سقطرى.. جزيرة السعادة والذخائر النفيسة وأوسع متحف نباتي مفتوح

كبرى الجزر اليمنية وجزء من أرخبيل سقطرى، وعاصمتها حديبو. تحظى بموقع إستراتيجي مهم، وتتمتع بتنوع حيوي فريد وأهمية بيئية كبيرة، مما جعلها مركز جذب للعديد من الحضارات والإمبراطوريات، ومنحها لقب أكثر مناطق العالم غرابة.
اختُلف في سبب تسميتها، لكن لا خلاف على قيمتها الطبيعية، فهي أوسع متحف مفتوح للثروة النباتية والأعشاب الطبية والأشجار المعمرة في العالم، وموطن لأشكال فريدة من الطيور الداجنة والمهاجرة، ومساحة فريدة لتنوع نباتي واسع، وهي سمات فريدة أهلتها لدخول قائمة اليونسكو للتراث العالمي.
الموقع والمساحة
تقع جزيرة سقطرى في الساحل الجنوبي للجزيرة العربية أمام مدينة المكلا شرق خليج عدن حيث نقطة التقاء المحيط الهندي ببحر العرب، وكذلك إلى الشرق من القرن الأفريقي، وتبعد عن السواحل الجنوبية لليمن نحو 350 كيلومترا.
ويتشكل أرخبيل سقطرى الذي تتبع له الجزيرة من جزر عدة منها: درسة وسمحة وعبد الكوري والصابونية وكعول فرعوني، إلى جانب 6 جزر صخرية.
تبلغ مساحة الأرخبيل نحو 3798 كيلومترا مربعا، وأما مساحة الجزيرة فتبلغ 3650 كيلومترا مربعا.
كانت الجزيرة تتبع إداريا محافظة حضرموت، ثم صارت محافظة مستقلة عام 2013، وانقسمت إلى مديريتين هما: حديبو، وهي مركزها الإداري (العاصمة)، وقلنسية.
السكان
بلغ عدد سكان جزيرة سقطرى نحو 66 ألف نسمة بحسب التعداد السكاني في اليمن عام 2004، بعد أن كان يبلغ قرابة 30 ألف نسمة عام 1973.
وفي فترات التوسع التاريخي للدولة اليمنية، كانت سقطرى تستقبل موجات كبيرة من الهجرة، خاصة في القرن الأول للميلاد، إذ استقر فيها الكثير من العشائر، إضافة إلى هجرات أخرى قادمة من الهند وأفريقيا، وهو ما أنتج خصائص ديمغرافية مميزة للجزيرة.
يُقيم معظم سكان الجزيرة في العاصمة حديبو، ويتكلّم أبناؤها -إلى جانب العربيّة- لغة خاصة بهم غير المدوَّنة، تعرف باللغة السقطريّة، وهي لغة قريبة من اللغة المهريّة التي يتكلّمها أبناء محافظة المهرة شرق اليمن.

أصل التسمية
اختلف المؤرخون في تفسير أصل تسمية جزيرة سقطرى وأرخبيلها، وتعددت الآراء في هذا الشأن تبعا لاختلاف المصادر واللغات المرجعية.
فذهب فريق إلى أن الاسم مكوّن من كلمتين هما السوق والقطرة، في إشارة إلى كون الجزيرة سوقا تاريخية لمنتجات طبيعية كانت تُجمع وتُتداول على هيئة قطرات، مثل اللبان ودم الأخوين والصَّبر، وهي منتجات اشتهرت بها الجزيرة منذ عصور مبكرة.
كما اشتهر اسم سقطرى كثيرا منذ بداية الألف الأول قبل الميلاد في حضارات العالم القديم التي كانت تعتبر اللبان والبخور والمر والصبار سلعا مقدسة تستخدم في طقوس العبادة، فأطلق الإغريق والرومان على سقطرى "جزيرة السعادة".
وتنسب بعض المصادر اسم سقطرى إلى اللغة السنسكريتية، من عبارة "ديفيا سوكترا" وتعني "جزيرة النعيم ومنزل الخلود"، في حين يذهب رأي ثالث إلى أن الاسم مشتق من عبارة "ديو سكرايدا" التي يُعتقد أنها تحريف للاسم اليمني القديم "سكرد".
بينما تزعم مصادر أخرى أن اسم الجزيرة ينحدر من أصل عربي، بدليل وروده في بعض المعاجم العربية القديمة.
واسم سقطرى ذكره المؤرخون القدامى، وورد في كتب التاريخ والمعاجم اللغوية والخرائط الجغرافية بصور وأشكال مختلفة مثل سقطرة وسوقطرى وسوقطرا وسكوطرة.

في عمق التاريخ
وتُظهر التنقيبات الأثرية أن سقطرى كانت معروفة منذ العصور القديمة، وأن بيئتها البرية تعود إلى ما قبل ألف سنة قبل الميلاد، إذ تميزت بكثافة أشجار اللبان والصبر، مما جعلها من أهم مناطق إنتاج اللبان في العالم القديم، ومنحها مكانة اقتصادية وروحية بارزة.
ويرى باحثون أن الإنسان استوطن سقطرى مبكرا بغرض جمع البخور، مستفيدا من مهارته البحرية. ومع منتصف القرن الأول للميلاد، كان لعرب جنوب الجزيرة العربية موانئ نشطة على سواحل البحر الأحمر والبحر العربي وخليج عدن، وانخرطوا في تجارة بحرية واسعة مع الهند وشمال الجزيرة العربية عبر "طريق اللبان".
وفي هذا الإطار، لعبت سقطرى دورا محوريا في تجارة العالم القديم بوصفها محطة عبور بين مناطق إنتاج البهارات والبخور في الهند والجزر المجاورة، وبين أسواق الفرس والروم ومصر، كما صدّرت دروع السلاحف التي كانت من السلع النفيسة آنذاك.

حضارات متعاقبة
بسبب موقعها الإستراتيجي، تعاقبت على هذه الجزيرة حضارات مختلفة، وتعرضت لغزوات وحملات إغريقية وفارسية وفرعونية، ثم لاحقا برتغالية وإنجليزية، في سياق التنافس البحري والتجاري.
وكانت الجزيرة تحت حكم سلاطين المهرة في جنوب شرق اليمن مدة طويلة، إلى أن انتزعها منهم الاحتلال البرتغالي ثم البريطاني منذ بداية القرن السادس عشر.
ويُعد ضابط البحرية البريطانية وليم بيري من أوائل من اهتموا علميا بالنباتات السقطرية، إذ جمع عددا كبيرا من الأنواع النباتية وأهداها إلى معشبة الحدائق الملكية في بريطانيا.
ومنذ مطلع القرن التاسع عشر، تتابعت زيارات العلماء المتخصصين في علوم النبات إلى الجزيرة، وكان من أبرزها حملة عالم النبات البريطاني إسحاق بايلي بلفور الذي زارها عام 1880، وجمع نحو 500 نوع نباتي، شكّل إضافة نوعية للعلوم النباتية آنذاك، إذ كان كثير منها جديدا على علم التصنيف النباتي.
ودخلت الجزيرة تحت الحماية البريطانية أواخر القرن التاسع عشر، لينتهي نظام حكم السلطنة في الجزيرة عام 1967 مع انضمامها إلى اليمن الجنوبي المستقل ثم اليمن الموحد.
وكانت سقطرى تعتبر جزءا من محافظة عدن، قبل أن تضمّ إلى محافظة حضرموت عام 2004، بسبب قربها منها مقارنة بمحافظة عدن. وفي عام 2013 أصبحت محافظة مستقلة، وأُطلق عليها اسم محافظة سقطرى.

الحرب اليمنية
عانت سقطرى كغيرها من مناطق اليمن من تبعات الحرب اليمنية، خاصة بين أكتوبر/تشرين الأول 2016 ومايو/أيار 2018، وظهرت انعكاساتها على الجانبين الإنساني والاقتصادي، وحتى على الحياة الطبيعية التي تعدّ إرث الجزيرة العالمي، حيث لجأ السكان إلى قطع الأشجار واستخدام أخشابها في الطهو والتدفئة بسبب فقدان الغاز.
في 19 يونيو/حزيران 2020، سيطر المجلس الانتقالي الجنوبي على سقطرى، إلا أن المحافظ القيادي في المجلس الانتقالي رأفت الثقلي أكد دعمه للحكومة والتحالف العربي.
وفي أوائل فبراير/شباط 2026، أنهت اللجنة الوطنية اليمنية زيارتها للجزيرة، وأعلنت توثيقها سلسلة من الانتهاكات التي طالت نشطاء وصحفيين وسياسيين تم احتجازهم في مراكز اعتقال غير رسمية، كما رصدت اعتداءات بيئية جسيمة استهدفت محمية "دكسم" الطبيعية وأشجارا نادرة مهددة بالانقراض.
وبالتزامن مع ذلك، دعت منظمة هيومن رايتس ووتش إلى محاسبة المجلس الانتقالي على استمرار ممارسات الاحتجاز التعسفي، كاشفة عن واقعة احتجاز أعضاء لجنة التحقيق ساعات عدة أثناء أدائهم مهامهم في الجزيرة.
وجاءت تلك التطورات في أعقاب استعادة الحكومة مطلع يناير/كانون الثاني 2026 السيطرة على المحافظات الشرقية والجنوبية، بعد فقدان المجلس الانتقالي نفوذه العسكري وإعلان الإمارات خروج قواتها من اليمن بطلب من رئيس المجلس الرئاسي اليمني رشاد العليمي.

المناخ
مناخ الجزيرة استوائي، وتبلغ درجة الحرارة في السهل والساحل 38 درجة صيفا، وفي أعالي الجبال من 25 إلى 28 درجة. والأمطار فيها موسمية في الربيع والخريف، وتتعرض الجزيرة والمنطقة البحرية بصفة خاصة في الشتاء لعواصف ورياح شديدة
الاقتصاد
يعتاش سكان الجزيرة على عائدات السياحة وبيع منتجات مثل اللبان والصبر والمرّ والبخور، إضافة إلى أنواع مختلفة من عسل النحل بعضها نادر جدا ولا ينتج في أي مكان آخر من العالم.
كما يعتمد بعض سكان بادية سقطرى على رعي المواشي (الإبل والأبقار والأغنام) إضافة إلى الصيد، وتشير مصادر إلى أن الصيادين في الجزيرة يمثلون ما نسبته 70% من السكان.
الجغرافيا والتنوع البيئي
تعد سقطرى أكبر محمية طبيعية في بحرها وبرها، وموطنا لأشكال فريدة من الطيور الداجنة والمهاجرة، وأوسع متحف للثروة النباتية والأعشاب الطبية والأشجار المعمرة والشلالات، وتنفرد بتنوع نباتي يضم نحو 850 نوعا من النبات، منها 293 نوعا مستوطنا ونادرا لا يوجد في مناطق أخرى من العالم، وهو ما جعل منظمة اليونسكو تصنفها عام 2008 ضمن قائمة التراث العالمي.
وقبل ذلك، اعتبرت قمة الأرض المنعقدة بمدينة ريو دي جانيرو البرازيلية عام 1992 أن الجزيرة اليمنية إحدى 9 مناطق عالميا لا تزال بكرا، ولم تصبها أية عمليات تشويه، كما أدرجت اليونسكو الأرخبيل في يناير/كانون الثاني 2017 أحد المواقع البحرية العالمية ذات الأهمية البيولوجية.
كما أن الجزيرة موطن لأشجار اللبان المشهورة، وفيها تسعة أنواع من أصل 25 نوعا فقط من اللبان في العالم بأسره.

دم الأخوين
ارتبط اسم سقطرى في العصر الحديث بالتنوّع البيولوجي الاستثنائي، ولا سيما وفرة النباتات النادرة التي تُستخدم في الصناعات العطرية والدوائية، خاصة أن أرضها تتفرد ببعض الفصائل التي لا توجد خارجها.
وتُعد شجرة "دمّ الأخوين" من أبرز رموز هذا الإرث الطبيعي، إذ تُفرز مادة حمراء ذات استخدامات علاجية وصناعية واسعة، مما منحها مكانة خاصة في تاريخ الجزيرة واقتصادها التقليدي.
ولا يقتصر التفرّد الحيوي في سقطرى على الغطاء النباتي، إذ تضمّ الجزيرة أنواعا عديدة من الحشرات المستوطنة، من بينها فراشات نهارية وليلية لا توجد في أي مكان آخر بالعالم، إضافة إلى عشرات الأنواع من الحشرات الطائرة.
كما تزخر مياهها الإقليمية بتنوّع بحري غني يشمل الأسماك والقشريات والإسفنج والأصداف، إلى جانب 352 نوعا من الشعاب المرجانية، فضلا عن السلاحف الخضراء الضخمة التي تتخذ من شواطئها مناطق تعشيش رئيسية.
ومن أبرز النباتات المستوطنة في سقطرى: الفرحل والأمتة (الأمتا) والكرتب والإكشا والصبر السقطري (طيف) والقمحم والرمان البري (رهيني) والصبر يهر والإشهب.