خوسي موخيكا.. أفقر رئيس في العالم

حفظ

خوسي موخيكا تولى رئاسة أوروغواي من 2010 إلى 2015 (الفرنسية)

خوسي موخيكا، سياسي ورئيس أوروغواي في الفترة ما بين 2010 و2015، ولد في 20 مايو/أيار 1935 وتوفي يوم 13 من الشهر نفسه عام 2025 عن عمر ناهز 89 عاما.

اشتهر بأسلوب حياته المتواضع ومواقفه السياسية المتقدمة، وأطلق عليه لقب أفقر رئيس في العالم، إذ كان يعيش في فترة رئاسته في مزرعة ريفية ضواحي العاصمة مونتيفيديو، ويقود سيارته من نوع فولكس فاغن بيتل موديل 1987، كما تبرع بحوالي 90% من راتبه الشهري للجمعيات الخيرية.

كان ينتقد النزعة الاستهلاكية ويدعو إلى البساطة، ويرى أن السعادة الحقيقية في عدم امتلاك الأشياء.

الولادة والنشأة

وُلِد خوسيه ألبرتو موخيكا كوردانو في 20 مايو/أيار 1935 بحي باسو دي لا أرينا، بضواحي مونتيفيديو عاصمة الأوروغواي.

نشأ في كنف أسرة متواضعة، إذ كانت والدته لوسي كوردانو تعمل في مجال البستنة، بينما كان والده ديميتريو موخيكا مربي ماشية.

توفي والده حين كان في السادسة من عمره، مما اضطره للعمل مبكرا للمساهمة في إعالة أسرته، فعمل في زراعة وبيع الزهور في المعارض المحلية.

تزوج من لوسيا توبولانسكي، زميلته في جماعة "توباماروس" اليسارية المسلحة، وقد التقيا في عملية سرية حين كان في السابعة والثلاثين من عمره، وكانت هي في السابعة والعشرين. وبعد أن فرقتهما السجون التقيا مجددا عام 1985 ثم تزوجا عام 2005.

كان في فترة مراهقته مولعا بركوب الدراجات، إذ مثل العديد من النوادي الرياضية في سباقات محلية.

عرف منذ صغره باسم "بيبي"، وفي الفترة من 1963 إلى 1972 استخدم أسماء مستعارة، فكان يُسمى أحيانا فاكوندو وأحيانا أخرى أولبيانو.

خوسي موخيكا اشتهر بأسلوب حياته المتواضع ومواقفه السياسية القوية
خوسي موخيكا اشتهر بأسلوب حياته المتواضع ومواقفه السياسية القوية (رويترز)

المسار التعليمي

تلقى تعليمه الأساسي والثانوي في مونتيفيديو، ثم التحق بمعهد لدراسة القانون لكنه لم يكمل دراسته، وفضل الانخراط في العمل النضالي والثوري.

فترة الشباب

انضم في شبابه الى الحزب الوطني، وسافر إلى الاتحاد السوفياتي والصين ممثلا لشباب الحزب، والتقى أعضاء الحكومة السوفياتية التي كان يرأسها آنذاك نيكيتا خروتشوف، والتقى أيضا الزعيم الصيني ماو تسي تونغ، ووصف تلك الرحلة بأنها "ملحمية".

إعلان

بعد أن خاب أمله من الحزب الوطني، انضم إلى جماعة "إصلاح الجامعة"، التي تبنت أفكارا تركز على احترام الحرية، وفي عام 1964، انضم إلى جماعة "توباماروس" المعروفة أيضا باسم "حركة التحرير الوطني"، وهي حركة ثورية يسارية مسلحة تشكلت عام 1963 مستلهمة انتصارات الثورة الكوبية عام 1959، وكانت أوروغواي في تلك الفترة تعيش أزمة اقتصادية وركودا انتخابيا لليسار.

كانت الحركة تسرق البنوك والمؤسسات والشركات، ثم توزع الطعام والأموال المسروقة على الفقراء، وتحولت إلى العمل المسلح والاغتيالات بعد قمع الاحتجاجات العمالية وفرض رئيس البلاد حالة الطوارئ  وإلغاء الدستور.

خوسي موخيكا هرب من السجن مرتين إحداهما في سبتمبر/أيلول 1971
خوسي موخيكا هرب من السجن مرتين إحداهما في سبتمبر/أيلول 1971 (أسوشيتد برس)

حياة السجن

سُجن مرات عدة بسبب أنشطته الثورية، وأدين عام 1971 بتهمة قتل ضابط شرطة، وهرب من السجن مرتين، إحداهما في سبتمبر/أيلول 1971 مع العشرات من سجن بونتا كاريتاس في مونتيفيديو عبر نفق طويل تم حفره على مدى أشهر.

أعيد اعتقاله عام 1972 دون محاكمة أو أي اتهام رسمي، وكان ضمن "الرهائن التسعة" الذين احتجزهم النظام العسكري وهدد بإعدامهم في حال أقدمت حركة توباماروس على أي هجوم مسلح أو أعمال عنف.

تعرض للتعذيب في فترة سجنه -التي امتدت حوالي 14 سنة- وقضى سبع سنوات في الحبس الانفرادي، بينها عامان في قاع بئر.

كان في فترة الحبس الانفرادي محروما من الكتب، ومغطى الرأس معظم اليوم، وكانوا يأخذونه مرة أو مرتين كل شهر ليتجول في الفناء نصف ساعة، ومرت سنتان دون أن يستحم، وعندما سمح له بذلك كان يستحم بكوب من الماء ومنديل، كما قضى 6 أشهر مقيدا بالأسلاك ويداه خلف ظهره.

روى لاحقا أنه كان يمشي ذهابا وإيابا في الزنزانة، وكان يتذكر كل ما قرأه في طفولته، وكان يتحدث مع نفسه وأحيانا يتحدث مع النمل الذي كان يشاركه الغرفة حتى لا يفقد عقله، وكان أعظم انتصاراته عندما سمح له السجانون بالاحتفاظ بالمبولة التي أحضرتها له والدته في زنزانته، وعندما خرج من السجن أخذها وحولها إلى مزهرية.

في 15 مارس/آذار 1985، بعد أسبوعين من تولي خوليو ماريا سانغوينيتي منصبه وإعادة تشكيل حكومة ديمقراطية في البلاد، أطلق سراح موخيكا وباقي السجناء السياسيين بموجب عفو عام.

خوسي موخيكا أدى اليمين الدستورية زعيما لمجلس الشيوخ في فبراير/شباط 2005
خوسي موخيكا أدى اليمين الدستورية زعيما لمجلس الشيوخ في فبراير/شباط 2005 (رويترز)

في خطاب ألقاه عام 2000 تحدث عن تلك الفترة وقال إنه لا يكره أحدا وأضاف "هناك شيء أريد أن أقوله للشباب: النجاح في الحياة لا يعني الفوز، بل يعني النهوض والبدء من جديد في كل مرة تسقط فيها".

لم يخرج موخيكا سالما من تلك الزنزانة، إذ تعرض لمضاعفات صحية في المثانة وفقد إحدى كليتيه. ورغم ما عاناه من تعذيب، كان يرفض أن يوصف بأنه "ضحية".

وعندما اتهمه منتقدوه بالتقصير أثناء فترة رئاسته في مقاضاة العسكريين المسؤولين عن حالات الاختفاء والتعذيب في فترة الديكتاتورية، رد بأنه قرر عدم تحصيل الديون المستحقة له على سجانيه، لأنه في نظره "هناك جروح لا تُشفى، وعلى المرء أن يتعلم كيف يواصل حياته".

كان يعتقد أن تلك السنوات هي التي شكلت طريقة تفكيره، وجعلته يطرح الأسئلة التي يصعب طرحها في الحياة اليومية.

إعلان

عندما سئل في مقابلة صحفية عام 2020 عما إذا كان يشعر بأنه مدين باعتذار لشعب أوروغواي لمشاركته في أعمال عنف في الستينيات من القرن العشرين، أجاب "نعم، أنا مدين له بذلك. عندما دعانا الشعب الأوروغوياني للقتال في الشوارع لمواجهة الدكتاتورية، لم نكن هناك؛ كنا في السجن. هذا هو الاعتذار الذي أقدمه له".

العودة إلى السياسة

بعد عودة الديمقراطية إلى أوروغواي، انضمت حركة توباماروس إلى التحالف اليساري المعروف باسم الجبهة العريضة، وأعادت تنظيم نفسها على هيئة حزب سياسي قانوني تحت اسم حركة المشاركة الشعبية، استعدادا لانتخابات عام 1989.

انتخب موخيكا نائبا في مجلس النواب لفترة واحدة (1995-2000)، ثم عضوا في مجلس الشيوخ عام 2000 وفي عام 2004 أعيد انتخابه في المجلس في انتخابات اتسمت بحصول ائتلاف الجبهة العريضة على الأغلبية في المجلسين التشريعيين، وفوز مرشحه الرئاسي تاباري فاسكيز.

أدى موخيكا اليمين الدستورية زعيما لمجلس الشيوخ في فبراير/شباط 2005، وشغل منصب وزير الزرعة في حكومة فاسكيز في الفترة ما بين 2005 و2008.

في فترة وجوده في البرلمان قام بحملات مكثفة في الأحياء التي لم يتمكن اليسار من اختراقها، والتي كانت تصوت للأحزاب التقليدية، وكان ذهابه لأداء مهامه في البرلمان على متن دراجة نارية وبملابس متواضعة وطريقته المميزة في الحديث والنقاش، وعيشه في مزرعة خارج المدينة، من العوامل التي جعلته واحدا من أبرز زعماء تحالف الجبهة العريضة.

استقال عام 2008 من منصبه الوزاري، وترشح للانتخابات الرئاسية عام 2009، ولم يحصل في الجولة الأولى على نسبة 50% زائد واحد من الأصوات اللازمة للفوز بالرئاسة.

وفي جولة الإعادة هزم موخيكا الرئيس السابق لويس لاكالي هيريرا من الحزب الوطني بنسبة 52.39% من الأصوات، وأصبح أكبر رئيس سنا (74 عاما) والرئيس الذي حصل على أكبر عدد من الأصوات في تاريخ أوروغواي.

خوسي موخيكا (يمين) أثناء لقاء جمعه بالرئيس البرازيلي السابق لولا دا سيلفا
خوسي موخيكا (يمين) أثناء لقاء جمعه بالرئيس البرازيلي السابق لولا دا سيلفا (رويترز)

فترة الرئاسة

تولى الرئاسة في 1 مارس/آذار 2010، وشهد اقتصاد البلاد في فترة رئاسته ازدهارا ملحوظا، إذ سجل نموا ثابتا ونصيبا جيدا للفرد من الناتج المحلي الإجمالي مع الحفاظ على معدلات بطالة منخفضة.

سنت حكومته تشريعات وصفت بأنها "تقدمية وجدلية" وبأنها "غيرت المشهد الاجتماعي في أوروغواي". ففي يونيو 2012 اقترح تقنين الماريخوانا لقطع الطريق على تجار المخدرات، وفي نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه تم تقديم مشروع قانون في مجلس النواب ينظم إنتاج الماريخوانا وبيعها واستهلاكها، وهو المشروع الذي أقره مجلسا النواب والشيوخ ووقع عليه الرئيس في نهاية ديسمبر/كانون الأول 2013.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2012، أصبحت أوروغواي أول دولة في أميركا الجنوبية تسمح بالإجهاض حتى الأسبوع الثاني عشر من الحمل، وفي مايو/أيار 2013، وقع موخيكا على مشروع قانون جعل أوروغواي ثاني دولة في أميركا اللاتينية تقنن زواج الشواذ.

رفض الإقامة في القصر الرئاسي، وقضى السنوات الخمس لولايته في منزل متواضع بمزرعته غرب مونتيفيديو محاطا بالحيوانات ويركب على جرار، ويتنقل على متن سيارة فولكس فاغن بيتل موديل 1987 ذات اللون الأزرق الفاتح، كما تنازل عن 87% من راتبه، وباع مقر الإقامة الرئاسي الصيفي لتمويل البرامج الاجتماعية.

لم يكن يحب الرسميات، إذ لم يرتد ربطة عنق في فترة رئاسته، وكان يتحدث بلغة بسيطة وأحيانا فظة، لكن أسلوب حياته المتقشف ورسالته المناهضة للاستهلاك أكسباه شعبية داخل الأوروغواي وخارجها، وخاصة في صفوف الفقراء.

عندما زاره الملك الإسباني السابق خوان كارلوس في عام 2015 في مزرعته يوما واحدا بعد مغادرته منصبه خاطبه ممازحا "يقولون إنني رئيس فقير، الفقراء هم من يحتاجون الكثير، تعلمتُ أن أعيش متخففا من الأمتعة. لا يمكنك ذلك، لأنك لسوء حظك ملك".

إعلان

وفي مناسبة أخرى علق على وصفه بأنه "أفقر رئيس في العالم"، وقال "عالمي هو هذا، ليس أفضل ولا أسوأ، إنه عالم آخر"، وقال "المشكلة أننا نعيش في عصر الاستهلاك، ونعتقد أن النجاح في الحياة يعني شراء أشياء جديدة ودفع الأقساط. ونتيجة لذلك، نبني مجتمعات تستغل نفسها بنفسها. لديك وقت للعمل، ولكن ليس لديك وقت للعيش".

وقال في حوار صحفي "بالنسبة لي، السياسة هي نضال من أجل أن يعيش غالبية الناس حياة أفضل. والحياة الأفضل لا تقتصر على امتلاك المزيد، بل تشمل أيضا الشعور بسعادة أكبر، وهذا لا يرتبط فقط بالحرمان المادي، ولكنه يرتبط أيضا بأشياء أخرى".

خوسي موخيكا توفي في مايو/أيار 2025 بعد إصابته بسرطان في المريء
خوسي موخيكا توفي في مايو/أيار 2025 بعد إصابته بسرطان في المريء (رويترز)

ورغم شعبيته، تعرض لانتقادات واتهامات لحكومته بإهدار الموارد في فترة ازدهار اقتصادي، لكنه بقي رمزا سياسيا عالميا للنزاهة والتواضع.

غادر منصبه في عام 2015 بعد انتهاء فترته الرئاسية، إذ يمنع دستور البلاد الترشح لولايتين متتاليتين، فاز بعدها بمقعد مجلس الشيوخ في فترتين متتاليتين، لكن جائحة كورونا (كوفيد-19) والضعف الذي كان يعاني منه في جهاز المناعة أكثر من عشرين عاما دفعاه إلى الاستقالة من المجلس في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2020.

وعزا استقالته إلى "أسباب شخصية وإلى الإرهاق الناجم عن الرحلة الطويلة "، ومع ذلك واصل نشاطه السياسي في تحالف الجبهة العريضة واستمر في إبداء رأيه في الأحداث الجارية.

المرض والوفاة

في نهاية أبريل/نيسان 2024، أعلن خوسي موخيكا إصابته بسرطان في المريء، وأقسم على محاربة المرض إلى النهاية، لكن تعافيه كان بطيئا نظرا لضعف مناعته، إضافة إلى التهاب الأوعية الدموية والفشل الكلوي الحاد.

في يناير/كانون الثاني 2025 أعلن أن السرطان انتشر إلى الكبد، وأكد أنه غير مستعد للخضوع لمزيد من العلاج، وقال في مقابلة مع الصحافة المحلية "جسدي لا يستطيع تحمل ذلك"، وأضاف "انتهت رحلتي، بصراحة أنا أموت، ومن حق المحارب أن يرتاح".

في 13 مايو/أيار 2025 أعلن رئيس أوروغواي ياماندو أورسي وفاة خوسيه موخيكا، عن عمر ناهز 89 عاما. وكتب على موقع إكس ينعيه "رئيس، مناضل، زعيم، وقائد. سوف نفتقدك كثيرا يا عزيزي الرجل العجوز. شكرا لك على كل ما قدمته لنا وعلى حبك العميق لشعبك".

المصدر: الجزيرة + وكالات

إعلان