير، أنه قال مرة إنه "لا توجد إلا 3 كائنات محترمة: الراهب والمحارب والشاعر، فالأول ينشر العلم والثاني يقتل والثالث يبدع".

ديوان أزهار الشر les fleurs du mal
ديوان "أزهار الشر" صدرت نسخته الأولى عام 1857 وفتحت لبودلير أبواب الشهرة (مواقع التواصل)

التجربة الأدبية

ديوان واحد من أعماله الشعرية والأدبية حقق شهرة غير مسبوقة، وبوأ شارل بودلير عرش الشعر الفرنسي في القرن التاسع عشر، وأصبح كل منهما دليلا على الآخر، فإذا ذكر بودلير سبقه إلى الذهن ديوان "أزهار الشر" (Les Fleurs du mal)، وإذا ذكر هذا الأخير لازمته صورة ذلك الشاعر الذي لخّص فيه عصارة "النكد والضياع" الذي عاشه في باريس.

وحتى هذه الصنعة الشعرية ساقته إليها الأقدار على غير هدى منه ولا تخطيط، فقد كان مناه أن يكون ناقدا فنيا، وبذلك بدأ حياته مؤلفا، حيث كتب كثيرا من المحاولات النقدية لعدد من الأعمال الفنية لرسامين عاصرهم.

بل حتى كثير من أشعار ديوانه "أزهار الشر"، يرى ناقدون وكتاب أنها مستوحاة من لوحات فنية لرسامين أو نحاتين، والباقي لا يعدو أن يكون عصارة مريرة لحياته التي لم يكن يرى لها أي معنى ولم يكن يجد فيها أي طعم، فهرب منها إلى عالم الخمرة والمجون الذي ولد منه هذا الديوان.

وبقدر ما حقق له ديوانه هذا شهرة واسعة، جرّ عليه متاعب كثيرة وأوصله إلى ردهات المحاكم، فقد "تجرأ" فيه على ما لم يقربه سابقوه، وثار فيه على التقاليد المجتمعية والتقاليد الأدبية والثقافية والدينية لعصره، وفاحت من قصائده "نتانة" ما عاشه في الحي اللاتيني بباريس.

اتُّهم بودلير بـ"الترويج للإباحية والقرف" في ديوان "أزهار الشر" الذي أصدره عام 1857، وشنت عليه جريدة "لوفيغارو" العريقة هجوما لاذعا في سلسلة مقالات، ووصفته بأنه "كومة من الجثث المعروضة ببرودة أعصاب"، واعتبرته "تحريضا صريحا على الفساد والانحلال الخلقي والرذيلة".

وحكمت عليه المحكمة بدفع غرامة 300 فرنك فرنسي، وأمرت بحذف 6 قصائد من الديوان اعتبرتها مخلة بالآداب وخادشة للحياء والأخلاق، وانتقد كثيرون الديوان ورأوا أنه يقطر ميوعة وخلاعة وبؤسا ونكدا ومجونا.

لكنّ شعراء وكتابا من جيله أو ممن سبقوه إلى الأدب بقليل ناصروه ضد هذه المحاكمة، ومدحوا ديوانه، ومنهم الروائي الكبير فيكتور هوغو، الذي قال عن الديوان إنه "خلق رعشة جديدة في الشعر الفرنسي".

وإن كانت المحاكمة أضرت ببودلير من بعض الجوانب، فإنها بالمقابل عبّدت طريق الشهرة أمامه وأمام ديوانه، فبعد سنوات قليلة صدرت منه طبعات منقحة (1861، 1866، 1868) لا تتضمن القصائد المدانة، وبيعت منه آلاف النسخ ونفد في كثير من الأسواق.

كما نشرت بعض الدور خارج فرنسا (خاصة بلجيكا) النسخة الأصلية للديوان متضمنة القصائد الست، وانتهى مسار بودلير وديوانه إلى تبرئتهما بعد 4 عقود في محاكمة جديدة انعقدت في باريس عام 1945.

ولبودلير فرحة أخرى تزامنت مع شهرة ديوانه. ففي السنة نفسها التي نشره فيها، جاءه البشير بموت زوج أمه الذي كان يكرهه ويعتبره أحد أسباب "ضياعه"، فبدأت علاقته مع والدته تعود شيئا فشيئا إلى سابق عهدها.

وكما اعتبر النقاد ديوان "أزهار الشر" انطلاقة للشعر الحداثي في فرنسا وأوروبا، فقد أحدث شارل بودلير رجة شديدة في الأوساط الأدبية أيضا يوم أصدر ديوانه "قصائد نثرية"، حيث رأى فيه كثيرون قمة الإبداع في جنس جديد من الكتابة الشعرية كان ما يزال آنذاك محتشما، وهو "قصيدة النثر".

ويبدو وكأن "أبا نواس" الفرنسي ضاق ذرعا بقيود الشعر التقليدي وقوانينه بنفس القدر الذي ضاق به بوطنه ومحيطه وظروف عيشه، فقرر أن يثور على قوالب الشعر كما ثار على قوانين الحياة.

أحد المظاهر الأخرى التي تميزت بها تجربة بودلير الأدبية هي تأثره بالكاتب والشاعر الأميركي إدغار آلان بو، الذي عاش هو الآخر مثل بودلير "على رصيف الحياة" وكان حظه عاثرا، فحياة الكاتب الأميركي حفلت بالشقاء والحرمان، وقال عنه بودلير إن "أميركا فقدت روائيا وناقدا وشاعرا وفيلسوفا لم تكن جديرة به".

كرّس بودلير جزءا من حياته وجهده لخدمة "رسالة" إدغار آلان بو، فترجم العديد من أشعاره وكتبه إلى اللغة الفرنسية، لأنه وجد فيها تقاطعات كبيرة مع منهجه في الحياة و"مبادئه" التي يؤمن بها.

الثورة الفرنسية.. رسالة فرنسا التي كفرت بها واعتنقها العالم
شارل بودلير حمل السلاح وساهم في الثورة الفرنسية عام 1848 (مواقع التواصل)

نادي الحشاشين

في تلك السنوات من القرن التاسع عشر، بدأ الأفيون والحشيش يغزوان فرنسا وأوروبا، وكانا من ضمن ما تعرّف عليه الفرنسيون في بعض مستعمراتهم في أفريقيا وآسيا، وأثار الموضوع اهتمام طبيب الأمراض العقلية والنفسية الفرنسي جاك جوزيف مورو، فقرر تأسيس ناد يطعم فيه رواده قطعا من الحشيش ويراقبهم ويدرس تأثيره على وعيهم وعقولهم.

ولم يجد لتطبيق فكرته أفضل من أمثال شارل بودلير ليخضعهم لتجاربه، خاصة أنه كان يسود اعتقاد في تلك الفترة أنه ربما كان لهذه المخدرات "تأثير إيجابي" في الفكر والإبداع.

وبالإضافة إلى بودلير، انضم إلى هذا النادي -الذي سمي نادي الحشاشين- مشاهير من أدباء فرنسا، أمثال: تيوفيل غوتيي وهونوري دو بالزاك وأوجين دو لاكروا وفيكتور هوغو وغوستاف فلوبير وألكسندر ديما وجيرارد دو نيرفال.

تأسس النادي بين 1844 و1849 في شقة كان يقطنها صديق بودلير الرسام فرناند بواسارد في فندق لوزان، وكتب عنه الفيلسوف والأديب تيوفيل غوتييه قصة في "مجلة العَالَمَين" الأدبية التي كانت تصدر آنذاك.

وطور غوتييه هذه القصة فيما بعد إلى رواية أصدرها تحت عنوان "نادي الحشاشين"، وصف فيها كيف ولج النادي وماذا حصل له بعد تناول الحشيش، وحاول أن يستذكر فيها بعض ما شعر به ورآه من "أشباح" ومواقف غريبة عندما خامر الحشيش عقله.

لكنه بعد مدة كتب عن هذه التجربة، قائلا "بعد عشرات التجارب تخلينا إلى الأبد عن هذا المخدر المسكر، ليس فقط لأنه أضرَّ بأجسادنا، ولكن لأن الأديب الحقيقي يحتاج فقط إلى أحلامه الطبيعية، ولا يجوز له أن يتأثر تفكيره بأي عامل آخر".

شارل بودلير أيضا كتب عن النادي في ديوانه "فراديس مصطنعة" (Les Paradis artificiels)، ويقال إنه من ترجم كتاب "اعترافات إنجليزي مدمن على الأفيون" (Confessions of an English Opium-Eater) الذي كتبه الكاتب الإنجليزي توماس ديكوينسي (قيل أيضا إن مترجمه ألفريد دو ميسي).

وقد كان دي كوينسي يقطن في شقة تحت الشقة التي كانت تؤوي هؤلاء الحشاشين، فأصاب ما أصابوا من ناديهم، ووثق ذلك في كتابه.

مؤسس النادي أيضا الدكتور جاك جوزيف مورو كتب كتابا بعنوان "الحشيش والاستلاب العقلي" (Du hachisch et de l’aliénation mentale)، ضمّنه خلاصة 4 سنوات من مراقبة أدباء فرنسا وندمائهم وهم يتناولون الحشيش.

الشاعر الفرنسي شارل بودلير. Charles baudelaire
شارل بودلير عاش يتيما وأمه على قيد الحياة وعاش فقيرا رغم أنه ورث ثروة طائلة (مواقع التواصل)

المؤلفات والإنجازات

وعلى الرغم من أنه عاش 46 سنة فقط، فإن مسيرة شارل بودلير الإبداعية كانت حافلة بكثير من المؤلفات في الشعر والأدب والنقد والترجمة، نذكر في ما يأتي أبرزها:

  • سلسلة كتب في النقد الفني عنونها "الصالونات" (1845، 1846، 1859).
  • كتاب "خمر وحشيش" (1851)
  • ترجمة أعمال الكاتب الأميركي إدغار آلان بو (1854)
  • ديوان "إلى عابرة" (1855)
  • ديوان "أزهار الشر" (1857)، ونشر نسخا منقحة منه في سنوات (1861، 1866، 1868).
  • ديوان "فراديس مصطنعة" (1860)
  • "حياة وأعمال أوجيني دو لاكروا"، وهو كتاب نقدي عن أعمال الرسام الفرنسي أوجين دو لاكروا (1863)
  • كتاب "الفن الرومانسي" (1868)
  • ديوان "كآبة باريس" (1869)
  • "قلبي العاري" وهو ديوان من قصائد نثرية (1887).

الشلل والوفاة

كما عهدته باريس، انغمس بودلير من جديد وهو في بروكسل في حياة الخمر والمجون، وهناك اكتشف أنه مصاب بعدة أمراض أبرزها مرض الزهري (السيفليس)، وهو من الأمراض المتنقلة جنسيا، وليس من وسط أحب إليه من ذلك الذي عاش فيه بودلير.

كما أصيب بشلل نصفي بعد سقوطه في كنيسة "سان لو" في مدينة نامور ببلجيكا سنة 1866، وبعدها أصيب بالخرس فسافرت أمه إلى بلجيكا وأعادته إلى باريس، وأمضى في إحدى مصحاتها سنة كاملة لا يقوى لا على حراك ولا نطق، وحتى بعض المعاملات القانونية التي أنجزها في أواخر حياته كانت عبر إيماءات وإشارات.

توفي يوم 31 أغسطس/آب 1867، وهو لم يتجاوز بعد سنَّ السادسة والأربعين، ودفن في مقبرة العائلة بمنطقة مونبارناس في باريس.

توفيت أمه بعده بأربع سنوات، كما أن أخاه كلود ألفونس بودلير -الذي كان قاضيا- مات قبله بسنوات، وقد قضى هو الآخر مشلولا وعمره 46 سنة.

المصدر : الصحافة الفرنسية + مواقع إلكترونية