رياض سلامة.. ثلاثة عقود على رأس مصرف لبنان انتهت بملاحقات قضائية

حفظ

رياض سلامة هو أول حاكم مصرف مركزي عربي يقرع له جرس افتتاح بورصة نيويورك عام 2009 (الجزيرة)

اقتصادي ومصرفي لبناني، شغل منصب حاكم مصرف لبنان في الفترة بين عامي 1993 و2023، ليصبح أحد أطول حكام المصارف المركزية بقاء في مناصبهم. ارتبط اسمه في بدايات ولايته بإعادة الاستقرار النقدي للاقتصاد اللبناني بعد الحرب الأهلية، ونال جوائز دولية عدة، قبل أن يتحول إلى أحد أبرز وجوه الأزمة المالية التي اندلعت عام 2019، ومحور انتقادات واسعة وملاحقات قضائية داخلية ودولية.

وفي الأول من أغسطس/آب 2026، نقل سلامة إلى سجن رومية بقرار من النائب العام التمييزي، بعد فترة قضاها تحت حراسة أمنية في مستشفى بحنس. وجاء ذلك ضمن مسار الملاحقات القضائية المستمرة بحقه، إذ سبق أن أوقف في سبتمبر/أيلول 2024، قبل أن يُخلى سبيله في سبتمبر/أيلول 2025 بكفالة تجاوزت 14 مليون دولار، فيما يواصل نفي جميع الاتهامات الموجهة إليه وتحميل الطبقة السياسية مسؤولية الانهيار الاقتصادي في لبنان.

المولد والتكوين

ولد رياض سلامة يوم 17 يوليو/تموز 1950، في بلدة كفردبيان في منطقة المتن بجبل لبنان.

أنهى رياض سلامة دراسته الثانوية في مدرسة سيدة الجمهور للآباء اليسوعيين، ثم التحق بالجامعة الأميركية في بيروت، حيث نال درجة الإجازة (بكالوريوس) في الاقتصاد.

حصل على دكتوراه فخرية عام 2009 من "الجامعة الأميركية في بيروت"، ونالها أيضا في عام 2010 من "الجامعة اللبنانية"، ثم من "الجامعة الأميركية للتكنولوجيا" بلبنان عام 2013.

رياض سلامة حصل على دكتوراه فخرية عام 2009 من "الجامعة الأميركية في بيروت"
رياض سلامة حصل على دكتوراه فخرية عام 2009 من "الجامعة الأميركية في بيروت" (الجزيرة)

المسار المهني

بدأ رياض سلامة مسيرته المهنية في القطاع المالي الخاص عام 1973، فقد عمل نحو عشرين عاما مستشارا ماليا ومسؤولا في شركة "ميريل لينش" (Merrill Lynch) الأمريكية، متنقلا بين مكتبيها في باريس وبيروت. ويؤكد سلامة أن ثروته الشخصية تكوّنت في هذه المرحلة من عمله في الوساطة المالية واستثماراته الخاصة.

إعلان

وفي عام 1993، عُين حاكما لمصرف لبنان، وظل في المنصب حتى يوليو/تموز 2023، ليصبح أحد أطول حكام المصارف المركزية عهدا في العالم. وفي السنوات الأولى من ولايته، ارتبط اسمه بإعادة الاستقرار النقدي بعد الحرب الأهلية، إذ نجح في خفض معدلات التضخم، كما حافظ على تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار منذ عام 1997.

ونال في تلك الفترة عدة جوائز دولية، أبرزها جائزة أفضل حاكم مصرف مركزي في العالم من مجلتي "يورو موني" عام 2006 و"ذا بانكر" عام 2009، كما أصبح أول حاكم مصرف مركزي عربي يقرع جرس افتتاح بورصة نيويورك.

وشهدت مسيرته تحولا مع بدء اعتماد ما عُرف بـ"الهندسات المالية" عام 2016، وهي سياسات هدفت إلى جذب الدولار والحفاظ على استقرار الليرة، قبل أن يصفها البنك الدولي لاحقا بأنها تشبه "مخطط بونزي" (عملية احتيال استثماري تستخدم مال المستثمرين الجدد لدفع عوائد للمستثمرين السابقين). ومع اندلاع الأزمة المالية اللبنانية عام 2019، تدهورت قيمة العملة الوطنية وتعرض سلامة لانتقادات واسعة لتنتهي ولايته في يوليو/تموز 2023 وسط رفض دولي لتمديدها.

Lebanon's Central Bank Governor Riad Salameh speaks after meeting with President Michel Aoun at the presidential palace in Baabda
رياض سلامة بدأ مسيرته المهنية في القطاع المالي الخاص عام 1973 (رويترز)

الأزمة المالية

شكّل اندلاع الأزمة المالية في لبنان عام 2019 نقطة تحول في مسيرة سلامة، بعدما أصبح محور انتقادات واسعة بشأن السياسات النقدية التي اتبعها مصرف لبنان في سنوات ولايته.

ورأى منتقدوه أن تلك السياسات، بما فيها تثبيت سعر صرف الليرة وتمويل الدولة واعتماد ما عُرف بـ"الهندسات المالية"، أسهمت في تراكم الاختلالات المالية وتعميق الأزمة، في حين نفى سلامة مسؤوليته عن الانهيار، مؤكدا أن مصرف لبنان "موّل الدولة لكنه لم ينفق الأموال"، محملا الطبقة السياسية مسؤولية إدارة المالية العامة.

وفي أثناء سنوات ولايته، حافظ مصرف لبنان على تثبيت سعر صرف الليرة عند 1507.5 ليرات مقابل الدولار، مما ساعد على استقرار العملة لعقود، بالتزامن مع استقطاب القطاع المصرفي ودائع ورؤوس أموال من الخارج عبر تقديم أسعار فائدة مرتفعة، ليصبح أحد الركائز الأساسية للاقتصاد اللبناني.

سلامة عُين حاكما لمصرف لبنان عام 1993 وظل في المنصب حتى يوليو/تموز 2023
سلامة عُين حاكما لمصرف لبنان عام 1993 وظل في المنصب حتى يوليو/تموز 2023 (الأوروبية)

وفي عام 2016، أطلق مصرف لبنان سلسلة من "الهندسات المالية" بهدف تعزيز احتياطياته من العملات الأجنبية، والحفاظ على استقرار سعر الصرف، ودعم رسملة المصارف، إلا أن هذه الإجراءات تعرضت لاحقا لانتقادات من خبراء اقتصاديين اعتبروا أنها ساهمت في تعميق الأزمة، في ظل استمرار تمويل الدولة وتأخر تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية.

ومع تفاقم الأزمة في عام 2019، فرضت المصارف قيودا على سحب الودائع بالدولار، فيما فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 98% من قيمتها أمام الدولار. ومنذ ذلك الحين، تصاعدت الانتقادات والملاحقات القضائية بحق سلامة، وصولا إلى صدور مذكرات توقيف دولية بحقه وتعميمها عبر الإنتربول.

الملاحقات القضائية

بعد مغادرته منصبه، دخل سلامة في سلسلة من الملاحقات القضائية، إذ أوقفه القضاء اللبناني في سبتمبر/أيلول 2024 في قضايا تتعلق بالاختلاس وغسل الأموال والاحتيال المرتبطة بشركتي "أوبتيموم إنفست" و"فوري".

إعلان

كما صدرت بحقه مذكرات توقيف دولية من فرنسا وألمانيا، وفرضت عليه الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا عقوبات بتهم الفساد والإثراء غير المشروع، في حين واصل الدفاع عن نفسه معتبرا أنه "كبش فداء" للطبقة السياسية اللبنانية.

سلامة نُقل إلى سجن رومية في الأول من أغسطس/آب 2026
سلامة نُقل إلى سجن رومية في الأول من أغسطس/آب 2026 (الفرنسية)

وفي 31 يوليو/تموز 2026، تم توقيف رياض سلامة تحت حراسة أمنية في مستشفى بحنس، إثر مذكرة إحضار أصدرها النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج، وفي اليوم التالي نقل سجن رومية حيث أُودع في مبنى شعبة المعلومات داخل السجن، ليصبح رسميا في عداد الموقوفين فيه، مع استمرار متابعة حالته الصحية واتخاذ الإجراءات القانونية والطبية اللازمة إذا استدعت حالته نقله مجددا إلى المستشفى.

ولا يعدّ هذا الإيقاف حكما بالإدانة، لكنه يتخذ عندما لا يستجيب المتهم للاستدعاء القضائي، وقد أوقف سلامة بعدما تغيب عن جلسة محاكمة كان مقررا أن يمثل فيها لمواجهة اتهامات بالاستيلاء على أموال مصرف لبنان والإثراء غير المشروع وتبييض أموال تتجاوز قيمتها 260 مليون دولار، وذلك على خلفية شكوى تقدم بها حاكم مصرف لبنان الجديد كريم سعيد.

وجاء هذا التطور في سياق الملاحقات القضائية المستمرة بحق سلامة، الذي أوقف في سبتمبر/أيلول 2024، قبل أن يُخلى سبيله في سبتمبر/أيلول 2025 بكفالة مالية تجاوزت 14 مليون دولار. ومنذ ذلك الحين، لم يحضر أي جلسة محاكمة، فيما واصل نفي التهم الموجهة إليه، مؤكدا أنه "كبش فداء" للمنظومة السياسية ولتحميله مسؤولية الانهيار الاقتصادي في لبنان.

رياض سلامة نال جائزة أفضل حاكم مصرف مركزي في العالم العربي عام 1996
رياض سلامة نال جائزة أفضل حاكم مصرف مركزي في العالم العربي عام 1996 (الأوروبية)

الوظائف والمسؤوليات

تولى رياض سلامة أثناء مسيرته العديد من المسؤوليات المهمة، ومن أبرزها:

  • رئيس "هيئة الأسواق المالية اللبنانية".
  • رئيس "المجلس المركزي لمصرف لبنان".
  • رئيس "الهيئة المصرفية العليا".
  • رئيس "هيئة التحقيق الخاصة".
  • عضو في مجلس محافظي "صندوق النقد الدولي".
  • عضو في مجلس محافظي "صندوق النقد العربي".
  • حاكم مصرف لبنان المركزي لثلاثة عقود (1993-2023).
  • رئيس مشارك في مجلس الاستقرار المالي لمنطقة دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
  • نائب للرئيس ومستشار مالي في شركة "ميرل لينش" (1985-1993).
epa03013810 Lebanese Governor Bank of Lebanon Riad Salameh, speaks during the opening of The Annual Arab Banking Conference 2011, 'Future of the Arab World in Light of Recent Transitions – Conferences,' at the Phoenicia hotel in Beirut, Lebanon 24 November 2011. The 2011 Annual Arab Banking Conference of the Union of Arab Banks (UAB) is different from the previous conferences in its approach to the crisis, as UAB cannot ignore the current strategic events. The event is taking place on 24 - 25 November 2011. EPA/NABIL MOUNZER
رياض سلامة كان مستشارا ماليا ونائبا لرئيس شركة "ميرل لينش" بين 1985 و1993 (الأوروبية)

الجوائز والأوسمة

حاز رياض سلامة على عدد من الجوائز، من بينها:

  • جائزة أفضل حاكم مصرف مركزي في العالم العربي (1996).
  • وسام جوقة الشرف الفرنسية من رتبة فارس (1997)، ثم الوسام نفسه لكن برتبة ضابط (2009).
  • جائزة "مجلة غلوبال فاينانس" باعتباره أحد أفضل 20 حاكما للمصرف المركزي (2004).
  • جائزة "يورموني" باعتباره أفضل حاكم مصرف مركزي في الشرق الأوسط (1996، و2006).
  • جائزة "يورموني" باعتباره أفضل حاكم مصرف مركزي في العالم لعام (2003 و2006).
  • جائزة أفضل حكام مصرف مركزي، من مجلة "بانكر" (2009).
  • أول حاكم مصرف مركزي عربي يقرع جرس افتتاح بورصة نيويورك في (2009).
  • جائزة الإبداع العربي عن فئة الإبداع الاقتصادي (2009).
  • جائزة شخصية الريادة المصرفية من الاتحاد الدولي للمصرفيين العرب (2009).
المصدر: الجزيرة

إعلان