اهتزاز الصفائح التكتونية.. كيف تولد الأرض الزلازل؟

حفظ

People walk by demolished buildings following the deadly earthquake in Maras, Turkey, February 11, 2023. REUTERS/Emilie Madi
مبان مدمرة عقب زلزال كهرمان مرعش في تركيا يوم 11 فبراير/شباط 2023 (رويترز)

ظاهرة طبيعية تنتج عن اهتزاز مفاجئ وسريع للقشرة الأرضية، بسبب تعاظم الضغط الناشئ عن إزاحة في الطبقات الصخرية تحت سطح الأرض. وتتفاوت هذه الظاهرة في شدتها بين هزات خفيفة بسيطة الضرر، وأخرى مدمرة تتسبب تشققات في الأرض وتؤدي إلى تحطم ودمار في المباني والطرق.

وترتبط احتمالية حدوث الزلازل في منطقة ما بعدة عوامل، من أهمها: موقع تلك المنطقة وطبيعتها الجيولوجيا وتاريخها الزلزالي.

وقد ارتبط كثير من الكوارث التي شهدتها البشرية بالزلازل والاهتزازات الأرضية، لذلك توجّه اهتمام العلماء إليها بالدراسة والتحليل، سعيا لوضع مؤشرات تحاول التنبؤ بحدوثها، وإيجاد معايير وأنظمة لتصميم مبان ومنشآت تقاومها وتتلافى التأثر المدمر بها.

كيف يقع الزلزال؟

تُعرف الهزات بأنها ظاهرة كونية فيزيائية بالغة التعقيد، وهي حركات عشوائية للقشرة الأرضية على شكل ارتعاش وتحرك وتموج عنيف بسبب انطلاق كميات هائلة من الطاقة من باطن الأرض، وتتولد هذه الطاقة نتيجة لإزاحة عمودية أو أفقية بين صخور الأرض عبر الصدوع التي تحدث لتعرضها المستمر للتقلصات والضغوط الكبيرة.

وتتراوح الزلازل في شدتها بين هزات خفيفة بسيطة الضرر وهزات عنيفة تؤدي إلى تشقق سطح الأرض وتكوّن الحيود والانزلاقات الأرضية وتحطم المباني والطرق وخطوط الكهرباء والمياه وغيرها.

HATAY, TURKIYE - FEBRUARY 24: A view of collapsed buildings after the earthquakes jolted southern Turkiye including Hatay, Turkiye on February 24, 2023. On Feb. 06, a strong 7.7 earthquake, centered in the Pazarcik district, jolted Kahramanmaras and strongly shook several provinces, including Gaziantep, Sanliurfa, Diyarbakir, Adana, Adiyaman, Malatya, Osmaniye, Hatay, Kilis, and Elazig. Later, at 1.24 p.m. (1024GMT), a 7.6 magnitude quake centered in Kahramanmaras' Elbistan district struck the region. Two earthquakes jolted Turkiye's southernmost Hatay province on Monday, just two weeks after major quakes hit the region. According to the Disaster and Emergency Management Presidency (AFAD), one of the quakes took place at around 20.04 p.m. local time (1704GMT) in the Defne district of Hatay, with a magnitude of 6.4, while the other took place three minutes later, with the epicenter in Hatay's Samandag province, with a magnitude of 5.8. (Photo by Elif Ozturk Ozgoncu/Anadolu Agency via Getty Images)
مبان منهارة بعد زلازل ضربت جنوب تركيا يوم 24 فبراير/شباط 2023 (الأناضول)

ويتعاظم تأثير الهزات في الأراضي الضعيفة، خصوصا في الرواسب الرملية والطينية حديثة التكوين، ويعلل ذلك بأن هذه الرواسب تهتز بعنف بسبب انخفاض معامل مرونتها وصلابتها وعدم مقدرتها على تخفيف التأثير التسارعي الذي تتعرض له الحبيبات بفعل الزلازل.

وعموما، تنقسم أسباب الزلازل إلى أسباب طبيعية لا دخل للإنسان بها وأخرى غير طبيعية تنتج بسبب نشاطات الإنسان التي تخل باتزان القشرة الأرضية، وتعتبر الزلازل ذات الأسباب الطبيعية الأكثر شدة ودمارا.

إعلان

وتشكل الزلازل التكتونية 90% من هذه الزلازل، وعموما تنشأ الزلازل التكتونية نتيجة للحركة النسبية للصفائح (القطع) التي تتشكل منها القشرة الأرضية، إذ تتحرك القارات مبتعدة أو مقتربة من بعضها البعض مشكّلة إجهادات ضغط وشد بعضها بعضا.

ويبدأ تراكم الإجهادات الداخلية في طبقات الصخور الواقعة على حدود الصفائح المتحركة، وعندما تصبح قيم الإجهادات المتراكمة أكبر من قيمة الإجهادات القصوى التي يمكن أن تتحملها الصخور تحصل كسور وتحركات فجائية لطبقات الصخور، مما يؤدي إلى إطلاق كمية هائلة من الطاقة المتراكمة، حيث تنتقل هذه الطاقة على شكل موجات زلزالية في جميع الاتجاهات.

خطر الزلزال

وتعتمد شدة تأثير الزلازل على عدد من العوامل، أهمها مقدار درجتها، والعمق البؤري، والبعد عن المركز السطحي، وجيولوجية المنطقة، وطبيعة تربة الموقع، ونوعية المباني والمنشآت.. إلخ.

وللموقع وتصميم مبان مقاومة للهزات الأرضية أهمية كبيرة في تخفيف مخاطر الزلازل، لذلك اهتمت هندسة الزلازل بسياسة استخدام الأراضي وخرائط الشدة الزلزالية لكل منطقة.

وتعتمد تلك الضربات في معظمها على سعة اهتزاز القشرة الأرضية وتسارعها، وعلى الصدوع والتشققات الأرضية وحركتها، وكذلك على احتمال ذوبان تربة الأساسات في حالة التربة الرملية أو الانزلاقات الأرضية في حالة الأراضي شديدة الانحدار.

وعليه، يُوصى دوما بألا تقام المنشآت على صدوع جيولوجية بغض النظر عن مدى نشاطها الزلزالي، إذ يؤدي أدنى تحرك في قشرة الأرض على جانبي الصدوع إلى أضرار ملموسة في المنشآت، وتنفصل أجزاء المنشآت التي تقام على صدوع جيولوجية في بعض الحالات الخاصة بفواصل تسمح لكل جزء من أجزائها المفصولة بالحركة كيفما شاء.

ويمكن أن تقع المراكز أو البؤر السطحية للزلازل في الأجزاء اليابسة من الكرة الأرضية أو في البحار والمحيطات.

GAZIANTEP, TURKIYE - FEBRUARY 06: Damage occurred on the roads in Fevzipasa town of Gaziantep's Islahiye district due to earthquakes of magnitude 7.7 and 7.6 affecting 10 provinces centered in Turkiye's Kahramanmaras, on February 06, 2023 in Gaziantep, Turkiye. Early Monday morning, a strong 7.7 earthquake, centered in the Pazarcik district, jolted Kahramanmaras and strongly shook several provinces, including Gaziantep, Sanliurfa, Diyarbakir, Adana, Adiyaman, Malatya, Osmaniye, Hatay, and Kilis. Later, at 13.24 p.m. (1024GMT), a 7.6 magnitude quake centered in Kahramanmaras' Elbistan district struck the region. Turkiye declared 7 days of national mourning after deadly earthquakes in southern provinces. (Photo by Emin Sansar/Anadolu Agency via Getty Images)
أضرار في طرق بلدة فوزي باشا بمدينة غازي عنتاب التركية التي شهدت زلزالا بقوة 7.7 درجات في 6 فبراير/شباط 2023 (الأناضول)

ظاهرة تسونامي

وفي حالة الزلازل التي تقع مراكزها السطحية في قاع البحار أو المحيطات فقد تؤدي إلى حدوث أمواج مائية ضخمة جدا تسمى "تسونامي"، وهي كلمة يابانية معناها أمواج الموانئ أو الخلجان، إذ تؤدي الاهتزازات المصاحبة لحدوث الزلازل إلى تكوّن هذه الأمواج.

وقد تصل سرعة تلك الاهتزازات إلى 800 كيلومتر في الساعة، وذلك نتيجة انزلاق صفائح القشرة الأرضية عموديا على بعضها البعض، ويشار إلى أن الزلازل التي تنشأ عن انزلاقات أفقية في الصفائح لا تؤدي إلى تكوّن أمواج تسونامي.

وتعتبر الأمواج التي أثارها زلزال العام 1946 في قعر المحيط الهادئ من أشد الأمواج وأكثرها دمارا في القرن الماضي، إذ بلغ ارتفاع الأمواج التي اجتاحت شواطئ جزيرة هاواي عند منطقة "هيلو" نحو 17 مترا، وأدت إلى تدمير الشواطئ وإلحاق أضرار كبيرة بألف مبنى.

ولا تقل أمواج تسونامي التي نجمت عن زلزال سومطرة في إندونيسيا نهاية 2004 في شدة تأثيرها عن تلك التي حدثت عام 1946، وقد أدت تلك الأمواج إلى تدمير آلاف المنازل على شواطئ سومطرة والهند وسريلانكا وجزر المالديف وغيرها حتى إن آثار هذه الأمواج وصلت إلى سواحل عُمان والصومال.

إعلان

وما يميز هذا الزلزال هو أن مساحة تأثيره كانت كبيرة جدا، فقد أثر انتشار هذه الأمواج في مناطق تبعد آلاف الكيلومترات عن مركز الزلزال، وهذا دون شك يعود بالدرجة الأولى إلى قوته التي وصلت إلى تسع درجات حسب مقياس ريختر (فرق درجة واحدة حسب مقياس ريختر يعني زيادة عشرة أضعاف في السعة و32 ضعفا في الطاقة).

زلازل مدمرة

  • زلزال فنزويلا 2026

مساء الأربعاء 24 يونيو/حزيران 2026، ضرب زلزالان قوييان ولاية ياراكوي غرب العاصمة الفنزويلية كاراكاس، وكان الأول بقوة 7.2 درجات على عمق 22 كيلومترا، أعقبه بعد أقل من دقيقة زلزال أكبر بقوة 7.5 درجات على عمق نحو 10 كيلومترات. ورغم أن مركزي الزلزالين كانا خارج العاصمة، فقد شعر الناس بالهزّات في أنحاء كاراكاس وكثير من وسط فنزويلا وغربها، كما سُجّلت هزّات في كولومبيا المجاورة، وبلغت منطقة الأمازون في البرازيل.

وبينما كانت البلاد تحيي ذكرى معركة كارابوبو عام 1821 التي مهّدت الطريق لاستقلالها عن إسبانيا، عاشت مأساة عظيمة، إذ أحصت -في حصيلة أولية بعد يومين من الحادثة- مقتل 920 إنسان وإصابة نحو 3 آلاف، وفق ما أعلنه مصدر حكومي، في حين قالت الأمم المتحدة إن أكثر من 50 ألفا لا يزالون في عداد المفقودين، وسط توقعات من هيئة المسح الجيولوجي الأمريكي بأن يتجاوز عدد القتلى 10 آلاف.

  • زلزال روسيا 2025

في 30 يوليو/تموز 2025، ضرب زلزال عنيف بلغت قوته 8.8 درجات قبالة سواحل شبه جزيرة كامتشاتكا في أقصى شرق روسيا، وهو أحد أقوى الزلازل التي شهدتها المنطقة منذ عام 1952. وأدى الزلزال إلى تشكّل موجات تسونامي اجتاحت السواحل الشمالية لجزر الكوريل، وتسببت في فيضانات واسعة النطاق، خصوصا في مدينة سيفيرو كوريلسك، مما استدعى إجلاء سكانها البالغ عددهم قرابة ألفي نسمة وإعلان حالة الطوارئ في المناطق المتضررة.

وأفادت هيئة الجيوفيزياء التابعة للأكاديمية الروسية للعلوم برصد أكثر من 30 هزة ارتدادية أعقبت الزلزال الرئيسي، مما زاد من مخاوف وقوع أضرار إضافية في البنية التحتية والمرافق الساحلية.

ولم تقتصر تداعيات الزلزال على الأراضي الروسية، بل دفعت دولا عدة على امتداد المحيط الهادئ إلى إطلاق تحذيرات من تسونامي، شملت اليابان والصين والولايات المتحدة وبيرو والمكسيك والإكوادور، وأُعلنت عمليات إخلاء عاجلة، وعُلقت الأنشطة البحرية تحسبا لأي كارثة محتملة.

Tsunami waves flood an area after a powerful magnitude 8.8 earthquake struck off Russia's far eastern Kamchatka Peninsula, in Severo-Kurilsk, Sakhalin Region, Russia, July 30, 2025, in this still image taken from video. Kamchatka branch of the Geophysical Survey of the Russian Academy of Sciences/Handout via REUTERS THIS IMAGE HAS BEEN SUPPLIED BY A THIRD PARTY. NO RESALES. NO ARCHIVES. MANDATORY CREDIT
أمواج تسونامي بعد زلزال بقوة 8.8 درجات ضرب شبه جزيرة كامتشاتكا في أقصى شرق روسيا يوم 30 يوليو/تموز 2025 (رويترز)
  • زلزال كهرمان مرعش 2023

في السادس من فبراير/شباط 2023، شهدت تركيا وسوريا زلزالا مدمرا مركزه مدينة كهرمان مرعش جنوب تركيا، بقوة بلغت 7.8 درجات على مقياس ريختر، ليُسجل بأنه أحد أقوى الزلازل في العصر الحديث. وامتدت الهزات إلى عدد من الولايات التركية الجنوبية، ووصل تأثيرها إلى معظم المحافظات السورية الشمالية، مخلفةً دمارا واسع النطاق وخسائر بشرية ومادية جسيمة.

وأسفر الزلزال عن مصرع أكثر من 7 آلاف وإصابة ما يزيد على 50 ألفا، وتضررت المدن والقرى في نطاق واسع من المناطق المنكوبة. وبمقارنته مع الزلازل السابقة، يُعد هذا الزلزال الأقوى في تركيا منذ زلزال إزميت عام 1999 الذي بلغت قوته 7.6 درجات وتسبب آنذاك بمقتل نحو 17 ألفا وإصابة أكثر من 43 ألفا.

زلزال كهرمان مرعش بلغت شدته 7.8 درجات وضرب جنوب شرق تركيا فجر 6 فبراير/شباط 2023
زلزال كهرمان مرعش بلغت شدته 7.8 درجات وضرب جنوب شرق تركيا فجر 6 فبراير/شباط 2023 (رويترز)
  • زلزال المغرب 2023

في ليلة 8 سبتمبر/أيلول 2023، تعرض المغرب لزلزال مدمر بلغت قوته 6.8 درجات على مقياس ريختر، وذلك على بعد نحو 70 كيلومترا جنوب غربي مدينة مراكش. وامتد تأثير الهزة -التي شعر بها سكان مناطق واسعة في شمال وشمال شرقي البلاد- إلى بعض مناطق الجزائر وإسبانيا والبرتغال، مسجلةً بذلك أحد أقوى الزلازل في تاريخ المغرب الحديث.

إعلان

وأسفر الزلزال عن مقتل 2960 وتدمير آلاف المنازل والبنى التحتية. وواجهت فرق الإنقاذ تحديات كبيرة في الوصول إلى القرى المتضررة بسبب الطبيعة الوعرة للمنطقة، إلى جانب انهيار الطرق وقطعها، مما أعاق عمليات الإغاثة ونقل المساعدات.

وقدّرت الحكومة المغربية عدد المتضررين بنحو 2.8 مليون نسمة، بينما وصل عدد القرى المتضررة إلى 2939 قرية. كما أشارت الإحصاءات الرسمية إلى انهيار أكثر من 59 ألف منزل، منها ما يزيد على 32% تعرض للدمار الكامل، وهو ما جعل هذا الزلزال من أكثر الكوارث الطبيعية قسوة في تاريخ البلاد منذ زلزال فاس الكبير عام 1624.

وفي 1960 ضرب مدينة أكادير زلزالا خلّف دمارا واسعا وشمل سبعة أقاليم هي: الحوز ومراكش وورزازات وأزيلال وتارودانت وشيشاوة والمناطق الجبلية المحيطة.

عبد الغني بلوط/ دوار أسلدا قرب إمليل جماعة أسني ضواحي مراكش/ دور مهدمة جراء الزلزال
زلزال الحوز ضرب جنوب وجنوب شرق المغرب يوم 8 سبتمبر/أيلول 2023، بقوة 6.8 درجات (الجزيرة)
المصدر: الجزيرة

إعلان