كسوة الكعبة.. زينة البيت العتيق

رفع كسوة الكعبة المشرفة ثلاثة أمتار
قبل تثبيت الكسوة تـُغسل الكعبة المشرفة مرتين سنويا في شعبان وذي الحجة (الجزيرة)

يحظى حجاج بيت الله الحرام دون غيرهم برؤية الكعبة بكسوتين، الأولى عند وصولهم مكة المكرمة قبل الثامن من ذي الحجة لأداء مناسك الحج، والثانية عند إفاضتهم من منى للطواف حول الكعبة بقصد إتمام أركان الحج، حيث تكون الكعبة قد تزينت بكسوتها المذهبة الجديدة في التاسع من ذي الحجة وقت وقوف الحجاج في عرفة.

مسار تاريخي

لكسوة الكعبة قصة يرتبط تاريخها بتاريخ الكعبة نفسها، فقد كان العرب عبر التاريخ يتسابقون لنيل هذا الشرف، فكان يكسوها ميسوروهم وملوكهم وعامتهم بكل ما تيسر، إلى أن جاء الإسلام فتحمل الخلفاء هذه الكسوة وتباروا في تصميمها وإتقان صناعتها وجودة موادها، كي تليق بمكانة الكعبة وعظمتها في أفئدة المسلمين.

وقد اقتصرت كسوة الكعبة قبل الإسلام على حُصُر من خوص النخيل، ثم استخدم فيها الجلد والمنسوجات اليمنية، وفرضت قريش منذ عهد زعيمها قصي بن كلاب الكسوة على قبائلها حسب ثرائها.

وكسا الرسول عليه الصلاة والسلام ومعه أبو بكر الصديق الكعبة بالثياب اليمنية.

وفي عهد عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما استخدِم في كسوتها القماش المصري المعروف بالقباطي، وهو ثياب أبيض رقيقة، فلما تولى معاوية بن أبي سفيان الخلافة كسا الكعبة كسوتين: إحداهما القباطي والأخرى من الديباج.

وكان أول من كساها بالحرير الأسود هو الخليفة العباسي المهدي، الذي أمر ألا يوضع عليها غير ثوب واحد بعد أن كانت الكساء تتراكم عليها حتى كاد بناؤها يتداعى، ومنذ عصره استقر لون كسوة الكعبة الخارجية على اللون الأسود.

وانتقلت المسؤولية عن كسوة الكعبة -بعد ضعف العباسيين- إلى سلاطين مصر، خاصة أيام الفاطميين ثم المماليك، ثم انتقل أمرها إلى العثمانيين، ليعود بعد ذلك إلى المصريين أيام دولة محمد علي باشا، حيث أنشئ عام 1818 مصنع دار كسوة الكعبة في حي "الخرنفش" بالقاهرة، وكانت تحمل من هناك سنويا إلى مكة في احتفال كبير يسمى "المحفل".

توقف العمل بهذا المصنع في 1926 عندما قام الملك عبد العزيز بكسوة الكعبة بالحرير الأسود وأنشأ في مكة مصنعا لصنع هذه الكسوة، ثم أمر الملك فيصل بتجديد المصنع الموجود في "أم الجود" بمكة، فافتتح عام 1397هـ، ويتألف من 6 أقسام متخصصة هي: الحزام والنسيج اليدوي والصباغة والنسيج الآلي والطباعة والستارة الداخلية.

ويعمل مصنع الكسوة على مدار العام لإنتاج كسوة واحدة، تكتمل مراحل إنتاجها في 10 أشهر، لتبدأ الاستعدادات لإنتاج كسوة العام المقبل. وتسلم كل عام عند بداية شهر ذي الحجة لتنقل إلى الكعبة.

خصائص ومميزات

تتكون الكسوة -التي يبلغ ارتفاع ثوبها 14 مترا- من 5 قطع، تغطي كل واحدة منها وجها من أوجه الكعبة، والقطعة الخامسة هي الستارة التي توضع على باب الكعبة المصنوع من الذهب.

وتجري سنويا حياكة وخياطة 678 مترا مربعا من الحرير الخالص المنتقى من أفخر أنواع الحرير الإيطالي والألماني المسمى "فايف إيه" (5A)، بعد معالجته وصبغه باللون الأسود، كما يطرز يدويا بأسلاك الفضة المطلية بالذهب الخالص التي تستجلب من ألمانيا.

وتستهلك الكسوة في الإجمالي نحو 700 كيلوغرام من الحرير، و120 كيلوغراما من الذهب، إضافة إلى 25 كيلوغراما من الفضة، مع ما يزيد على 120 كيلوغراما من مواد الصباغة والمواد المساعدة. ويتبارى في حياكتها وتطريزها والإشراف عليها قرابة 300 عامل ماهر ومدرب، وبدوام كامل.

وتشمل الكسوة ستارة باب الكعبة، و4 قطع مكتوبة عليها سورة الإخلاص، وحزام الكعبة الذي يقارب طوله 45 مترا، و6 قطع تحت الحزام مطرزة بآيات قرآنية، إضافة إلى 16 قنديلا وقطعة للإهداء.

وتمر صناعة كسوة الكعبة بعدة مراحل، هي: تنظيف الحرير من المواد الحافظة، ثم صباغة الحرير الخام المستورد على هيئة شلل باللون الأسود للكسوة الخارجية، وباللون الأخضر للكسوة الداخلية، ومرحلة النسج بتحويل هذه الشلل المصبوغة إلى قماش الحرير المعد للتطريز والطباعة، أو إلى قماش الحرير المكون لقماش الكسوة.

ثم تأتي مرحلة الطباعة والتطريز التي يعمل فيها 69 عاملا يطرزون الخطوط المطبوعة على الحرير بقطن بارز، ثم يغلفون القطن بخيوط الذهب بصبر وأناة، حتى يخرج حزام الكعبة مزينا بآيات وأسماء لم تتغير منذ عهد طويل.

وبعد ذلك تأتي مرحلة التجميع التي يتم فيها تركيب قماش الحرير ليشكل جوانب الكسوة الأربعة، ثم تثبت عليه قطع الحزام والستارة التي يبلغ طولها أكثر من 7 أمتار ونصف متر، وهي تتدلى من جدار يزيد ارتفاعه على 14 مترا، فوق باب لا يتجاوز ارتفاعه 3 أمتار تقريبا.

وتحمل الستارة -التي تبلغ تكلفتها سنويا 20 مليون ريال سعودي (حوالي 5.5 ملايين دولار)- في أسفلها قطعة الإهداء التي يسجل عليها تاريخ صناعة الكسوة الذي يشير إلى بداية صنعها لا إلى وقت وضعها على الكعبة، كما تحمل اسم الملك السعودي الذي أمر بصناعتها وأهداها إلى الكعبة.

وقبل تثبيت الكسوة تغسل الكعبة المشرفة مرتين سنويا، في شعبان وذي الحجة، ويستخدم لغسلها ماء زمزم ودهن العود وماء الورد، وتغسل الجدران الأربعة والأرضية وتجفف، ثم تعطر بدهن العود الثمين الذي تستمر رائحته فواحة طوال العام.

وبعد انتهاء عملية الغسل، ترفع الستارة على البناء في احتفال يحضره كبار المسؤولين والزوار المدعوون، وهكذا تبرز الكعبة فجر كل عيد أضحى لتستقبل الحجاج يوم الحج الأكبر بكامل زينتها.

معرض الحرمين

ومما يلتحق بالكعبة ومتعلقاتها التاريخية "معرض آثار الحرمين الشريفين" الموجود بجانب مصنع كسوة الكعبة، والذي يُعرض فيه ما تجمع على مر الزمن من قطع ونقوش وآثار استغنى عنها الحرمان -أقدس مسجدين عند المسلمين- فأصبحت وثيقة تاريخية وشاهدا على تطور عمارتهما.

وقد أقيم هذا المعرض -الذي افتتِح في 25 شوال 1420 1420/10/25هـ (2000)- على مساحة إجمالية قدرها 1200 متر مربع، ورُوعي في تصميمه الخارجي المزج بين النمط المعماري الإسلامي والطراز المميز لعمارة المسجد الحرام.

ومن أكثر ما في المعرض قيمة تاريخية صورة للمصحف العثماني، وعمود حجري استخدِم دعامة لبناء الكعبة من الداخل أيام تجديد بنائها في عهد عبد الله بن الزبير عام 65 للهجرة.

وإلى جانب ذلك يوجد سلم خشبي كان يستخدم للوصول إلى باب الكعبة، ويعود تاريخه إلى سنة 1240 هجرية، وأبواب قديمة، وميزاب يعود تاريخه إلى 1956، إضافة إلى مقصورة كانت تغطي مقام سيدنا إبراهيم عليه السلام.

وقد أصبح "معرض آثار الحرمين الشريفين" أحد المعالم الرئيسة التي يقصدها حجاج بيت الله الحرام للاطلاع على مراحل تطور عمارة الحرمين الشريفين. ولا تزال أعداد زائريه في تزايد مطرد وصل إلى الملايين.

المصدر : الجزيرة