برينتون تارانت.. سفاح مذبحة المسجدين في نيوزيلندا

برينتون تارانت أسترالي يميني متطرف ومعاد للمهاجرين، من مواليد عام 1990، نفذ هجوما إرهابيا في التاسع من مارس/آذار 2019 على مسجدين في نيوزيلندا أسفر عن مقتل 51 مسلما وإصابة العشرات، وهو أول مجرم يتم اتهامه بموجب قانون قمع الإرهاب في نيوزيلندا، وحكم عليه بالسجن المؤبد عام 2021.

عبّر برينتون تارانت عن دافعه الإجرامي قائلا "لا أشعر بالندم. وأتمنى فقط أن أستطيع قتل أكبر عدد ممكن من الغزاة".

المولد والنشأة

ولد تارانت عام 1990 ونشأ في بلدة غرافتون التي تقع شمال "نيو ساوث ويلز" في أستراليا، ثم أقام في "دوندين" بنيوزيلندا نهاية عام 2017.

تارانت الابن الثاني لأبويه البريطانيين، وتعد عائلته من الطبقة العاملة ذات الدخل المنخفض، حسبما عرّف عن نفسه في بيانه "الاستبدال العظيم" (اسم حركة يمينية متطرفة ضد المهاجرين) على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك.

وأضاف في البيان المكون من 74 صفحة أنه مر "بطفولة عادية بلا مشاكل كبيرة". ويصفه زملاء الدراسة بأنه كان طفلا منعزلا بلا أصدقاء، يقضي معظم وقته وحده في غرفته جالسا على شاشة الكمبيوتر، كما عُرف بكثرة مقالبه (كان بعضها مؤذيا) وتنمره على غيره.

تقول فيتزغيرالد، جدة تارانت التي اعتنت به هو وأخته الكبرى لورين، إن المشاكل العائلية التي عانت منها الأسرة وانتهت بطلاق الوالدين قد تكون سببا في نشوئه في بيئة متوترة، وتقول أيضا إنه كان صبيا شقيا ويهرب منها دائما.

لم يكن لتارانت أي اهتمام بالرياضة، فبينما كانت العائلة تذهب لمشاهدة أخته الكبرى وهي تلعب الهوكي، كان يجلس بعيدا ولا يلقي بالا لما يدور حوله ويكتفي باللعب بالرمال وحده.

وكانت لتارانت مهارات رياضية وقدرة بدنية كوالده المهووس بالرياضة، ففي مرحلته الثانوية تعرض لإصابة في ركبته تطلبت منه الذهاب للعلاج، وبدأت ميوله الرياضية تظهر وأصبح مهووسا كوالده مع مرور الوقت.

وفي شبابه قيل إنه كان شابا وقحا جدا، ويمارس بعض الأفعال المؤذية، لكنها لم تكن مروعة بقدر هجومه الأخير.

الدراسة والعمل

توقف برينتون تارانت عن التعليم عند المرحلة الثانوية، ولم يلتحق بالجامعة لأنه لم يكن يرى فيها شيئا يستحق العناء.

عمل مدربا شخصيا في مركز للإسكواش واللياقة البدنية عام 2010، وعرف باتباعه نظاما غذائيا صارما وكان يكرس جل وقته للتمرين وتدريب الآخرين، ولم يتكلم من قبل عن معتقداته السياسية أو الدينية، لكنه كان سيئا في العلاقات الاجتماعية كما وصفته إحدى النساء التي ترددت على المركز. وعرف بصرامته في نظامه الغذائي، والذي فرضه على العملاء في الصالة بمختلف أجناسهم وأعراقهم.

مشاركته على مواقع التواصل الاجتماعي أظهرت شيئا من شخصيته الدفينة، حيث وصف نفسه في إحدى مدوناته ردا على شخص اتهمه إما بعدم احترام ذاته أو انعدام ثقته لعدم رغبته في العمل، فكتب قائلا "أنا وحش قوي الإرادة.. استطعت خسارة 52 كيلوغراما من وزني في شهر، والتزمت بنظام غذائي لـ3 سنوات، ودربت 20 شخصا يوميا، يمكنني فعل كل شيء أضعه في ذهني".

عام 2010، أصبح ناشطا في منتديات لـ"القومية البيضاء"، وتلقى مبلغا ضخما من التأمين بعد وفاة والده، فقرر الاستمتاع بباقي حياته بعيدا عن البحث عن وظيفة.

ترك عمله مدربا وقرر السفر والسياحة بعد المبلغ الكبير الذي حصل عليه من ميراث والده، ثم انخرط في أعمال "إزالة الكباب" (مصطلح دارج على الإنترنت يرمز لنشاط "منع الإسلام من غزو أوروبا").

رحلة سياحية حوّلته لإرهابي

سياحته أخذت منحى آخر غير متوقع، فبعد رحلة في 27 منطقة بدأ اهتمامه بالتاريخ في المنطقة الأوروبية والحروب الصليبية، التي دارت بين الإمبراطورية العثمانية والدول الأوروبية.

سافر بداية عام 2017 إلى مناطق المعارك التي دارت بين الطرفين منها صربيا، وفيها مرّ على متحف ماركو ميليانوف بوبوفيتش (وهو جنرال صربي من الجبل الأسود قاتل العثمانيين في القرن الـ19). وقد وضع اسم هذا الجنرال على سلاحه الذي نفذ به مذبحة المسجدين، ونشر صورة له.

عرّج أيضا في رحلته هذه على فرنسا وتضايق من امتلائها بعدد كبير من المهاجرين المسلمين، واعتبر ذلك "غزوا".

قرر بعدها في أغسطس/آب 2017 الانتقال إلى نيوزيلندا والتدرب من أجل شن هجوم على مسلمين حول العالم، لكنه لاحظ أنها بلد "غني بالأهداف" فقرر تنفيذ خطته هناك.

توجهه الفكري

لم يعترف الإرهابي بانتمائه لأية حركة سياسية، لكنه يدعم أيديولوجية اليمين المتطرف، ويتبنى سياسة معاداة المهاجرين، وأكد أنه نفذ الهجوم بدوافع شخصية، فهو "يمثل ملايين الأوروبيين الذين يتطلعون للعيش على أرضهم وممارسة تقاليدهم الخاصة"، وفق قوله.

تأثر تارانت بالرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، فهو يعتبره "رمزا لإعادة الاعتبار لهوية البيض"، وتأثر أيضا بالناشطة المؤيدة لترامب كانداس آمبر أوينز.

استوحى تارانت هجومه الإرهابي من مرتكب "هجمات أوسلو" الماسوني أندرس بيهرينغ بريفيك في النرويج عام 2011، والتي راح ضحيتها 77 مسلما معظمهم فتيان.

ارتبط تارانت بعدد من الجماعات اليمينية المتطرفة في أوروبا، منها الفرعان الفرنسي والنمساوي لـ"حركة الهوية"، حيث تبرع بما يتراوح بين ألف و1700 يورو لكل منظمة بين عامي 2017 و2018.

و"حركة الهوية" حركة قومية تروج لنظرية "الاستبدال الكبرى"، والتي ترى أن استقبال المهاجرين من العرب والمسلمين في أوروبا سيتسبب بالاستعاضة عن العرق الأبيض بنسلهم المسلم، مما يشكل خطرا على الثقافة الأوروبية تحت مبدأ الغزو الناعم، ويستدعي "تصديا عاجلا قبل فوات الأوان" وفق قول أصحابها.

جلوس تارانت الطويل على الإنترنت هو ما أوصله لـ"حركة الهوية" التي عملت على تجنيد الشباب عن طريق المنتديات وألعاب الكمبيوتر، والتي تصور لأعضائها أنهم ضحايا ظلم تاريخي، وأنهم محاربون شجعان وقادرون على حمل السلاح والدفاع عن عرقهم.

وقد انتشرت هذه النظرية في أوروبا، وينتمي لهذه الحركة العديد من السياسيين اليمينيين المتطرفين، بما فيهم إريك زمور في فرنسا (المرشح للرئاسة في انتخابات فرنسا 2022)، ويثني معظمهم على الزعيم الصربي المتطرف سلوبودان ميلوسيفيتش.

دوافع ارتكاب المجزرة

نشر تارانت أيضا في بيانه أسباب ارتكابه للمجزرة، وكان السبب الأول فيها ما قال إنه التزايد الكبير لأعداد المهاجرين "المحتلين الغزاة" كما يصفهم.

وقال أيضا "أرضنا لن تكون يوما للمهاجرين، وهذا الوطن الذي كان للرجال البيض سيظل كذلك، ولن يستطيعوا يوما استبدال شعبنا".

وأضاف أن ارتكابه للمجزرة كان من أجل الانتقام لمئات آلاف القتلى الذين سقطوا بسبب "الغزاة في الأراضي الأوروبية على مدى التاريخ".

وزعم أن جريمته تأتي انتقاما لهجوم بالسويد حدث في أبريل/نيسان 2017، حيث إن ذلك العام كان بداية ولادة رغبته في تنفيذ الهجوم.

وخلال رحلته السياحية في أوروبا وقع حادثان عززا تطرفه عام 2017، أولهما الحادث الذي قاد فيه لاجئ أوزبكي شاحنة بين حشد من الناس في ستوكهولم بالسويد، مما أسفر عن مقتل 5 أشخاص في السابع من أبريل/نيسان.

والثاني في السابع من مايو/أيار من العام نفسه بعدما هزم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المرشحة الرئاسية الفرنسية المناهضة للهجرة مارين لوبان، فوجد تارانت أن "مشاعره تتأرجح بين الغضب الشديد واليأس الخانق من إهانة غزو فرنسا (يقصد المهاجرين)".

وعبّر تارانت عن رغبته باستهداف عدة شخصيات، منها المستشارة الألمانية آنذاك أنجيلا ميركل وعمدة لندن صادق خان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

وعلى منتدى عبر الإنترنت اسمه "شان 8" معروف بترحيبه بالعنصريين ومثليي الجنس وكارهي الإسلام، أعلن تارانت عن نيته ارتكاب عمل إرهابي.

واستخدم بيان القاتل لغة مصممة للإنترنت، وخصوصا لهذه المواقع بهدف تشجيع المشاهدين والذين يحملون نفس الفكر على دراسة واستلهام أفكاره بغرض نشر هذه المفاهيم على مستوى واسع.

التخطيط للعملية

اختار تارانت نيوزيلندا لارتكاب عمليته الإرهابية رغبة منه في توجيه رسالة "للغزاة بأنهم ليسوا بمأمن حتى في أبعد بقاع الأرض"، فانتقل إلى نيوزيلندا واستأجر شقة "دوبلكس" بنيت بعد الحرب العالمية الثانية في دينين.

وبعد شهر من توقيع الإيجار قدّم طلبا للحصول على رخصة سلاح، ووفقا للإجراءات الأمنية، وبعد زيارة الشرطة لمنزله، وافقت على إمضاء الطلب بالترخيص له في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، ثم اشترى 4 بنادق وذخيرة.

ورغم ملاحظة والدته أنه في وضع مريب وأن حياته قد بدأت بالانحراف، وذلك بعدما أخرج أسلحته متفاخرا أمامها عند زيارتها له، لكنها لم تفعل شيئا لظنها أنه ربما يمارس هواية فقط ولن يشكل خطرا على المجتمع.

لم يعمل تارانت في نيوزيلندا، بل كان ينتقل من الصالة الرياضية إلى ممارسة استخدام الأسلحة النارية في ساحات الرماية بالقرب من منزله جنوب دينين، وكان عضوا في نادي "بروس رايفل" (أغلق بعد المجزرة) للرماية في قرية ميلبورن الذي ضم بعضا من المتطرفين، ويقال إنه قد حضر بعض اجتماعاتهم.

وكان أحد رواد نادي الرماية (عضو سابق في قوة دفاع نيوزيلندا بيت بريدال) قد أعلم الشرطة عن شعوره بالقلق مما يتم مناقشته في اجتماعات النادي، والتي تدور في فلك العنف، فاعتبرها بيئة مثالية لتنشئة منفذي عمليات القتل، لكن الشرطة اعتبرت أعضاءه مجرد رجال كبار في السن فلم تتخذ موقفا.

اختار تارانت لعمليته مسجد النور تحديدا لأن رواده كثر، في رغبة منه لتنفيذ هجومه على أكبر عدد ممكن من المسلمين، علما أن اختياره الأول كان مسجد دنيدن في جنوب البلاد لكنه غير رأيه.

ويدّعي تارانت أن من يستهدفهم ليسوا ضحايا "لأن كل من يغزو أرض الآخرين يتحمل تبعات فعلته".

اعترف بأنه خطط للقيام بهجوم كهذا قبل عامين من العملية، لكن قرار التنفيذ في مدينة "كرايست تشيرتش" اتُخذ قبل 3 أسابيع فقط من الهجوم.

المجزرة الإرهابية

في التاسع من مارس/آذار 2019 بدأ سفاح نيوزيلندا بتنفيذ مذبحته العنصرية حيث اقتحم مسجدين في بلدة كرايست تشرتش الهادئة وقتل 51 مسلما أثناء تأدية صلاة الجمعة، وعرض جريمته عبر بث حي في مواقع التواصل الاجتماعي ليراها العالم أثناء حدوثها.

بدأ تارانت تصوير جريمته من داخل سيارته تحت أنغام الموسيقى، مرتديا دروعا واقية وزيا عسكريا وخوذة، قائلا "دعونا نبدأ هذه الحفلة".

كانت الأغنية التي قام بتشغيلها أغنية باللغة الصربية تشير إلى رادوفان كارادزيتش، الملقب بـ"سفاح البوسنة"، وهو سياسي صربي مدان بجرائم عدة بينها "ارتكاب إبادة جماعية" و"ارتكاب جرائم ضد الإنسانية" و"انتهاك قوانين الحرب"، ضد المسلمين إبان حرب البوسنة.

بعد نزوله من السيارة سحب واحدة من البنادق الآلية وعددا من خزائن الذخيرة، متوجها مباشرة صوب مسجد النور بالمدينة حيث كانت شعائر صلاة الجمعة قد بدأت للتو.

إطلاق النار لم يتوقف تقريبا طوال الفيديو الذي امتد لنحو 15 دقيقة، حيث أطلق النار على كل من قابله، وطارد الفارين من المسجد، ودخل مصلى السيدات، وقتل وقتها 51 مسلما، وأصاب العديد من المصلين.

يشير البيان الذي نشره تارانت إلى أنه كان في طريقه إلى هدف ثالث، وهو مسجد في أشبورتون خارج كرايستشيرش، قبل أن تعترض طريقه الشرطة وتعتقله من داخل سيارته.

وقد وردت أنباء كاذبة عن هجوم على مستشفى كرايست تشرتش حيث تم نقل الناجين، وعليه احتاجت أن تعرف السلطات إن كان المهاجم جزءا من شبكة إرهابية أم عملا فرديا، فقررت إغلاق المدينة، وأزالت حواجز الطرق فقط للسماح للعمال وأطفال المدارس بالعودة إلى المنزل في الساعة السادسة مساء في تلك الليلة.

ولوحظ بعد التحقيق أنه كان جزءا من شبكة متطرفة عبر الإنترنت شجعته أثناء قيامه بهجومه أثناء بثه المباشر للمجزرة.

عبارات كتبها منفذ هجوم نيوزيلندا على سلاحه
عبارات كتبها منفذ هجوم نيوزيلندا على سلاحه (مواقع التواصل الاجتماعي)

أداة الجريمة

ملأ القاتل سلاحه بعبارات ومصطلحات عنصرية تلخص فلسفته كلها، ومن بينها "آكلو الأتراك" (Turcofagos) وهو اسم لعصابات يونانية بالقرن الـ19 كانت تشن هجمات دموية ضد العثمانيين، وكذلك عبارة "اللاجئون، أهلا بكم في الجحيم".

كما كتب على سلاحه عبارة "1683 فيينا" في إشارة إلى تاريخ معركة فيينا التي خسرتها الدولة العثمانية ووضعت حدا لتوسعها بأوروبا، وكذلك تاريخ "1571" في إشارة إلى معركة ليبانتو البحرية التي خسرها العثمانيون أيضا.

كُتب على جانب البندقية أيضا رقم 14 في إشارة إلى شعار يستخدمه العنصريون البيض يتألف من 14 كلمة، بالإضافة لإشارات أرمينية وعبارة تسخر من كتيب أعدته الأمم المتحدة لكيفية التعامل مع المهاجرين.

الحكم

حُكم على برينتون تارانت في أغسطس/آب 2021 بالسجن مدى الحياة دون إمكانية إخلاء السبيل المشروط بتهمة قتل 51 شخصا والشروع في قتل 40 آخرين.

واعتبرت الحادثة أسوأ واقعة إطلاق نار من نوعها في تاريخ نيوزيلندا، ويعد تارانت المجرم الوحيد في نيوزيلندا الذي تم تصنيفه إرهابيا.

وخلال إصدار الحكم، قال القاضي كاميرون ماندر إنه سينزل أقسى عقوبة ممكنة بتارانت؛ بسبب أفعاله "غير الإنسانية".

وأضاف ماندر في ذلك الوقت موجها كلامه لتارانت "جرائمك خطيرة للغاية، ولو تم سجنك حتى وفاتك فلن يكفي هذا لاستنفاد متطلبات العقوبة والإدانة".

وفي الثامن من نوفمبر/تشرين الثاني 2022 قدّم برينتون تارانت استئنافا للحكم بسجنه مدى الحياة.

المصدر : الجزيرة + وكالات + مواقع إلكترونية