الفشقة.. تاريخ من الاتفاقيات والنزاع بين السودان وإثيوبيا

منذ خمسينيات القرن الماضي، تتهم الخرطوم ما تصفها بمليشيات إثيوبية باعتداءات متكررة على منطقة الفشقة السودانية المتاخمة للحدود.

زيارة رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان للقوات السودانية في الفشقة (موقع مجلس السيادة الانتقالي على فيسبوك)

شهد اليوم الثلاثاء 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2021 تجددا للاشتباكات بين القوات السودانية والإثيوبية في منطقة الفشقة الصغرى الحدودية، في حين اتهمت أديس أبابا جبهة تيغراي باستهداف الأراضي السودانية.

ويعود النزاع على الحدود مع إثيوبيا إلى أكثر من 120 عامًا، عندما أتمت بريطانيا احتلالها للسودان، وبدأت ترسيم حدوده مع جيرانها.

ومنذ خمسينيات القرن الماضي، يتهم الجانب السوداني ما يصفها بمليشيات إثيوبية باعتداءات متكررة على منطقة الفشقة السودانية المتاخمة للحدود، بهدف إخلاء الشريط الحدودي من المزارعين السودانيين، وهو ما ينفيه الجانب الإثيوبي.

منطقة الفشقة شبه جزيرة

ـ منطقة الفشقة معزولة عن بقية السودان، إذ إن المنطقة شبه جزيرة تتخللها أنهار باسلام وعطبرة وسيتيت، ويقطنها مئات المزارعين الإثيوبيين، رغم أنها تقع داخل أرض السودان.

ـ مساحة الفشقة تبلغ نحو مليوني فدان، وتمتد على مسافة 168 كيلومترا مع الحدود الإثيوبية من مجمل المسافة الحدودية لولاية القضارف السودانية مع إثيوبيا، البالغة نحو 265 كيلومترا.

ـ تضم الفشقة أخصب الأراضي الزراعية في السودان، وتنقسم إلى 3 مناطق: الفشقة الكبرى (يحدها نهر ستيت شمالًا وبحر باسلام جنوبًا ونهر عطبرة غربًا)، والصغرى (يحدها شمالًا بحر باسلام، وغربًا نهر عطبرة، وشرقًا الحدود مع إثيوبيا) والمنطقة الجنوبية.

ـ أغلب صادرات إثيوبيا من محاصيل زهرة الشمس والسمسم والذرة منتجة من نحو مليون فدان في أراضي الفشقة السودانية.

تسلسل زمني

ـ عام 1891 بعث الإمبراطور الإثيوبي منليك الثاني رسالة إلى رؤساء الدول الأوروبية حدد فيها حدود إمبراطوريته حتى كركوج على النيل الأزرق بأواسط السودان.

ـ عام 1902: توقيع معاهدة الحدود في ترسيم الحدود الإثيوبية السودانية بين حكومة إثيوبيا والإدارة الاستعمارية البريطانية في السودان.

– نصت المعاهدة على إنشاء لجنة لترسيم الحدود المشتركة.

ـ عام 1903: قام الممثل البريطاني (الرائد جوين) من جانب واحد بعملية ترسيم الحدود من دون حضور ممثل إثيوبيا أو تفويض من الحكومة الإثيوبية.

– نتيجة لذلك ظل ترسيم (الرائد جوين) موضع خلاف ومتنازع عليه، خاصة للمناطق الواقعة شمال جبل دجليش.

ـ عام 1957: استزرع 7 مزارعين إثيوبيين 3800 فدان في الفشقة، وفي الفترة بين عامي 1964 و1967، ارتفع العدد إلى 27 مزارعا، وزادت مساحة مزارعهم إلى 33 ألف فدان.

ـ عام 1968: يهودي يدعى "كنفي" من الفلاشا التابعين لقومية الأمهرة قاد أول هجوم على جبل أبو طيور، وسيطرت مليشياته على مساحة شاسعة في الفشقة الكبرى، بما فيها جبل أبو طيور.

ـ عام 1969: قوة من الشرطة السودانية تطرد مليشيات "كنفي" بعد معركة شارك فيها الأهالي، وعند استعادة جبل أبو طيور تم تحريز طابعة وخطابات كتب عليها "أورشليم القدس".

اتفاق 1972.. حل ودي

ـ عام 1972: من أجل حل النزاع الحدودي، اتفقت حكومة إثيوبيا والسودان من خلال وزيري خارجية البلدين على الشروع في عملية إعادة الترسيم من جبل دجليش جنوبا.

ـ كما تم الاتفاق على دراسة المشكلة الناتجة عن الاستيطان والزراعة من قبل مواطني أي من الدولتين في أراضي الدولة الأخرى بهدف إيجاد حل ودي.

– بعد شهرين من توقيع المذكرات، وجهت حكومة السودان خطابًا إلى رئيس منظمة الوحدة الأفريقية، تبلغه بأنه تم الاتفاق على تنظيم أطول حدود بين البلدين الأفريقيين.

– منظمة الوحدة الأفريقية أبلغت إثيوبيا أن حكومة السودان قد صدقت على هذا الاتفاق، وفقا للمادة 102 من ميثاق الأمم المتحدة.

– نص إطار اتفاق 1972 على أن إيجاد حل ودي للمشكلة الناتجة عن الزراعة والاستيطان هو شرط أساسي لإعادة ترسيم خط جوين شمال جبل دجليش.

ـ عام 1974: فور توقيع اتفاقية تفاهمات عام 1972، شكل كلا البلدين لجنة حدود مشتركة لإعادة ترسيم حدود جنوب جبل دجليش، لكن بسبب تغيير الحكومة عام 1974 في إثيوبيا لم يتحقق مشروع إعادة الترسيم المتفق عليه.

ـ في الفترة بين 1972 و1991: ارتفع عدد المزارعين الإثيوبيين إلى 52 مزارعا في مساحة 84.5 ألف فدان.

ـ بعد عام 1994: وصل عددهم إلى 1659 مزارعا في نحو مليون فدان بالتوغل داخل حدود السودان بأعماق متفاوتة بين تسعة و24 كيلومترا.

ـ منذ عام 1995، استغل مزارعون إثيوبيون -تحت حماية مليشيات مسلحة- نحو مليوني فدان من أراضي الفشقة شديدة الخصوبة، وشيدت السلطات الإثيوبية العديد من القرى هناك، وزودتها بالخدمات والبنى التحتية، بما فيها الطرق المعبّدة.

ـ عام 2000: قررت كل من إثيوبيا والسودان تنفيذ تفاهمات عام 1972 وإنشاء لجنة خاصة مشتركة مكلفة بإيجاد حل ودي للمشكلة الناتجة في منطقة شمال جبل دجليش.

– علاوة على ذلك، اتفق البلدان على إنشاء لجنة مشتركة خاصة لإعادة ترسيم خط الحدود بين البلدين، ورغم أن اللجنة عقدت 8 اجتماعات فإنها لم تكمل مهمتها الموكلة إليها بموجب اتفاق 1972 واختصاصاتها المعتمدة بالاتفاق.

2005.. مذكرة تفاهم

ـ عام 2005: أثناء استمرار المفاوضات، وقع البلدان مذكرة تفاهم لوضع حل مؤقت لهذه المشكلة حتى يتم التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن الحل الودي الذي سيتفق عليه البلدان.

ـ حصرت لجنة العمل الميداني المشتركة بين البلدين 754 ألف فدان استولى عليها مزارعون إثيوبيون، واستمر التوسع ليصل إلى نحو 895 ألف فدان من الأراضي عالية الخصوبة.

– تعد مذكرة تفاهم 2005 حلاً تكميليًا ومؤقتًا لاتفاقية عام 1972 وليست بديلا عنها.

ـ مارس/آذار 2020: توغل سوداني في الفشقة.

ـ نوفمبر/تشرين الثاني 2020: بدأ الجيش السوداني بسط سيطرته على المناطق التي لم ينتشر فيها منذ ربع قرن تقريبًا معلنًا موقفا جديدا، ومثيرًا للجانب الإثيوبي.

ـ ديسمبر/كانون الأول 2020: معارك في جبل أبو طيور الإستراتيجي المطل على منطقتي الفشقة الصغرى والفشقة الكبرى الذي استرده الجيش السوداني من القوات الإثيوبية.

ـ 31 ديسمبر/كانون الأول 2020: قالت الخرطوم إن الجيش السوداني فرض سيطرته على الفشقة، بعد أن استولت عليها "عصابات إثيوبية" مدة ربع قرن.

ـ 12 يناير/كانون الثاني 2021: قالت وزارة الخارجية السودانية في بيان إن "المليشيات الإثيوبية" هاجمت منطقة "القريشة" الحدودية مما أدى إلى مقتل 5 سيدات وطفل وفقدان سيدتين.

ـ 13 يناير/كانون الثاني 2021: اتهم السفير الإثيوبي لدى الخرطوم بيتال أميرو الجيش السوداني بالاستيلاء على 9 معسكرات داخل أراضي إثيوبيا منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2020.

ـ 15 يناير/كانون الثاني 2021: عضو مجلس السيادة المتحدث باسمه محمد الفكي سليمان قال -في مؤتمر صحفي- إن 17 منطقة و8 مستوطنات داخل حدوده الشرقية كانت محمية بمليشيات إثيوبية، وإن الجيش السوداني تمكن من استعادة نحو 90% من أراضي الفشقة، وتبقت منطقتان فقط هما "القطران" و"خور حُمر".

ـ 18 يناير/كانون الثاني 2021: ناشد وزير الدفاع السوداني الفريق الركن يس إبراهيم يس إثيوبيا سحب قواتها في ما تبقى من مواقع ما زالت تحتلها على الحدود الشرقية.

ـ 8 أبريل/نيسان 2021: زار الفشقة رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان -بصحبة ضباط هيئة العمليات ومدير الاستخبارات العسكرية- إثر تقارير عن حشود للجيش الإثيوبي وتوغله داخل الأراضي السودانية.

ـ 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2021: البرهان يتفقد القوات المرابطة بمنطقة بِركة نورين بالفشقة الصغرى بولاية القضارف على الحدود مع إثيوبيا.

ـ مجلس السيادة قال -في بيان رسمي- إن هذه الزيارة تأتي عقب اعتداءات إثيوبية أدّت إلى مقتل 6 من جنوب الجيش، وإصابة أكثر من 31 من الضباط والجنود.

العرقية الأمهرية الإثيوبية.. مليشيات الشيفتا

ـ تعتقد العرقية الأمهرية الإثيوبية اعتقادًا راسخًا بانتماء أراضي هذه المناطق الحدودية إليها تاريخيًا، ولا يرى أبناء الشعب الأمهري أن من حق أحد، سواء كان الإمبراطور منليك الثاني عام 1902 أو حتى رئيس الوزراء ميليس زيناوي عام 1996، أن يتخلى عن السيادة الإثيوبية عليها.

ـ اعتداءات الإثيوبيين على قرى الشريط الحدودي لم تغب في أي سنة من السنوات، ودائما تكون خلال الصيف وبالتزامن مع عمليات الحصاد.

ـ هذه الهجمات ظلت مستمرة لنحو 60 سنة بلا توقف، مما أدى إلى مقتل العديد من المزارعين والعمال ووكلاء المشاريع الزراعية والسائقين، إلى جانب نهب المحاصيل والماشية والآليات.

ـ تنشط في الأراضي السودانية 4 أنواع من القوات الإثيوبية المسلحة: أولى هذه القوات المعارضة الإثيوبية المحسوبة على جبهة تحرير تيغراي، التي نشطت إبان الحرب الإثيوبية الإريترية عن طريق فتح الأراضي السودانية أمامها.

ـ ومن ضمن القوات النشطة في المنطقة الجيش الإثيوبي نفسه، فضلا عن مجموعات غير منظمة تخدم أيضا مصالح السلطات الإثيوبية بفرض سياسة الأمر الواقع في الفشقة.

ـ أما أكثر أنواع القوات الإثيوبية نشاطا فهي ما تعرف "بعصابات الشيفتا"، وهي مجموعات منظمة ترعاها الدولة الإثيوبية، وتمول من قبل كبار المزارعين هناك، وتتلقى التدريب والتسليح من الجيش النظامي رغم أنها غير نظامية.

ـ خمسينيات القرن الماضي: نشأت مليشيات الشيفتا كعصابات صغيرة من عرقية تُعرف باسم الولغاييت بغرض النهب.

ـ منتصف التسعينيات: تحولت إلى مليشيات كبيرة ومنظمة معظمها من عرقية الأمهرة، وامتلكت أسلحة رشاشة وآلية ومدفعية، وشنت هجمات منظمة على الأراضي السودانية تمكنت خلالها من تفريغ كامل (شرق) نهر عطبرة من الوجود السكاني السوداني.

ـ كما أزالت قرى وطردت المواطنين والمزارعين، وفتحت المجال أمام المزارعين الإثيوبيين للاستيلاء على تلك المواقع، وتولت حمايتهم على طول حدود ولاية القضارف.

ـ التشكيل الذي تمارس به مليشيات الشيفتا هجماتها يعرف محليا في ولاية القضارف بـ"البلابل" -وهي تسمية مستمدة من 3 شقيقات سودانيات يغنين بشكل جماعي- وتتكون العصابة الواحدة من 3 رجال، الأول مسلح ببندقية كلاشنكوف، والثاني بفأس، والثالث بعصا.

ـ في السنوات الأخيرة: باتت تلك المليشيات تمارس خطف المواطنين داخل الحدود السودانية مقابل فديات، كما قتلت وأعدمت العديد من المواطنين السودانيين.

ـ المليشيات الإثيوبية تحظى باعتراف الحكومة الاتحادية في أديس أبابا، حيث إن لجان الحدود الإثيوبية دائما يمثل فيها قادة مليشيات الأمهرة.

ـ هذه المليشيات تستهدف قبائل اللحويين والبني عامر والفلاتة بالاختطاف وسرقة المواشي لأنها مكونات ثرية وقادرة على دفع الفدى المالية.

ـ حكمدار البوليس سيد أحمد حسين تمكن في ستينيات القرن الماضي من إقناع الحكومة الاتحادية في الخرطوم بتسليح المزارعين والرعاة السودانيين في الفشقة للتصدي لاعتداءات الشيفتا.

المصدر : الجزيرة