مزارع شبعا أرض لبنانية تحتلها إسرائيل منذ عام 1967

جانب من مزارع شبعا وتلال الجولان المحتلة - ارشيف عفيف دياب - الجزيرة نت
مزارع شبعا تعتبرها إسرائيل جزءا من الأراضي التي كانت تحت السيطرة السورية عند احتلالها عام 1967 (الجزيرة)

مزارع شبعا، منطقة زراعية حدودية تقع جنوب شرق لبنان ضمن قضاء حاصبيا، على الحدود مع الجولان السوري. تحتل موقعا إستراتيجيا يطل على جبل عامل والجليل الأعلى وسهول البقاع وحوران والحولة، وتضم 14 مزرعة رئيسية احتلتها إسرائيل عام 1967.

يعتبر لبنان أن المزارع جزء من أراضيه ويطالب بترسيم الحدود مع سوريا قبل التوصل لأي اتفاق، مستندا إلى وثائق وخرائط تاريخية، في حين تعترف سوريا بأن مزارع شبعا لبنانية، لكنها تربط ترسيم الحدود بانسحاب إسرائيلي كامل من المنطقة.

وفي المقابل، تعتبر إسرائيل المزارع جزءا من الأراضي التي كانت تحت السيطرة السورية عند احتلالها عام 1967، مؤكدة أن المطالبة اللبنانية بها مدفوعة بمواقف حزب الله.

وبعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، بقيت المزارع تحت الاحتلال وظلت محور نزاع إقليمي متجدد. وفي عام 2025 كشفت وسائل إعلام إسرائيلية أن محادثات غير مكتملة جرت بين إسرائيل وسوريا حول نقل المزارع وجبل دوف إلى السيادة السورية مقابل التخلي عن المطالبة بالجولان المحتل.

الموقع والجغرافيا

تقع مزارع شبعا المحتلة على الحدود الجنوبية الشرقية للأراضي اللبنانية وشمال الجولان السوري المحتل، وتتبع منطقة العرقوب في قضاء محافظة حاصبيا من الجانب اللبناني، لكنها تواجه العديد من النزاعات بشأن ترسيم الحدود.

تمتاز المزارع بموقع جغرافي إستراتيجي باعتبارها حلقة وصل مع المستوطنات الإسرائيلية الشمالية والجولان المحتل.

ونطاق مزارع شبعا الجغرافي غير محدد بدقة، لكن يمكن تقدير طول حدودها بـ24 كيلومترا، بينما يتراوح عرضها بين 13 و14 كيلومترا، وتقع على منحدرات وتلال وبعض السهول والهضاب، وترتفع 1200 متر عن سطح البحر.

وتمتد المزارع على طول 20 كيلومترا من الأراضي المطلة على بحيرة طبريا، المصدر الرئيسي للمياه للاحتلال الإسرائيلي.

وتطل المزارع على جبل عامل والجليل الأعلى والجزء الجنوبي من سلسلة جبال لبنان الغربية ومرتفعات الجولان المحتل وسهول البقاع وحوران والحولة.

وتحمل مزارع شبعا اسم قرية لبنانية قريبة منها، وتمتد صعودا من منطقة تعلو 400 متر عن سطح البحر إلى أخرى ترتفع ألفي متر على تلال جبل الشيخ.

إعلان

ويبرز الدور الإستراتيجي للمزارع عبر الانتشار الكبير لنقاط المراقبة العسكرية الإسرائيلية منذ عام 1967، وأهمها مرصد الفوار، أكبر نقاط المراقبة العسكرية في منطقة الشرق الأوسط.

تتكون مزارع شبعا من 14 مزرعة يطلق عليها "أمهات المزارع"، غير أن العدد يصل إلى أكثر من 100 إذا احتسبت المزارع المحلية الصغيرة.

والمزارع المتعارف عليها هي: مغر شبعا وزبدين وقفوة ورمتا وبرختا التحتا وبرختا الفوقا ومراح الملول وفشكول وخلة غزالة ورويسة القرن وجورة العقاب والربعة وبيت البراق وضهر البيدر.

المناخ

يتميز مناخ مزارع شبعا بالاعتدال شتاء، إذ إن أرضها سهلية باستثناء بعض الأجزاء الوعرة، وتشتهر بخصوبة تربتها وتنوع زراعتها.

مزارع شبعا
مزارع شبعا تقع على الحدود الجنوبية الشرقية للبنان وشمال الجولان السوري المحتل (الجزيرة)

التاريخ

كانت منطقة مزارع شبعا خاضعة للسيطرة السورية بموافقة لبنانية، وقد وضعت سوريا مخافر فيها بطلب لبناني بعد عام 1958 لمنع التهريب، علما بأنها كانت تقر بلبنانيتها.

ويؤكد باحثون أن سوريا طلبت من لبنان منتصف خمسينيات القرن الـ20 العمل على وقف التهريب من هذه المنطقة الجبلية في اتجاه فلسطين المحتلة عبر مثلث (مغرسبكا اللبنانية-بانياس السورية-الحولة الفلسطينية).

ولم تكن لدى لبنان القدرة على ذلك، فوضعت سوريا مخافر أمنية في المنطقة بموافقة لبنانية، بينما اقتصر التدخل اللبناني على دوريات للجمارك.

ومنذ عام 1967 بدأت الاعتداءات الإسرائيلية على المزارع وأهلها بهدف تهجيرهم، واستمرت سياسة "القضم" للأراضي حتى عام 1989، إذ وضعت إسرائيل أسلاكا شائكة حول المزارع وأُنشأت مراكز عسكرية على مرتفعاتها.

وفي مايو/أيار 2000، انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان وبلدة شبعا، لكنها أبقت على احتلالها للمزارع، وبعد ذلك رسم فريق أممي خط الانسحاب المعروف بـ"الخط الأزرق"، وأعلن أن الاحتلال أتم انسحابه من كامل الأراضي اللبنانية وفقا للقرار الأممي رقم 425.

وذكر تقرير أممي صدر في الشهر نفسه أن "الأمم المتحدة تلقت خريطة مؤرخة عام 1966 من حكومة لبنان تعكس موقفها من أن هذه المزارع كانت داخل لبنان، غير أن في حوزة المنظمة الدولية 10 خرائط أخرى أصدرتها بعد عام 1996 مؤسسات حكومية لبنانية، منها وزارة الدفاع، تضع المزارع داخل الجمهورية العربية السورية".

وكان الموقف السوري الرسمي يعتبر مزارع شبعا أرضا لبنانية، على الرغم من وجود وثائق وخرائط تشير إلى تبعيتها لسوريا، إذ أكد وزير الخارجية السوري فاروق الشرع للأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان في مايو/أيار 2000 دعم دمشق للموقف اللبناني.

وجاء الموقف -بحسب مصادر- منسجما مع اعتبارات سياسية وإستراتيجية هدفت إلى إبقاء قضية المزارع مفتوحة في سياق الصراع مع إسرائيل وتعزيز التحالف السوري اللبناني.

موقع تلة رمثا في مزارع شبعا المحتلة - عفيف دياب - الجزيرة نت.
إسرائيل بقيت في مزارع شبعا رغم انسحابها من جنوب لبنان عام 2000 (الجزيرة)

وفي يناير/كانون الثاني 2006، أوضح الرئيس السوري آنذاك بشار الأسد أن مزارع شبعا لبنانية، لكنه شدد على أن "ترسيم الحدود يكون بعد انسحاب إسرائيل من هذه المنطقة".

إعلان

وكان القرار الأممي 1701 الذي صدر في أغسطس/آب 2006، شجع الحكومة السورية على التجاوب مع المطالب اللبنانية الداعية إلى ترسيم الحدود المشتركة بين البلدين، ولا سيما في المناطق الحدودية الملتبسة أو المتنازع عليها.

وفي تقرير لمجلس الأمن الدولي يوم 12 سبتمبر/أيلول 2006 بشأن تطبيق القرار 1701، أكد كوفي عنان أن حل قضية مزارع شبعا يستلزم التوصل إلى اتفاق لبناني سوري بشأن ترسيم الحدود الدولية بينهما.

وذكر عنان في تقريره مسارا بديلا لحل المشكلة اقترحه رئيس الوزراء اللبناني السابق فؤاد السنيورة، يقضي بنقل منطقة مزارع شبعا وتلال كفر شوبا إلى وصاية الأمم المتحدة حتى توضح السيادة عليها، غير أن الأمين العام أشار إلى أن النطاق الجغرافي لشبعا غير محدد بدقة، مما يعرقل تطبيق هذا الحل.

محاولة لترسيم الحدود

وبعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، أعيد فتح الملفات العالقة بين سوريا ولبنان بزيارات قيادات لبنانية إلى دمشق، من بينهم الزعيم الدرزي وليد جنبلاط ورئيس حكومة تصريف الأعمال آنذاك نجيب ميقاتي، الذي شدد على أن "ترسيم الحدود البرية والبحرية بين البلدين، وضبط التهريب" يمثل أولوية للحكومة اللبنانية.

وفي 28 مارس/آذار 2025، أعلنت وكالة الأنباء السعودية توقيع وزيري الدفاع اللبناني والسوري اتفاقا في مدينة جدة بشأن ترسيم الحدود وتعزيز التنسيق الأمني، بعد اشتباكات اندلعت يوم 15 مارس/آذار، واتهمت وزارة الدفاع السورية حزب الله اللبناني بخطف 3 عناصر أمنية عند الحدود ثم تصفيتهم، لكن الحزب نفى أي علاقة له بالأحداث.

وخلص الاتفاق الذي تم بمشاركة فرنسية وأميركية، إلى الشروع في ترسيم الحدود المشتركة، إضافة إلى تشكيل لجان متخصصة بهدف معالجة الملفات العالقة بين الدولتين، وعلى عقد اجتماعات دورية في السعودية لتقييم التنفيذ ومراجعة تقدم الاتفاق.

وفي مايو/أيار 2025، سلمت فرنسا وزارة الخارجية اللبنانية خرائط للحدود اللبنانية-السورية يعود تاريخها إلى فترة الانتداب الفرنسي، من أجل المساهمة في تحديد النقاط الحدودية التي تتيح تحديد المعابر غير الشرعية وإغلاقها وانتشار الجيش اللبناني فيها، مما يتيح فتح ملفات قضايا مناطق متنازع عليها مثل مزارع شبعا.

ادعاء إسرائيلي

أما الاحتلال الإسرائيلي فادعى أن قرار الأمم المتحدة رقم 425 لا يشمل الانسحاب من مزارع شبعا، وقال إنها "ليست أراضي لبنانية"، وإن "هذا ما أكدته المنظمة الدولية بإعلانها انسحاب إسرائيل الكامل من كافة الأراضي اللبنانية".

وشددت إسرائيل على أن مزارع شبعا كانت تحت السيطرة السورية عندما احتلتها أثناء حرب النكسة عام 1967، ورأت أن المناداة بانتمائها لأرض لبنان جاءت بإيعاز من حزب الله للاستمرار في مهاجمتها.

وكان باحث إسرائيلي في "الجامعة العبرية" بالقدس المحتلة توصل إلى مستندات فرنسية أرشيفية تؤكد أن مزارع شبعا لبنانية، كما أظهرت مراكز أبحاث لبنانية وثائق تعود إلى عامي 1937 و1939 تثبت أن سكان مزارع شبعا كانوا يدفعون ضرائبهم للدولة اللبنانية.

وفي سبتمبر/أيلول 2007، أعلنت إسرائيل رفضها توصية سفير أممي ببدء مفاوضات مع لبنان بشأن مزارع شبعا، مشيرة إلى أن "انسحابا كهذا سيكون على حسابها، وسُيعطى جائزة لحزب الله".

وبعد إطلاق المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة عملية "طوفان الأقصى" يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أعلن حزب الله استهداف 3 مواقع للاحتلال الإسرائيلي في منطقة مزارع شبعا، مؤكدا أنه أطلق صواريخ موجهة ومدفعية "تضامنا مع الشعب الفلسطيني".

واستمرت الخروقات والاشتباكات في المنطقة منذ أواخر 2023 جزءا من النزاع المستمر بين إسرائيل وحزب الله اللبناني.

وفي 27 أغسطس/آب 2025، كشفت هيئة البث الإسرائيلية أنه "جرت محادثات بين إسرائيل وسوريا بشأن إمكانية التوصل إلى اتفاق تاريخي يقضي بتعليق المطالبة السورية باستعادة هضبة الجولان، مقابل نقل مزارع شبعا وجبل دوف (الروس) إلى السيادة السورية".

إعلان

وأشارت الهيئة إلى أن "المفاوضات توقفت عقب الأحداث التي حصلت في منطقة الدروز (السويداء)، لكن للمرة الأولى يؤكد كل من البلدين أن هذا الخيار مطروح في مرحلة لاحقة من المحادثات، بعد الاتفاق الأمني الذي يجري النقاش حوله".

وكان المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم براك، أعلن أن إسرائيل وسوريا "تجريان مناقشات بنية صادقة"، إلا أنه أشار إلى أنهما ليستا قريبتين من التوصل إلى صياغة نهائية.

المصدر: الجزيرة + مواقع إلكترونية

إعلان