العقيدة العسكرية.. ما هي؟ وما أنواعها؟ وما مرتكزاتها؟

العقيدة العسكرية هي المذهب العسكري الذي تتخذه الدولة لبناء جيشها وتأسيس كل مجالاتها العسكرية، وهي مجموع المبادئ والقيم التي تحكم أداء الجيش وتروم صيانة المصالح العامة للدولة.

تنقسم العقيدة العسكرية إلى عدة أقسام، فمنها البيئية ومنها الأساسية ومنها التنظيمية، كما أنها تتأثر بالعوامل الداخلية والخارجية، وتخضع للتحولات الاقتصادية والسياسية.

التعريف والدلالة

تكاد تجمع مختلف المعاجم على التعريف نفسه للعقيدة العسكرية، وتكاد تحدد لها المفهوم نفسه؛ فمعاجم اللغة العربية تعرف كلمة "عقيدة" بأنها "ما عقد عليه القلب والضمير، ويدين به الإنسان"، وهذا التعريف يخص فقط كلمة عقيدة، ولذلك فهو يحيل اصطلاحا إلى العقيدة الدينية، ولا يتخلص من معناه الاصطلاحي إلا بإضافة المقصود منه.

وكلمة "العقيدة العسكرية" يشوبها كثير من الغموض؛ فهناك خلط بين معنى العقيدة العسكرية وبين الواجب المهني للقوات المسلحة. ومن المهم جدا إيضاح هذا الأمر والانتباه له ومعرفته، ولو بالقدر الأدنى لفهم معاني مفردات الفكر العسكري.

فالعقيدة العسكرية هي المذهب العسكري الذي تتخذه الدولة لبناء جيشها وتأسيس كل مجالاتها العسكرية، كما استعمل مصطلح "العقيدة العسكرية" بشكل عام للدلالة على المستوى الإستراتيجي، وهو الإطار لجميع مستويات العقيدة العسكرية.

ولزيادة توضيح هذا الإطار الغامض والتمييز بين مستويات هذه العقيدة، فقد تم استخدام مصطلحات أخرى مثل "العقيدة القتالية" (Fighting Doctrine) للدلالة على المستوى العملياتي من العقيدة العسكرية، و"عقيدة القتال" (Combat Doctrine) للإشارة إلى المستوى التعبوي.

ومصطلح "العقيدة العسكرية" يتضمن كلمتين: "عقيدة" و"عسكرية". ومن الأنسب قبل الخوض في تعريف مفهوم لهذا المصطلح أن نعرف أولا المعنيين المعجميين للكلمتين:

فكلمة "عقيدة" من عقد، وهو "ما عقد الإِنسان عليه قلبه جازما به؛ فهو عقيدة؛ سواءٌ أكان حقا، أَم باطلا". ويلاحظ أن كلمة عَقَدَ تدل على: الوثوق، والثبات، والصلابة.

وقد جاء في المعجم الوسيط في تعريف العقيدة أنها "الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقده، والعقيدة في الدين ما يقصد به: الاعتقاد دون العمل، كعقيدة وجود الله وبعث الرسل، والجمع عقائد".

أما كلمة "العسكرية" من عسكر، وهي كلمة فارسية تم تعريبها وأصلها لَشْكَر، و"العسْكرُ: الجيشُ ومجتمعه، والكثيرُ من كلِّ شيء. يقال: عَسكَر من رجال، وعَسْكَر من خَيْلٍ.

وعَسْكرُ الليلِ: ظُلْمَتُهُ. وانْجلَت عنه عساكرُ الهموم: زال هَمُّهُ. وشَهدْتُ العَسْكَرَيْنِ: عَرَفَةَ، ومِنًى. والجمع: عَسَاكِرُ. والعسكرة: الشدة".

والناظر في التعريف يلاحظ أن كلمة العسكرية تدور حول معنيين: الكثرة، والشدة، ومن ثم فهما يعبران عن الجيش الذي يمتاز بالكثرة والشدة والقوة.

وبناء على هذه التوضيحات، تعرف العقيدة العسكرية بأنها "مجموعة من القيم والمبادئ الفكرية التي تهدف إلى إرساء نظريات العلم العسكري وعلوم فن الحرب، لتحدد بناء واستخدامات القوات المسلحة في زمن السلم والحرب بما يحقق الأهداف والمصالح الوطنية".

ولو تمعنا في هذا التعريف، سنجد أنه يغطي جميع مستويات العقيدة، ويركز على المستوى الإستراتيجي ويعطيه اهتماما خاصا باعتباره أساسا لبقية مستويات العقيدة.

إذن، فالعقيدة العسكرية هي مُجمل المفاهيم والمبادئ والسياسات والتكتيكات والتقنيات والتدريبات والأساليب المُستخدمة أو المُتّبعة لضمان كفاءة تنظيم وتدريب وتسليح وإعداد وتوظيف المؤسسة العسكرية لوحداتها التكتيكية والخدمية.

والعقيدة العسكرية كي تصح تسميتها عقيدة يجب أن تكون مشروعا متكاملا يبدأ من أعلى سلطة في الدولة حتى يصل للجندي في الميدان؛ ويُعتمد فيه على حاجة الدولة إلى الأمن لحماية مصالحها الوطنية.

كما أنها تعمل على الربط بين النظريات والتاريخ والتجارب والخبرات العملية، وتهدف إلى تعزيز التفكير الإبداعي والابتكاري داخل المؤسسة العسكرية لإيجاد حلول غير نمطية في مواجهة المواقف القتالية المتعددة، علاوة على إمدادها المؤسسات العسكرية بأساليب قيام القوات المسلحة بتنفيذ العمليات المختلفة ووضع دستور محدد يستخدمه القادة العسكريون وواضعو الخطط القتالية في أثناء إدارتهم المعارك.

أنواع العقيدة العسكرية

من الأسباب الرئيسية في عدم الإلمام بمفهوم العقيدة العسكرية بالشكل الصحيح هو القصور في التمييز بين مستويات العقيدة، التي في مضمونها صُنفت العقيدة العسكرية إلى أنواع، لكل منها حدوده ومفهومه وخصائصه التي تميّزه عن غيره.

وعلى الرغم من ذلك، فإن ثمة ارتباطا وثيقا بين هذه الأنواع، فلا يمكن فصلها عن بعضها بعضا، ولا يمكن الاستغناء عن أحدها، لأن كل نوع مكمل للآخر، وجميعها يشكل العقيدة العسكرية في صورتها الكاملة.

النقطة العامة في أنواع العقيدة العسكرية هي وجود عقيدة على مستوى الدولة، وتسمى "العقيدة الشاملة للدولة"، وغالبا ما يحدث خلط بين هذا المستوى وبين المستوى الإستراتيجي للعقيدة العسكرية.

وهذا الخلط يُعد من المواضيع الرئيسية التي تسبب الغموض حول مفاهيم العقيدة العسكرية، فالعقيدة الشاملة للدولة هي مجموعة التعاليم والقيم السامية والمبادئ السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والمعنوية والعلمية التي نبعت من حضارة الشعب ورسخت في وجدانه وضميره، فعندما نذكر العقيدة الأساسية للدولة، فإننا في الحقيقة نذكر العقيدة الشاملة وليست العسكرية.

وتتلخص أنواع العقيدة العسكرية في 3 أنواع رئيسية: العقيدة الأساسية، والعقيدة البيئية، والعقيدة التنظيمية.

1- العقيدة الأساسية:

هي مبادئ تساعد على تحديد الإطار العام للعقيدة العسكرية على المستوى الإستراتيجي، وتقوم بتوجيهها أيضا.

ونطاق هذا النوع من العقيدة واسع جدا، ولا تعلوه إلا العقيدة الشاملة للدولة، ولا يجوز أن يتأثر هذا النوع من العقيدة إلى درجة كبيرة بالسياسة والتقنية، مقارنة بالمستوى العملياتي والتعبوي من العقيدة العسكرية.

2- العقيدة البيئية:

وهي ثاني أنواع العقيدة العسكرية على المستوى العملياتي، وهي عبارة عن المبادئ الأساسية التي تنتهجها الوحدات الرئيسية للقوات المسلحة، لتوجيه جميع نشاطاتها العسكرية المختلفة لتحقيق الأهداف المرسومة لها.

وتعد العقيدة البيئية مكملة للعقيدة الأساسية التي توجه مستخدميها إلى الأهداف العسكرية والوطنية التي ينشدونها، وهي التي تربط بين العقيدة في أعلى مستوياتها (الإستراتيجي) وأدنى مستوياتها (التعبوي).

وتتميز العقيدة البيئية بأنها أضيق نطاقا من العقيدة الأساسية، بمعنى آخر أنها تتركز على مواضيع ضمن حدود معينة وتبرزها بتفاصيل أكثر وضوحا.

وتتأثر العقيدة البيئية إلى درجة كبيرة بمؤثرات خارجية، مثل التغيرات التقنية والتغيرات السياسية والإستراتيجية، ولهذا نجدها تتغير باستمرار.

ومن أمثلة العقيدة البيئية، العقيدة القتالية للعمليات المشتركة، إضافة إلى العقائد القتالية للقوات البرية والجوية والبحرية.

3- العقيدة التنظيمية:

وهي المبادئ الأساسية التي تتبعها التشكيلات المختلفة في أي قوة عسكرية لغرض القيام بواجباتها وإنجاز المهام المنوطة بها كجزء من القوات المسلحة.

وتنسحب العقيدة التنظيمية على المستوى التعبوي للعقيدة العسكرية، وهي من أكثر أنواع العقائد العسكرية تفصيلا، فهي توضح المهام والأدوار ومبادئ الاستخدام لكل نشاط عسكري.

ويتميز هذا المستوى من العقيدة العسكرية أيضا بخصائص تكسبه طابعا يميزه عن الأنواع الأخرى، ومن هذه الخصائص أنه أضيق أنواع العقيدة العسكرية، مقارنة بالمستويين الآخرين، وكذلك هو أكثر أنواع العقيدة العسكرية تغيرا، نظرا لتأثره الكبير والمباشر بالتطورات التقنية والخبرات والتجارب الفعلية والتدريبية المستمرة.

مصادر العقيدة العسكرية

لا بد للعقيدة العسكرية من أسس تقوم عليها، ومصدر تتغذى عليه حتى تصل إلى مرحلة النضج، ثم تستمر لكي تفي بالغرض المطلوب.

وتتلخص مصادر العقيدة العسكرية في العقيدة الشاملة للدولة التي تُعد المصدر الأساسي لجميع مستويات العقيدة بشكل عام، والعقيدة العسكرية الأساسية بشكل خاص. ومن الأمثلة على عقائد الدول: العقيدة الدينية، والأيديولوجيات والأسس والمبادئ التي يضعها القادة السياسيون، وبهذا تختلف العقيدة العسكرية باختلاف ظروف كل دولة، فلا يمكن القول إن هناك عقيدة عسكرية واحدة لكل الدول.

كذلك الدروس المستفادة من الماضي، وهي من الأسس التي تُبنى عليها العقيدة العسكرية على مُختلف مستوياتها، ويعد التاريخ العسكري مصدرا فعالا وناجحا لبناء العقيدة العسكرية وتطويرها، لأنه حصيلة خبرة وتجارب تكررت.

وأيضا التطور التقني، ويلعب هذا العنصر دورا كبيرا في تطوير العقيدة العسكرية وتحديثها على مختلف مستوياتها، وخاصة على مستوى العقيدة البيئية والعقيدة التنظيمية.

وكذلك مصادر التهديد والتغيرات المستمرة في النظام العالمي، وينعكس أثرها بشكل واضح على العقيدة العسكرية على مختلف مستوياتها.

وهناك طبيعة الحرب القادمة، الحرب المتوقع أن تخوضها الدولة، من حيث نوعها وشكلها ومستوياتها ومشروعيتها ووسائلها، فهي تحدد العقيدة العسكرية للدولة على مختلف مستوياتها.

وأيضا الإستراتيجية العسكرية للدولة، وينعكس تأثير تنفيذ الإستراتيجية العسكرية بشكل مباشر على وضع العقيدة العسكرية، ولا سيما البيئية والتنظيمية اللتين يجب تطويرهما بشكل مستمر بما يلائم متطلبات الإستراتيجية العسكرية للدولة.

وتنعكس طبيعة الدولة الجغرافية على العقيدة العسكرية بشكل مباشر، فموقع الدولة يحدد حجم تنظيماتها العسكرية ونوعيتها وطريقة استخدامها.

كما أن موارد الدولة المختلفة تحدد مركزها عالميا وسياساتها الداخلية والخارجية، ولهذا نجد أن العقيدة العسكرية ترتبط ارتباطا وثيقا بنظام الدولة، وبالأعباء الملقاة على عاتقها في قطاع السياسة الخارجية والداخلية، وبالحالة الاقتصادية والسياسية والثقافية للبلاد.

وهناك كذلك المهام الحالية والمستقبلية، حيث تعد المهام العسكرية للدولة أداة قوة وطنية في الحاضر والمستقبل، وتلعب دورا رئيسيا في وضع وتطوير العقيدة العسكرية على مختلف مستوياتها وبمختلف أنواعها، وذلك بما يلائم طبيعة المهام المختلفة المنوطة بالقوات المسلحة في الحاضر والمستقبل.

وعلى هذا الأساس، فإن العقائد العسكرية تختلف باختلاف طبائع الدول وباختلاف أوضاعها وتاريخها، وكذلك باختلاف نظم حكمها، واختلاف الثقافة التي تؤطر علاقة حكامها بمحكوميها، بل إن هذا الاختلاف يشمل أيضا علاقة الجيش مع المجتمع ودوره في السياسات الداخلية والخارجية.

فنرى مثلا أن النظرة الشرقية لمسرح الحرب تركز على التمسك بالمكتسبات الإستراتيجية ومواجهة العدو في مكان وزمان مختارين بعناية، وتجهيز أرض المعركة بأفضل شكل ممكن، وهي عقيدة تضحي بالمرونة التكتيكية على أرض المعركة لصالح المرونة الإستراتيجية.

في حين تركز النظرة الغربية أكثر على حرب خاطفة، وذلك راجع أساسا إلى قوة تأثير الرأي العام على القرار السياسي مدنيا وعسكريا.

وهو ما يجعل العقيدة العسكرية الغربية مستعدة للتضحية بالآليات والجوانب المادية، في حين تحرص -في المقابل- على الحفاظ على الأرواح؛ فغضبة المجتمع في هذا الشأن كاسحة.

بينما العقيدة الشرقية تدفع بالأعداد البشرية الهائلة في مقابل الحرص على المعدات، التي هي نقطة ضعفها في مقابل الغرب، كما أن أداء القوات الشرقية الميدانية يركز على إطاعة الأوامر بالتفصيل، بينما تستأثر القيادة المركزية بالمرونة والابتكار.

أما في العسكريات الغربية، فتعطى القيادة الميدانية حرية أكبر في اتخاذ القرارات. ولهذا ركز الروس مثلا وكذلك الصينيون في تصنيعهم للسلاح على السلاح العملي والرخيص سهل التعويض، لأن هذا يتيح خيارات أكبر للقيادة الإستراتيجية.

أما في العسكريات الغربية، فهناك اعتماد أكبر على نوعيات أفضل للسلاح تقديرا لحياة المقاتلين وحرصا أكبر على أرواحهم. ولذلك، فإن الغرب أبدى استعداده لمنح أفضل الأسلحة لأوكرانيا في حربها مع روسيا، ولكنه لم يقدم لها جنديا واحدا.

وبين هذا وذاك، توجد عقائد عسكرية لدول أخرى تفرضها طبيعة تلك الدول، وتاريخها ومعتقداتها وتحدياتها. وإليك بعض هذه العقائد:

العقيدة العسكرية الصينية

نشأ جيش التحرير الشعبي في الصين عام 1921 في ظل عقيدة عسكرية لمواجهة قوة كبرى تحتل البلاد، وهي اليابان، وقوة قوية محلية تحكم البلاد هي قوة "الكومنتانغ".

وهو ما يعني -بعبارة أخرى- أن الهدف الإستراتيجي الرئيسي لهذا الجيش هو تحرير الجبهتين الخارجية والداخلية، وأثر ذلك في عقيدته التي اعتمدت ركائز أساسية أدت إلى بلورة عقيدته العسكرية التي تقوم على 3 مبادئ:

المبدأ الأول: الجيش مرتبط بالشعب، يعيش بين صفوفه، ويعتمد عليه في غذائه وفي حمايته، وهو في الوقت نفسه يمارس مختلف المهن، فضلا عن القتال.

المبدأ الثاني: إن الجيش خاضع للأيديولوجية السياسية للحزب التي واجهت تغيرات وأعمال تطهير عبر مسيرتها لما يقرب من 3 عقود؛ ومن ثم تعرض الجيش بدوره لما تعرض له الحزب من تعديلات في فلسفته وقياداته بدرجات متفاوتة.

المبدأ الثالث: الاعتماد على قوة الجماهير، أي القوة العددية لمواجهة العدو المتقدم في فنون القتال ومعداته، وظل الأمر كذلك حتى بعد إسقاط النظام القومي، أو رسميا "الحكومة الوطنية لجمهورية الصين"، أو "الجمهورية الصينية الثانية"، وقيام النظام الشيوعي الصيني، بل استُخدم هذا المبدأ بكفاءة عالية في الحرب الكورية (1950 -1953).

هذه المبادئ والأهداف كان لابد لها أن تتغير وتتطور حسب بناء وتطور الدولة الحديثة وتقدمها المذهل بعد مرحلة الإصلاح والانفتاح.

وهو تقدم لم يقتصر على التنمية المدنية، بل أيضا على القوة العسكرية في شتى مجالاتها البحرية والجوية والبرية والفضاء والتكنولوجيا والصواريخ والأقمار الاصطناعية المدنية والعسكرية على حد سواء.

لقد تحولت العقيدة القتالية الصينية إلى قوة التكنولوجيا والتدريب المهني والسياسي المتواصل والرصد العسكري لقوة الأعداء والمنافسين، بل والأصدقاء بصورة مستمرة، والعمل على تحقيق الأمن القومي الصيني من هذا المنظور الإستراتيجي.

العقيدة العسكرية الأميركية

شهدت العقيدة العسكرية الأميركية تحولا جوهريا فرضه تخبّط القوات الأميركية في العراق وأفغانستان وكثرة الخسائر المادية والبشرية، وانسداد الأفق نحو انسحاب مشرف يحفظ ماء وجه "الإمبراطورية".

ولم يكن ذلك التحول هينا، إذ إن العقيدة العسكرية الأميركية ترتكز على جملة من الثوابت قليلا ما حاد عنها جنرالاتها.

فثقافة الاستئصال والسحق والإبادة الوليد الشرعي لـ"سِفر تكوينها" على أنقاض الهنود وجماجمهم، واعتماد أساليب شيطنة الخصم وحشره داخل "محور شر"، والقناعة بأن الولايات المتحدة "حاملة مشعل الحضارة وصاحبة رسالة".

وهي ثقافة لها انعكاساتها على العقيدة العسكرية لدى كل من حلف شمال الأطلسي "ناتو" (NATO)، والاتحاد الأوروبي، وعلى العلاقة الناشئة بين الاتحاد والحلف.

والواقع أن حلف الناتو هو الذي وضع تعريفا للعقيدة العسكرية، وهو نفسه المُستخدم لدى العديد من الدول الأعضاء من دون تعديل، ومفاده أن "العقيدة العسكرية هي مُجمل المبادئ الأساسية التي تتخذها القوات العسكرية لإنجاز مهامها، وهي قواعد مُلزمة وإن ظلت المواقف القتالية المختلفة الحكم الأساسي لاتباع أي من قواعد العقيدة العسكرية".

وهي في الأساس غير إلزامية، وإنما توصيفية لمُجمل الأداء العسكري، ومن ثمّ تتطلب العقلانية في اتباع ما تمليه المواقف المختلفة والمتغيرة تباعا خلال النزاع العسكري الواحد.

العقيدة العسكرية الإسلامية

لم تعرف دولة الإسلام -سواء في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، أو في عهد الخلفاء الراشدين أو الخلفاء بعدهم- تكوين جيش محترف، أو متفرغ.

فجميع المواطنين جنود، وكلهم مسلحون يهبّون للتطوع إذا نادى رئيس الدولة إلى الجهاد. ولم يتم التأسيس لجيوش متفرغة إلا بعد ذلك.

وكان أشهرها الجيش الإنكشاري على عهد الخلافة العثمانية، وهو الجيش الذي أسسه السلطان العثماني مراد الأول في القرن الثامن الهجري (الـ14 الميلادي).

ثم بعد ذلك جيش البخاري الذي أسسه السلطان المولى إسماعيل في المغرب الأقصى على منوال الجيش الإنكشاري، وذلك في بدايات الدولة العلوية في المغرب في القرن الحادي عشر الهجري (الـ17 الميلادي).

وتتأسس العقيدة العسكرية الإسلامية على مجموعة المبررات والمنطلقات الإنسانية والدينية والأخلاقية، والقناعات الفكرية المنضبطة، التي تمنح المشروعية للدخول في الحرب.

وعلى رأس هذه المبررات، تأتي ضرورة إزاحة المعوقات أمام تبليغ الرسالة والقيام بالدعوة، بحيث يُشْرَع للمسلمين قبل مناجزة أي عدو بالحرب أن يقولوا لقادته: "خلوا بيننا وبين الناس".

فالمسلمون أصحاب رسالة أُمروا أن يبلغوها إلى الناس؛ وبعد ذلك "من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر". ويقول المفكر جودت السعيد في هذا الشأن: "لقد قص الإسلام جميع أجنحة القتال، حتى لم يكد يسمح به إلا في حالة واحدة؛ الدفاع عن حرية التعبير".

وكذلك من مبررات القتال، الدفاع عن الأمة التي تمثلها القيادة الشرعية للوطن، وعن الثروات والمقدرات والمكتسبات وإعلاء كلمة الحق والعدل، وحماية الدين والمقدسات، بالإضافة إلى حفظ الأنفس والأعراض والأموال.

كل ذلك يأتي لتحقيق وجهة النظر الرسمية للدولة، وبعد تلقي الأوامر من القيادة السياسية للبلاد، حيث إنها تنفذ ضمن قواعد وأخلاقيات الحروب، كما أمر بها الإسلام؛ وذلك بعدم قتل النساء والأطفال والعجزة، ومن ليس له علاقة بالقتال؛ بحيث يحصر القتال مع القوات العسكرية، على ألا تستخدم الرماية العشوائية بما قد تسببه من إصابات لغير المحاربين.

كذلك تمنع العقيدة العسكرية الإسلامية حرق وإتلاف المحاصيل الزراعية والثروات الحيوانية ومنع تسميم المياه وهدم دور العبادة، كما أن الإسلام قيد أساليب التعامل مع الأسرى وأساليب جمع المعلومات الاستخباراتية بدون عنف. يقول الله تعالى في كتابه الكريم: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين".

لقد عالج الإسلام أمور الحرب باعتبارها ظاهرة اجتماعية، واضعا أفضل المناهج من حيث أهدافها وقوانينها وآدابها المبنية على منهج القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، لتحديد أسباب الحرب وآداب الحرب، وبناء المقاتل وإعداد القادة والحرب النفسية وعلوم المخابرات وتعزيز الروح المعنوية وإعداد الأمة للحرب والصناعة الحربية، وذلك بالاستفادة من جميع ما يخدم المعركة ويساعد على تحقيق النصر، من اقتناء أحدث الأسلحة والمعدات ودراسة خطط وأهداف العدو لإحباطها قبل تنفيذها.

المصدر : مواقع إلكترونية