العلاقات الأميركية الإيرانية صراع القوة والنفوذ

تشكل العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران أحد أكثر الملفات الدولية توترا وتعقيدا، إذ تشهد منذ عقود حالة من المد والجزر بين التقارب والانقطاع. وتخللت هذه العلاقة خلافات عميقة تتعلق بالتدخل الأميركي في الشؤون الإيرانية، والتوتر المتصاعد بشأن البرنامج النووي الإيراني، إلى جانب تباينات حادة في المواقف السياسية والاقتصادية.
وفيما يلي أهم المحطات في تاريخ العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران:
- بدأ التوتر في علاقات البلدين بعد أن تعاونت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) مع نظيرتها البريطانية في "عملية أجاكس" في أغسطس/آب 1953، والتي ساعدت فيها عناصر داخل الجيش الإيراني في الانقلاب على رئيس الوزراء محمد مصدق، بعد سيطرته على شركة النفط الأنغلو-فارسية المملوكة لبريطانيا. وقد أعاد الانقلاب الملكية الموالية للغرب إلى السلطة، بقيادة الشاه محمد رضا بهلوي، الذي اعتمد على الدعم الأميركي من أجل البقاء في الحكم حتى أطاحت به الثورة الإيرانية عام 1979.
- في عام 1954، وقع الشاه بهلوي اتفاقية بضغط من الولايات المتحدة وبريطانيا، مُنحت بموجبها شركات النفط الأميركية والبريطانية والفرنسية ملكية 40% من صناعة النفط بإيران مدة 25 عاما.
- وقدمت الولايات المتحدة لإيران التسهيلات اللازمة لبدء إنتاج الطاقة النووية عام 1957، في إطار مبادرة "الذرة من أجل السلام" التي أطلقها الرئيس الأميركي دوايت آيزنهاور.
أزمة الرهائن
- بعد اضطرابات مدنية واسعة اجتاحت إيران مطلع عام 1978، غادر بهلوي إلى الولايات المتحدة. في المقابل عاد رجل الدين الشيعي روح الله الخميني، الذي عارض سياسات الشاه ذات الطابع الغربي، فتولى منصب الإمام والقائد الأعلى عقب إعلان إيران جمهورية إسلامية.
- في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 1979، هاجم طلاب إيرانيون من أنصار الخميني مقر السفارة الأميركية في طهران، واحتجزوا 52 رهينة أميركيا مدة 444 يوما، مطالبين الولايات المتحدة بتسليم الشاه بهلوي، الذي كان يخضع للعلاج في واشنطن. ردت الولايات المتحدة على العملية بقطع علاقاتها مع إيران، وفرضت عقوبات على واردات النفط الإيراني، وجمدت الأصول الإيرانية، حتى تم الإفراج عن الرهائن بموجب "اتفاقية الجزائر" عام 1981.
- دعمت الولايات المتحدة العراق أثناء الحرب مع إيران، والتي بدأت في سبتمبر/أيلول 1980 واستمرت حتى نهاية أغسطس/آب 1988، وخلفت أكثر من مليون قتيل، وألحقت أضرارا بالغة باقتصاد البلدين.
تصعيد العقوبات
- في يناير/كانون الثاني 1984، صنفت وزارة الخارجية الأميركية إيران "دولة راعية للإرهاب"، بسبب ما وصفته بتقديم الدعم المتكرر لـ"أعمال الإرهاب الدولي"، وأدى ذلك إلى فرض عقوبات واسعة النطاق عليها.
- في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 1986، أدى إعلان إيراني عن زيارة موفد للرئيس الأميركي رونالد ريغان إلى طهران إلى الكشف عن فضيحة "إيران كونترا"، بعد أن تبين أن مسؤولين أميركيين باعوا أسلحة لإيران سرا، رغم الحظر المفروض، مقابل تأمين الإفراج عن 7 رهائن أميركيين كانوا محتجزين في لبنان.
- في 3 يوليو/تموز 1988، أسقطت سفينة حربية أميركية "عن طريق الخطأ" طائرة مدنية تابعة للخطوط الجوية الإيرانية فوق مياه الخليج، ما أدى إلى مقتل جميع الركاب البالغ عددهم 290، وحملت طهران واشنطن المسؤولية عن الحادثة.
- بين عامي 1992 و1996، كثفت الولايات المتحدة عقوباتها ضد إيران في عهد الرئيسين جورج بوش الأب وبيل كلينتون. ففي عام 1992، أقر الكونغرس قانون "منع انتشار الأسلحة بين إيران والعراق"، الذي فرض عقوبات على المواد التي يمكن استخدامها في تطوير السلاح المتقدم. وفي عام 1995، وسعت الإدارة الأميركية العقوبات لتشمل حظرا اقتصاديا شاملا على إيران، متهمة إياها بالسعي للتزود بأسلحة نووية، ثم تبع ذلك قانون يفرض حظرا على الشركات الأجنبية التي تستثمر أكثر من 20 مليون دولار سنويا في قطاع الطاقة الإيراني.
محاولات للتقارب
- حدثت انفراجة صغيرة في الأزمة بين البلدين بعد محادثات عُقدت على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1998، بين وزيري الخارجية الأميركي والإيراني، في أعلى مستوى من التواصل بين الدولتين منذ عام 1979، وتلا ذلك رفع بعض العقوبات المفروضة على إيران.
- عام 2002، وصف الرئيس الأميركي جورج بوش الابن في خطاب له إيران بأنها جزء من "محور الشر" إلى جانب العراق وكوريا الشمالية، وقال إنها "تسعى بشكل عدواني لامتلاك أسلحة دمار شامل وتُصدر الإرهاب". ردا على ذلك، أوقفت الحكومة الإيرانية اجتماعاتها السرية مع الدبلوماسيين الأميركيين، والتي كانت تركز على "تعقب عناصر تنظيم القاعدة ومحاربة حركة طالبان".
- عام 2005 أعاد رئيس إيران محمود أحمدي نجاد العمل في تخصيب اليورانيوم في بلاده، وأرسل في العام التالي رسالة إلى الرئيس بوش الابن تهدف إلى تخفيف التوترات بين البلدين بشأن البرنامج النووي الإيراني.
سعي لاحتواء التوتر
- في مارس/آذار 2009، عرض الرئيس باراك أوباما التحدث مباشرة إلى الشعب الإيراني وقادة إيران، إلا أنه ندد في يونيو/حزيران من العام نفسه بالقمع العنيف للمظاهرات في البلاد، وشكك في شرعية إعادة انتخاب نجاد رئيسا.
- أجرى الرئيس أوباما اتصالا عام 2013 بالرئيس الإيراني حسن روحاني، في أول تواصل مباشر بين البلدين منذ عام 1979، إذ ناقش الجانبان البرنامج النووي الإيراني.
- وقعت إيران بعد شهرين من المكالمة اتفاقا نوويا أوليا مع مجموعة "5+1″، منحها بعض التخفيف في العقوبات المفروضة عليها.
- في 14 يوليو/تموز 2015، وقعت إيران مع دول كبرى اتفاقا تاريخيا بشأن البرنامج النووي الإيراني، أطلق عليه اسم "خطة العمل الشاملة المشتركة"، ويقضي بالحد من تخصيب اليورانيوم بطهران مدة لا تقل عن 15 عاما مقابل رفع العقوبات عنها.
- في ديسمبر/كانون الأول 2016، قرر مجلس الشيوخ الأميركي تمديد العقوبات المفروضة على إيران مدة عشر سنوات، وسمح أوباما بهذا التمديد إلا أنه لم يوقع على مشروع القانون.
عودة الأزمة
- مع تولي الرئيس الأميركي دونالد ترامب منصبه في يناير/كانون الثاني 2017، أعلن منع مواطني 7 دول إسلامية -من بينها إيران- من دخول الولايات المتحدة.
- وفي مطلع فبراير/شباط من العام نفسه، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على 25 شخصا وكيانا يُشتبه في تقديمهم الدعم لبرنامج الصواريخ البالستية الإيراني، فردت طهران بفرض قيود على شركات أميركية.
- في يوليو/تموز 2017، أعلنت أميركا فرض عقوبات على إيران بسبب نشاطاتها العسكرية في الشرق الأوسط، إلا أنها أبقت الاتفاق الذي تم التوصل إليه بشأن البرنامج النووي الإيراني.
- أعلن ترامب في مايو/أيار 2018 انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، وأعاد فرض العقوبات عليها، كما هدد بفرض عقوبات على الدول والشركات التي تواصل شراء النفط الإيراني.
- في مايو/أيار من العام التالي، تصاعدت التوترات بين البلدين بعد أن شددت الولايات المتحدة عقوباتها على صادرات النفط الإيرانية، مما دفع إيران إلى إطلاق حملة "الضغط المقابل".
- تعرضت 6 ناقلات نفط لانفجارات في خليج عمان، واتهمت واشنطن طهران بالوقوف وراءها.
- في يوليو/تموز 2019، بدأت إيران بالتراجع عن التزاماتها الأساسية في الاتفاق النووي ردا على العقوبات الأميركية.
- في 3 يناير/كانون الثاني 2020، توعدت إيران الولايات المتحدة بـ"الانتقام القاسي" ردا على اغتيال اللواء قاسم سليماني، قائد فيلق القدس -الذراع الخارجية للحرس الثوري الإيراني– باستهداف سيارته في غارة أميركية بالعاصمة العراقية بغداد.
مفاوضات غير مباشرة
- بدأت إيران والولايات المتحدة في عهد الرئيس جو بايدن عام 2021 مفاوضات غير مباشرة في العاصمة النمساوية فيينا حول كيفية استعادة الاتفاق النووي، غير أن المحادثات لم تصل إلى أي اتفاق.
- مع تعثر المفاوضات بشأن إحياء الاتفاق النووي الإيراني، جدد الرئيس بايدن أثناء زيارته الأولى لإسرائيل عام 2022، التزام بلاده باستخدام القوة لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي.
- في يونيو/حزيران 2023، فرضت وزارة الخارجية الأميركية عقوبات على شبكة دولية تضم 7 أفراد و6 كيانات في إيران والصين، لدعمها برامج الصواريخ والأسلحة النووية الإيرانية. وأكدت الوزارة أن الشبكة كان لها دور محوري في تزويد إيران بمواد وتكنولوجيا تُساهم في تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك برنامج الصواريخ البالستية.
استئناف المباحثات
بعد عودة الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض في ولاية ثانية، انطلقت محادثات أميركية إيرانية في أبريل/نيسان 2025 في العاصمة العُمانية مسقط بشأن البرنامج النووي الإيراني، في أول تقدم يُسجل في هذا الملف منذ سنوات.
وتعليقا على المحادثات، قال ترامب إنها "تمضي على نحو جيد"، فيما أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأميركي للشرق الأوسط ستيفن ويتكوف، عن جولة تفاوض جديدة تبدأ يوم 19 أبريل/نيسان 2025.
