حنة آرنت.. فيلسوفة "الشرّ" و"الثورة"

حنة آرنت، منظرة سياسية علمانية ألمانية أميركية، ولدت عام 1906، وتعد من أبرز المفكرين تأثيرا في القرن العشرين. اشتهرت بعلاقتها مع الفيلسوف الوجودي مارتن هايدغر، وبنقلها محاكمة المسؤول النازي أدولف أيخمان في القدس، وتوفيت عام 1975.

قدّمت مصطلح "تفاهة الشرّ" كمحاولة لفهم الأسباب الحقيقية وراء الشرّ الإنساني، وخلُصت إلى أن الشخص يصبح شريرا عندما يرفض أن يفكر.

الولادة والنشأة

ولدت حنة آرنت يوم 15 أكتوبر/تشرين الأول 1906 في هانوفر بألمانيا، لعائلة يهودية الأصل. فقدت والدها بول آرنت في سن السابعة، فتولت والدتها مارثا تنشئتها ضمن مبادئ وأفكار تقدمية، لأنها كانت مناصرة لأفكار الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني.

أبدت الشابة حنة اهتماما مبكرا بالفلسفة اليونانية، مما جعل والدتها ترتب لها حضور فصول جامعية مباشرة بعد دراستها الثانوية.

انتقلت إلى برلين عام 1922 لدراسة الكلاسيكيات الفكرية، وأخذت دروسا في اللغة اللاتينية واليونانية، كما تعمقت في دراسة اللاهوت المسيحي على يد رومانو غوارديني، الوجودي المسيحي الذي عرفها بأعمال الفيلسوف الدانماركي سورين كيركيغارد، والفيلسوف الألماني كارل غاسبرز.

صورة للكاتبة الأميركية الألمانية حنة آرنت وزوجها الشاعر هاينريش بلوخر عام 1960 (غيتي)

التحقت عام 1924 بجامعة ماربورغ، وبدأت دراسة الفلسفة تحت إشراف الفيلسوف مارتن هايدغر، وسرعان ما تطور الأمر بينهما إلى علاقة عاطفية سرّية، لم تدم طويلا بسبب ضغوط إلفرايد بيتري زوجة هايدغر التي كانت كاثوليكية محافظة.

استمرت العلاقة بين آرنت ومعلمها فكريا، فظهرت تأثيراتها على كتاباتها وتوجهاتها الفلسفية فيما بعد، ولا سيما عند اختيارها موضوع أطروحة الدكتوراه الموسومة بـ"مفهوم الحب لدى أوغستين" في جامعة فرايبورغ تحت إشراف كارل غاسبرز.

نشرت الأطروحة عام 1929، وربطت من خلالها مفاهيم الحب المختلفة لدى أوغستين بالتجربة الإنسانية للزمن، بحيث تقول "كل فكر له علاقة بالتجربة الشخصية، وكل فكرة هي نظرة إلى الوراء، وفكرة متأخرة، وانعكاس في الأمور أو الأحداث المبكرة".

تزوجت عام 1940 من الفيلسوف اليهودي هاينريش بلوخر.

التوجّه الفكري

قدمت حنة آرنت مقاربات نقدية في النظرية السياسية من خلال تحليل الفكر السياسي في العصر الحديث، وربطه بمختلف التأثيرات الوجودية التي تبحث عن مساحة للعدالة والعمل الأخلاقي.

لكن وصول هتلر إلى السلطة كان له تأثير بالغ الأهمية على حياتها الفكرية، وعلى توجهاتها في التنظير للفلسفة السياسية، فقررت الفرار ومغادرة ألمانيا إلى باريس سنة 1933، جراء الاعتقالات في صفوف الحزب الاشتراكي الألماني.

وفي سنة 1941، وخلال الغزو الألماني لفرنسا، أجبرت مرة أخرى على الانتقال إلى نيويورك مع زوجها بلوخر ووالدتها.

في نيويورك؛ سرعان ما انخرطت في الدوائر النخبوية المؤثرة هناك، والذين اجتمعوا حول مجلة "بارتزان رفيو" (Partisan Review).

خلال فترة ما بعد الحرب، حصلت على الجنسية الأميركية عام 1950 وأصبحت أستاذة للفلسفة السياسية، وألقت محاضرات في عدد من الجامعات الأميركية على غرار برينستون وبيركلي وشيكاغو، وأظهرت ارتباطا منهجيا بالمدرسة الجديدة للبحوث الاجتماعية.

ولدت حنة آرنت في 15 أكتوبر/تشرين الأول 1906 في هانوفر بألمانيا لعائلة يهودية (غيتي إيميجز)

التجربة الفكرية والفلسفية

كسبت حنة مكانتها العلمية فور صدور كتابها "أصول الشمولية" الصادر سنة 1951، وهو دراسة مقارنة للأنظمة النازية والستالينية، توضح فيه أن الشمولية تتعدى كونها نظاما سياسيا دكتاتوريا، إذ لا يمكن تجسيدها إلا من خلال الحشود التي تكون جاهزة لكافة التلاعبات والمغامرات السياسية، كما تعتبر البيروقراطية والتكنولوجيا شكلا جديدا من أشكال الشمولية.

وفي سنة 1961، حضرت محاكمة أدولف أيخمان، النازي المسؤول عن تنظيم نقل يهود إلى معسكرات الاعتقال، بصفتها مراسلة لمجلة نيويوركر في القدس، وأسفرت تلك التقارير الصحفية عن كتاب "أيخمان في القدس، تقرير عن تفاهة الشرّ"، الذي سبب لها الكثير من الجدل في الأوساط اليهودية، بحيث اتّهمت بأنها يهودية تكره نفسها، وذلك بسبب أفكارها عن مصطلح "تفاهة الشر"، الذي تقصد به أن الأفعال الشريرة قد لا تصدر عن أشخاص أشرار بالضرورة، وإنما قد تصدر من أشخاص لا دافع لهم، لا يتمكنون من التفكير أو يرفضون التفكير أصلا، وبالتالي يصبح الشخص شريرا عندما يرفض أن يفكر، مؤكدة أن المنظم الرئيسي للهولوكوست كان رجلا عاديا للغاية، اعتمد على الكليشيهات الفكرية لتبرير جرائمه ضد الإنسانية، وأنه كان يمتثل للقوانين لا غير.

دافعت حنة آرنت عن نفسها ضد الهجومات التي طالتها، مؤكدة أن الحب الوحيد الذي كانت قادرة عليه هو حب أصدقائها، وأنها لم تشعر بانتمائها إلى شعب معين، واعتبرت أن هذا "دليل تحرر"، وأن أصولها اليهودية حقيقة من حقائق الحياة، تختلف عن موقفها ووجهة نظرها العلمانية.

لم تكن حنة آرنت، شخصية مؤثرة داخل المجتمع الأكاديمي فقط، بل في الثقافة الفكرية أيضا، إذ عارضت الحرب على فيتنام، وأثبتت أنها مراقِبة جيدة للأحداث المعاصرة، وباستطاعتها أن تدمج كل ذلك في روايات تاريخية أوسع وأسئلة دائمة للفلسفة.

واصلت عملها مع صدور كتابها "في الثورة" سنة 1936، وتابعت طرح نظرياتها السياسية في تفكيك علاقة الحكم بالجماهير والاستعمالات المتعددة للعنف والعنصرية.

الوظائف والمسؤوليات

لم تنتم حنة آرنت مباشرة إلى هيئة علمية إلا في أواخر حياتها، وذلك حفاظا على استقلاليتها الفكرية.

فقد عملت من عام 1941 إلى 1945 في نيويورك في صحيفة يهودية ناطقة بالألمانية (Aufbau)، وساهمت في عدد من منشورات المهاجرين الألمان.

كما عملت أستاذة زائرة في جامعات نوتردام وكاليفورنيا وبيركلي وبرينستون ونورث وسترن وجامعة شيكاغو، وكانت عضوا في لجنة الفكر الاجتماعي في المدرسة الجديدة بمنهاتن.

انتخبت زميلة في الأكاديمية الأميركية للفنون والعلوم سنة 1962، وعضوا في الأكاديمية الأميركية للفنون والآداب سنة 1964.

عند وفاتها، كانت أستاذة جامعية للفلسفة السياسية في المدرسة الجديدة للبحوث الاجتماعية في مدينة نيويورك.

الوفاة

في المرحلة الأخيرة من حياتها، صرّحت حنة آرنت لصديقها الفيلسوف هانز جوناس، أنها قد قامت بواجبها في السياسة وعليها الآن التفرغ للفلسفة.

وخططت للعمل على البحث أكثر في الحالة البشرية وبالضبط في الإرادة البشرية، وحياة العقل، والعمل والتأمل، وهو مشروعها الذي عثر عليه في آلتها الراقنة بعد وفاتها، في 4 ديسمبر/كانون الأول 1975 إثر نوبة قلبية، عن عمر ناهز 69 عاما.

دفنت في كلية بارد في أنانديل أون هدسون في نيويورك، إلى جانب رفات زوجها هاينريش بلوخر.

أهم المؤلفات

  • الحب والقديس أوغستين، عام 1929.
  • أصول الشمولية، عام 1951.
  • راحيل فارنهاغن.. حياة يهودية، عام 1957.
  • الحالة الإنسانية، عام 1958.
  • في الثورة، عام 1963.
  • أيخمان في القدس.. تقرير عن تفاهة الشر، عام 1964.
  • عن العنف، عام 1970.
  • حياة العقل، عام 1978.
المصدر : مواقع إلكترونية