مجزرة قانا الأولى.. حين قتلت إسرائيل مدنيين في مقر أممي بلبنان

مجزرة ارتكبها الجيش الإسرائيلي يوم 18 أبريل/نيسان 1996 في بلدة قانا جنوبي لبنان، داخل مقر تابع لقوات الأمم المتحدة المؤقتة (يونيفيل)، كان يحتمي فيه مئات المدنيين الهاربين من القصف أثناء عملية "عناقيد الغضب".
استهدفت القوات الإسرائيلية المركز بقصف مباشر أدى إلى مقتل أكثر من 100 شخص، معظمهم من النساء والأطفال، ما أثار موجة من التنديد الدولي، في حين أكدت تقارير أممية أن القصف لم يكن نتيجة خطأ كما ادعت إسرائيل.
أين وقعت مجزرة قانا؟
وقعت مجزرة قانا الأولى في بلدة قانا -وتسمى رسميا قانا الجليل- على بُعد نحو 95 كيلومترا جنوب العاصمة بيروت، وحوالي 14 كيلومترا شرق مدينة صور، ويبلغ عدد سكانها نحو 20 ألف نسمة.
تشتهر البلدة بمعالمها الأثرية والنقوش الصخرية والمغارات والمعابد والتماثيل التي يعود تاريخها إلى بدايات عهد الديانة المسيحية.
وتضم البلدة أحياء كثيرة منها، حارة الفوقا وحارة التحتا وحي السيدة صالحة وحي البركة وحي المحافر وحارة مار يوسف وحي الحافور.
ووقعت المجزرة تحديدا في مركز قيادة "فيجي" التابع لقوة الأمم المتحدة في لبنان (يونيفيل)، الذي احتمى فيه مئات من المدنيين معظمهم نساء وأطفال، هربا من صواريخ جيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي شن حربا واسعة أطلق عليها اسم "عناقيد الغضب".
السياق العسكري للمجزرة
شن الاحتلال الإسرائيلي بين 11 و27 أبريل/نيسان 1996 عدوانا على لبنان، أطلق عليه اسم "عناقيد الغضب"، مبررا إياه بضرورة ضرب القدرات العسكرية للمقاومة اللبنانية التي كانت تستهدف أراضيه.
جاءت العملية بموافقة من رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك شمعون بيريز، واستهدفت ما قالت إنها مواقع عسكرية ومعاقل لحزب الله، وكذلك البنية التحتية المدنية في جنوب لبنان وبيروت والبقاع.
شاركت في العملية العسكرية جميع قطاعات الجيش الإسرائيلي البرية والبحرية والجوية، وبلغ إجمالي الغارات الإسرائيلية أثناء العملية 139 غارة.
واستهدف جيش الاحتلال منشآت حيوية في البلاد، مثل محطة الطاقة في منطقة الجمهور، وضرب مرافئ مدن بيروت وصيدا وصور.
وتحت ضغط دولي، قُدمت مسودة اتفاق وقف إطلاق النار في تل أبيب وبيروت يوم 26 أبريل/نيسان 1996، واتفق الجانبان على وقف استهداف المدنيين، كما أنشئت "مجموعة مراقبة" تضم إسرائيل ولبنان وسوريا والولايات المتحدة وفرنسا لضمان الالتزام بشروط الاتفاقية.
تفاصيل مجزرة قانا
مع دخول العدوان الإسرائيلي على لبنان يومه الثامن، فر نحو 800 مدني معظمهم من الأطفال والنساء، من أهالي بلدات قانا وحاريص والقليلة، واحتموا بمركز قوة الأمم المتحدة في قانا، ظنا منهم أنه سيحميهم، وأن إسرائيل ستمتنع عن ملاحقتهم وقتلهم في مبنى أممي محمي بموجب القوانين والأعراف الدولية.
في تمام الساعة الثانية من ظهر يوم 18 أبريل/نيسان 1996، قصفت قوات الاحتلال الإسرائيلي المتمركزة على الحدود اللبنانية مركز القوة الأممية بصواريخ بعيدة المدى، وأكثر من 15 قذيفة، بعضها كان عبارة عن قنابل فوسفورية.
خلفت المجزرة التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي نحو 106 قتلى من المدنيين، بينهم عشرات الأطفال، في حين أصيب نحو 150 آخرين بجروح خطيرة شملت حالات الحرق بسبب شظايا القنابل.
وأوضح أحد الناجين من المجزرة أن إسرائيل كانت تخطط مسبقا لضرب المركز الأممي، مشيرا إلى أن 54 شهيدا سقطوا في غرفة كانت عبارة عن كنيسة، وأن "أجسادهم كانت تحترق بفعل الفسفور الأبيض وتتحول إلى رماد".
وقالت ناجية أخرى إن المكان كان مزدحما للغاية بالباحثين عن الأمان وكان معظمهم من النساء والأطفال، قبل أن يستهدفه الاحتلال الإسرائيلي.
وفي محاولة لتبرير الجريمة، قال بيريز إن جيش بلاده "لم يكن يعلم بوجود مدنيين في مقر الأمم المتحدة"، وأكدت الحكومة الإسرائيلية أن القصف جاء بـ"الخطأ"، وكان ناجما "عن تحليل خاطئ للمعلومات الميدانية".
لكن موشيه يعالون رئيس الاستخبارات العسكرية (أمان) حينئذ أقر بأن الضباط كانوا على علم بوجود مدنيين داخل المقر.
وحملت إسرائيل حزب الله مسؤولية سقوط الضحايا المدنيين، زاعمة أن قصف البلدة جاء ردا على صواريخ كاتيوشا أطلقها الحزب من موقع قريب من تمركز القوات الإسرائيلية.

ردود الفعل
جاءت ردود الفعل الدولية ضعيفة إزاء المجزرة التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي بحق أهالي قانا، إذ اكتفت معظمها بالدعوة إلى التهدئة ووقف إطلاق النار.
ودعا الرئيس الأميركي حينئذ بيل كلينتون جميع الأطراف لوقف إطلاق النار، بينما وجه الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك نداء إلى إسرائيل بضرورة الاستجابة لمطالب وقف إطلاق النار. أما روسيا فقد انتقدت إسرائيل وأعربت عن قلقها إزاء تدهور الوضع في لبنان.
أما الموقف العربي فقد اقتصر هو الآخر على الإدانة وإرسال رسائل تؤكد خطورة الموقف وضرورة وقف العمليات العسكرية في لبنان.
وطالب رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري بوقف إطلاق النار وتطبيق "اتفاق الكاتيوشا" عام 1993 بين حزب الله وإسرائيل، والذي نص على عدم استهداف المدنيين في الجانبيين، والبدء بتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي الداعي إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان.
وقد حاول مجلس الأمن التصويت على قرار بإدانة إسرائيل، لكن الولايات المتحدة أجهضت القرار باستخدام حق النقض (الفيتو).
وأجرت الأمم المتحدة تحقيقا رسميا في موقع المجزرة، وجاء في تقريرها أنه من "المستحيل أن يكون قصف المركز الأممي في قانا نتيجة خطأ تقني أو إجرائي جسيم، كما زعم المسؤولون في الجيش الإسرائيلي".
كما أجرت منظمات عالمية معنية بحقوق الإنسان تحقيقات بشأن المجزرة، وخلصت نتائجها إلى أن الجيش الإسرائيلي كان على علم بوجود المدنيين في مقر القوات الأممية.
وقد أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 25 أبريل/نيسان 1996، بأن إسرائيل انتهكت القوانين الدولية المتعلقة بحماية المدنيين أثناء عدوانها على لبنان.
وبحسب تقارير، ارتكبت إسرائيل مجزرة أخرى عُرفت بـ"قانا الثانية" أثناء العدوان على لبنان عام 2006، وقد قدر عدد ضحاياها بـ55 شخصا.