سلوبودان ميلوسوفيتش.. "جزار البلقان"

سلوبودان ميلوسوفيتش زعيم صربي ولد يوم 20 أغسطس/آب 1941، تولى السلطة لسنوات وقاد حملات تطهير عرقي واسعة في دول البلقان، انتهت بالإطاحة به وتسليمه إلى المحكمة الخاصة بجرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة (مقرها لاهاي)، وفي 11 مارس/آذار 2006 عثر عليه ميتا في زنزانته.

المولد والنشأة

ولد سلوبودان ميلوسوفيتش في مدينة بوزاريفاتش المركز الإداري لمنطقة برانيتشيفو شرقي صربيا يوم 20 أغسطس/آب 1941 لوالدين من الجبل الأسود.

كان والده سفيتوزار ميلوسوفيتش عالم لاهوت أرثوذكسيا، وكانت والدته ستانيسلافا ريسانوفيتش معلمة وعضوة نشطة في الحزب الشيوعي.

عاش ميلوسوفيتش في طفولته وشبابه حياة معقدة بسبب تفكك أسرته، إذ انفصل والداه في وقت مبكر، ثم توفي كل من والده وعمه.

في عام 1971، تزوج ميلوسوفيتش من صديقة طفولته الشيوعية ميريانا ماركوفيتش، التي أصبحت مستشارة سياسية له، وأنجب منها طفلان: ماركو وماريجا.

الدراسة والتكوين

درس القانون في جامعة بلغراد وحصل منها على درجة الليسانس عام 1964.

أثناء دراسته في كلية الحقوق، كان ميلوسوفيتش رئيسًا للجنة الأيديولوجية لفرع الطلاب في الرابطة الشيوعية اليوغوسلافية "إس كيه جيه" (SKJ)، وكان يبلغ من العمر وقتها 18 عامًا.

الوظائف والمسؤوليات

بعد تخرجه عام 1966، أصبح ميلوسوفيتش مستشارًا اقتصاديا لعمدة بلغراد برانكو بيشيتش.

بدأ ميلوسوفيتش حياته المهنية في إدارة الأعمال، وأصبح في النهاية رئيسًا لشركة الغاز المملوكة للدولة ورئيسًا لأحد البنوك الكبرى في بلغراد.

وفي عام 1983، تفرغ ميلوسوفيتش كليا للعمل السياسي، حيث تقلد مسؤوليات حزبية وسياسية.

التجربة السياسية

في عام 1984 انخرط ميلوسوفيتش في العمل السياسي وتمكن من ارتقاء درجات السلطة بشكل سريع، رغم شخصيته الانطوائية وافتقاره إلى مواصفات الخطيب البارع والزعيم الشعبي.

وفي عام 1987 أصبح رئيسا لما سميت حينها "رابطة شيوعيي صربيا"، واعتبر مخلصا للصرب في إقليم كوسوفو ذي الغالبية الألبانية.

استخدم شعبيته المتزايدة للإطاحة بمعلمه السابق ستامبوليتش كزعيم لـ"إل سي إس" (LCS) في ديسمبر/كانون الأول 1987 بصفته زعيم حزب صربيا.

ولاحقا تمكن من التغلب على خصمه ومرشده السابق إيفان ستامبوليتش، إذ طرده من رئاسة صربيا عام 1989، وانتخب ميلوسوفيتش رئيسا للبلاد، وأسس الحزب الاشتراكي الصربي، وفي عام 1990 أجرى ميلوسوفيتش تغييرات في الدستور الصربي حدت من استقلالية المقاطعات.

في العام ذاته ألغى ميلوسوفيتش نظام الحكم الذاتي الذي منح في عام 1974 لكوسوفو، حيث توجد غالبية ألبانية، مكرسا تفوق الصرب في هذا الإقليم، وحظي قراره بتأييد واسع من الرأي العام المحلي.

تعاقبت سلسلة الأحداث الدامية في عهد ميلوسوفيتش، فقامت القوات الصربية بتحويل مدينة فوكوفار الكرواتية إلى خراب. لكنه تلقى هزيمة عام 1991 حيث انفصلت كل من سلوفينيا وكرواتيا ومقدونيا عن اتحاد جمهوريات يوغسلافيا، الذي كانت تقوده صربيا. كما حارب في كرواتيا وخرج مهزومًا في سلافونيا الشرقية.

وفى عام 1992 أعلن الشعب البوسني استقلاله عبر استفتاء شعبي. لكنه دخل حرب البوسنة التي يحمّله العالم مسؤولية المجازر المرتكبة فيها بحق المسلمين لا سيما في سربرينيتشا، وحاصر سراييفو، وتم ترحيل واعتقال أكثر من ربع مليون مسلم.

وأعيد انتخابه عام 1992 رئيسا لجمهورية يوغوسلافيا الفدرالية الجديدة، التي كانت تتألف فقط من صربيا والجبل الأسود.

جزار البلقان

بعد 3 سنوات من الحرب الشاملة في البوسنة، خلف حصار سراييفو (1992-1995) مقتل أكثر من 8 آلاف مسلم في مجزرة في سربرينيتشا وحدها.

ولاحقا اضطر ميلوسوفيتش نيابة عن صرب البوسنة إلى توقيع اتفاقية دايتون في نوفمبر/تشرين الثاني 1995 وبالتالي إنهاء القتال في البوسنة بشكل فعال، متخليا عن جزء كبير من حلم صربيا.

أصبح ميلوسوفيتش في عام 1997 رئيسا لما كانت تسمى "جمهورية يوغسلافيا الاتحادية"، التي كانت تضم حينها الجبل الأسود وصربيا وإقليم كوسوفو.

أعلن ميلوسوفيتش قيام هذه الجمهورية بعد تفكك اتحاد الجمهوريات اليوغسلافية، الذي كان يضم كلا من صربيا وكرواتيا وسلوفينيا البوسنة والهرسك والجبل الأسود وجمهورية مقدونيا.

لكن الرجل لم يتخل عن نزعته الحربية، ففي 1998 أعمل آلته العسكرية لإبادة الألبان في إقليم كوسوفو، بعد أن شكل ائتلافا مع القوميين المتشددين واستند إلى دعم الجيش والشرطة لتشديد قبضة سلطته.

وقد قتل الصربُ بين عامي 1998 و1999 حوالي 10 آلاف ألباني، وأجبروا 800 ألف منهم على النزوح من كوسوفو إلى ألبانيا ومقدونيا.

وفي عام 1999 قامت قوات حلف شمال الأطلسي "ناتو" (NATO) بحملة قصف جوي عنيف على صربيا، استمرت 11 أسبوعا، لمنع ميلوسوفيتش من مواصلة تنفيذ سياسة التطهير في كوسوفو. وأجبرت ضربات الناتو القوات الصربية على الانسحاب من الإقليم.

وجهت إليه لائحة اتهام في مايو/أيار 1999، إذ اعتُبر مسؤولاً عن أي جرائم ضد القانون الدولي ارتكبت أثناء نزاع كوسوفو.

وفي سبتمبر/أيلول 2000 صوت الناخبون ضد بطلهم السابق، وبعد هزيمته أمام زعيم المعارضة فويسلاف كوشتونيتشا طردوه من السلطة في الخامس من أكتوبر/تشرين الأول من العام ذاته.

وعلى وقع تورطه في جرائم حرب بإقليم كوسوفو، اعتقلت السلطات الصربية ميلوسوفيتش في الأول من أبريل/نيسان 2001، وسلمته في يونيو/حزيران من العام نفسه للمحكمة الخاصة بجرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة.

وجهت لميلوسوفيتش 60 تهمة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بسبب دوره في حروب كرواتيا والبوسنة (1991-1995) وكوسوفو (1998-1999).

لم يعترف ميلوسوفيتش بشرعية المحكمة لأنها لم تُنشأ بموافقة الجمعية العامة للأمم المتحدة، ودأب على السخرية من قضاتها.

رفض ميلوسوفيتش تعيين محام للدفاع عنه، وأجرى الدفاع عن نفسه في المحاكمة التي استمرت نحو خمس سنوات، قضاها متنقًلا بين السجن والمستشفى نظرًا لتدهور وضعه الصحي، مما أدى لتأجيل صدور الحكم ضده أكثر من مرة.

الوفاة

كان ميلوسوفيتش يعاني من مشاكل في القلب وارتفاع في ضغط الدم، مما دفع المحكمة إلى وقف جلسات محاكمته مرارا، وكان من المتوقع أن تنتهي محاكمته -التي بدأت في فبراير/شباط 2002- في وقت لاحق من عام 2006.

نهاية فبراير/شباط 2006، رفضت محكمة لاهاي طلب ميلوسوفيتش لتلقي العلاج في روسيا، بعدها بأيام قلائل وفي 11 مارس/آذار من العام نفسه عثر على ميلوسوفيتش ميتا في زنزانته بمعتقل تابع لمحكمة جرائم الحرب الخاصة بيوغسلافيا في هولندا عن عمر ناهز 64 عاما، بعد أن قضى أكثر من 4 سنوات رهن الاعتقال.

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية