اتفاق "خطة العمل الشاملة المشتركة" بين إيران ومجموعة "5+1"

اتفاق نووي وقعته إيران مع مجموعة "5+1″، بهدف الحد من قدرات طهران النووية مقابل رفع تدريجي للعقوبات المفروضة عليها. وبموجب الاتفاق قلّصت إيران من أنشطتها النووية ووافقت على وضعها تحت الرقابة الدولية، غير أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018 أدى إلى تعثره وتصاعد التوترات الإقليمية.
لمحة تاريخية
كان انتشار الأسلحة النووية مصدر قلق عالمي منذ إنتاج أول قنبلة ذرية في العالم. وفي عام 1968 أبرمت معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية وحرّمت على الدول غير النووية تطوير هذا السلاح، وقد وقعت عليها الدول جميعها باستثناء أربع.
وقد وافقت إيران، بموجب المعاهدة، على التخلي عن تطوير الأسلحة النووية، مقابل الحصول على مساعدات ضمن البرنامج الأميركي "الذرة من أجل السلام"، لكن بعد اندلاع الثورة الإيرانية والإطاحة بحكم الشاه محمد رضا بهلوي عام 1979، بدأ القادة الإيرانيون باستئناف تطوير هذا النوع من التكنولوجيا بشكل سري.
وفي عام 2002 أثيرت شكوك بشأن سعي إيران إلى تطوير أسلحة نووية، بعد أن بنت سرا منشأة لتخصيب اليورانيوم ومفاعلا للماء الثقيل.
وقد أقرت طهران بذلك عام 2003 ووافقت على تعديلات في الترتيبات الفرعية لمعاهدة عدم الانتشار النووي، تلزمها بإبلاغ الوكالة الدولية للطاقة الذرية بنيتها إنشاء منشآت نووية.
وفي عام 2006 فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة عقوبات على إيران بسبب "أنشطة نووية مريبة"، ولاختبارها صواريخ باليستية متوسطة وطويلة المدى.
عقب انتخاب حسن روحاني رئيسا لإيران عام 2013، سعى إلى تحسين العلاقات مع الغرب، وأبلغ الجمعية العامة للأمم المتحدة بأن بلاده منفتحة على التوصل إلى حل وسط بشأن برنامجها النووي.
وفي 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2013، وبعد جولات تفاوضية عدة، وقعت إيران ومجموعة "5+1″، التي تضم الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، إضافة إلى ألمانيا، اتفاقا مؤقتا في جنيف تضمن خطة عمل مشتركة تلتزم فيها طهران بخفض وتيرة تطوير برنامجها النووي مقابل تخفيف جزئي للعقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.
وفي أبريل/نيسان 2015، توصلت طهران والدول الست الكبرى إلى اتفاق لوزان، الذي مهّد الطريق لحل نهائي في ملف البرنامج النووي الإيراني. وبموجبه، كانت إيران ستتنازل عن 98% من مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، وتجري عمليات التخصيب بشكل محدود وتحت رقابة مشددة.
توقيع الاتفاق ودخوله حيز التنفيذ
استكمالا لاتفاق لوزران، وقعت إيران ومجموعة "5+1" يوم 14 يوليو/تموز 2015 اتفاق "خطة العمل الشاملة المشتركة"، الذي ينظم رفع العقوبات المفروضة على طهران، ويسمح لها بتصدير واستيراد الأسلحة، مقابل منعها من تطوير صواريخ نووية وقبولها زيارة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية لمواقعها النووية.
وقد دخل الاتفاق حيز التنفيذ في يناير/كانون الثاني 2016، وأعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية آنذاك أن إيران وفّت بالتزاماتها الأولية.
وإثر ذلك، ردت كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة برفع أو تعليق العقوبات المفروضة على إيران.
ورفع الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباماالعقوبات الثانوية على قطاع النفط الإيراني، مما سمح لطهران بزيادة صادراتها النفطية إلى مستويات ما قبل العقوبات.
كما ألغت الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية تجميد أصول إيرانية تُقدر قيمتها بنحو 100 مليار دولار أميركي.
أبرز بنود الاتفاق
- وقف إنتاج المواد الانشطارية العسكرية
وافقت إيران على عدم إنتاج اليورانيوم عالي التخصيب أو البلوتونيوم، وكلاهما يمكن استخدامه في صنع الأسلحة النووية.
- حصر النشاط النووي في الاستخدامات السلمية
اتخذت إيران إجراءات لحصر نشاط منشآتها النووية في فوردو ونطنز وآراك لاستخدامات مدنية فقط تشمل البحوث الطبية والصناعية.
- تقييد أجهزة الطرد المركزي والتخصيب
حدد الاتفاق عدد وأنواع أجهزة الطرد المركزي التي يمكن لإيران تشغيلها، ومستوى التخصيب المسموح به، إضافة إلى حجم مخزونها من اليورانيوم المخصب.
- إشراف دولي غير مقيد
وافقت إيران على تنفيذ بروتوكول يسمح للمفتشين التابعين للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالحصول على وصول غير مقيد إلى منشآتها النووية، وذلك بهدف ضمان عدم تطويرها أسلحة نووية بشكل سري.
- تشكيل هيئة "اللجنة المشتركة"
تضم الهيئة ممثلين عن جميع الأطراف الموقعة على الاتفاق، وتتولى مسؤولية مراقبة تنفيذ بنوده وتسوية أي نزاعات قد تنشأ بشأنه.
- تفويض آلية الرقابة والتفتيش
تخول اللجنة للمفتشين الدخول إلى المواقع المشبوهة أو غير المعلنة بناء على تصويت أغلبية أعضاءها.
كما تشرف على نقل المواد النووية أو المواد ذات الاستخدام المزدوج (المدني أو العسكري).
- رفع تدريجي للعقوبات
مقابل التزامات إيران تعهدت الأطراف الأخرى برفع العقوبات المرتبطة ببرنامج إيران النووي، إلا أن عددا من العقوبات الأميركية بقيت سارية، بعضها مرتبط بأزمة احتجاز الرهائن عام 1979.
- رفع حظر الأسلحة والصواريخ
اتُفق على رفع الحظر الأممي المفروض على بيع ونقل الأسلحة التقليدية والصواريخ البالستية إلى إيران بعد 5 سنوات من توقيع الاتفاق، شرط أن تصادق الوكالة الدولية للطاقة الذرية على أن النشاط النووي الإيراني أصبح ذا طابع مدني بحت.
- آلية "العودة السريعة" للعقوبات
اتفق الأطراف على أنه في حال اشتبه أحدهم بأن إيران تنتهك الاتفاق، يمكن لمجلس الأمن الدولي التصويت على استمرار رفع العقوبات أو استئنافها. وإذا رُفعت شكوى، تُفعل آلية "العودة السريعة للعقوبات" التي تبقى سارية 10 سنوات من تاريخ توقيع الاتفاق، وبعدها تلغى العقوبات الأممية نهائيا.
تعثر الاتفاق النووي
تعثّر اتفاق "خطة العمل الشاملة المشتركة" بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يوم 8 مايو/أيار 2018 انسحاب بلاده منه، مشيرا إلى ما وصفه بـ"عدم شفافية طهران" بشأن أنشطتها النووية. وفرض سلسلة من العقوبات، معتبرا أن الاتفاق كان "سيئا ومعيبا في جوهره".
وردا على العقوبات الأميركية، أعلنت إيران عام 2019 أنها ستبدأ تقليص التزاماتها بموجب الاتفاق النووي، وأكدت تخليها عن جميع القيود المفروضة على برنامجها لتخصيب اليورانيوم.
وفي خطوة تصعيدية أخرى، رفعت طهران في يوليو/تموز 2019 نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 20%، متجاوزة الحد المنصوص عليه في الاتفاق والبالغ 3.67%.
وعقب اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني اللواء قاسم سليماني في الثالث من يناير/كانون الثاني 2020، إثر غارة جوية أميركية استهدفت موكبه قرب مطار بغداد الدولي، أعلنت إيران أنها لن تلتزم بأي قيود على تخصيب اليورانيوم بموجب الاتفاق النووي.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2020 سرّعت طهران وتيرة أنشطتها النووية عقب اغتيال العالم الإيرانيمحسن فخري زاده، الملقب بـ"أبو البرنامج النووي الإيراني"، متهمة إسرائيل بالوقوف وراء العملية.
وفي محاولة لإنقاذ الاتفاق، أطلقت كل من فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة آلية تجارية خاصة تعرف باسم "إنستكس"، تهدف إلى تسهيل المعاملات التجارية مع إيران خارج النظام المالي الأميركي، إلا أن الآلية لم تستخدم سوى مرة واحدة قبل أن تعلن باريس وبرلين إنهاء العمل بها عام 2023، متهمتين طهران بعرقلة تنفيذها.
محاولات إحياء الاتفاق
بعد فوز الرئيس الأميركي جو بايدن في الانتخابات الرئاسية أواخر عام 2020، أكد نيته إعادة التشاور مع الحلفاء بشأن الاتفاق النووي مع إيران، وتوسيعه ليشمل البرنامج الصاروخي الإيراني.
وردت طهران بأنها لن تتفاوض إلا في إطار العودة الكاملة للولايات المتحدة إلى الاتفاق ضمن مجموعة "5+1". وفي 2021، بدأت اجتماعات في العاصمة النمساوية فيينا بين دبلوماسيين إيرانيين ودول المجموعة للتفاوض على استعادة الاتفاق.
لكن المفاوضات تعثرت مجددا عام 2022، وتحولت إلى مباحثات غير مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، واستمرت حتى عام 2023 دون التوصل إلى اتفاق نهائي.
وفي 2023 أعلنت حكومات فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة استمرار فرض التدابير المتعلقة بمنع الانتشار النووي على إيران، بما في ذلك حظر الأسلحة والصواريخ، وذلك ردا على عدم امتثالها لالتزاماتها بموجب الاتفاق النووي.
وقبيل عودة الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض عام 2024، أجريت مباحثات بين إيران وممثلين عن ألمانيا وفرنسا وبريطانيا تناولت ملفات عدة، من بينها البرنامج النووي الإيراني.
وفور عودة ترامب إلى الرئاسة بداية 2025 أعلن بدء مفاوضات مباشرة مع إيران بشأن برنامجها النووي، بوساطة عُمانية، محذرا من أن طهران ستواجه "خطرا كبيرا" إذا لم تتخل عن طموحاتها النووية. وقد أُجريت جولات تفاوضية عدة بين الجانبين، لكنها توقفت بعد اندلاع الحرب الإسرائيلية على إيران في يونيو/حزيران 2025.