شي جين بينغ.. قائد الصين المعاصرة

رئيس جمهورية الصين الشعبية، وشخصية سياسية بارزة على مستوى العالم، ارتبط اسمه بمرحلة شهدت تحولات عميقة في موقع الصين داخل النظام الدولي، في السياسة والاقتصاد والنفوذ الجيوسياسي.
تولى قيادة الحزب الشيوعي الصيني عام 2012، ثم رئاسة جمهورية الصين الشعبية عام 2013، وقاد البلاد في مرحلة اتسمت بتعزيز مركزية القرار من جهة، وبتوسيع الحضور الصيني عالميا من جهة أخرى، فقد أطلق مشاريع ومبادرات كبرى كان لها تأثير واسع داخل الصين وخارجها.
أثارت سياساته اهتماما واسعا، وشكلت قيادته للصين موضوع نقاش بين من يراه قائدا نجح في ترسيخ مكانة بلاده باعتبارها قوة عالمية كبرى، ومن ينتقد توجهاته التي توسع سلطة الحزب الواحد وتكرّس مركزية القرار السياسي.
المولد والنشأة
وُلد شي جين بينغ يوم 15 يونيو/حزيران 1953 في العاصمة الصينية بكين، بعد خمس سنوات من تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949 على يد الزعيم ماو تسي تونغ.
وينحدر بينغ من أسرة بارزة داخل الحزب الشيوعي الصيني، إذ كان والده شي تشونغ شون من قيادات الحزب التي تولت مناصب حكومية رفيعة، كان أبرزها نائب رئيس مجلس الدولة، مما أتاح له النشأة في بيئة مرتبطة بالنخبة السياسية الحاكمة في بكين.

ومع الإرهاصات التي سبقت الثورة الثقافية، تعرّض والده للإقصاء السياسي، بعدما طالته اتهامات بالانحراف عن نهج الحزب، واعتقل عام 1962، الأمر الذي انعكس سلبا على الوضع الاجتماعي للأسرة.
وفي خضم هذه الظروف، أُرسل شي جين بينغ عام 1969، إلى قرية ليانغ جياخه في مقاطعة شنشي شمال غرب الصين، وذلك في إطار سياسة "الصعود إلى الجبال والنزول إلى القرى" التي جاءت بها الثورة الثقافية بهدف إعادة تأهيل الشباب.
وهناك عاش سنوات وسط بيئة ريفية صعبة بعيدا عن العاصمة، وعمل في الزراعة وحفر الآبار ونقل الحبوب، وغيرها من الأعمال اليدوية الشاقة.
تزوج شي جين بينغ من بنغ لييوان عام 1987، وهي مغنية صينية ذائعة الصيت، ورزق منها عام 1992 بابنته الوحيدة شي مينغتسه، التي درست لاحقا في جامعة هارفارد بالولايات المتحدة الأمريكية.
الدراسة والتكوين
بعد قضائه نحو ست سنوات في قرية ليانغ جياخه، عاد شي جين بينغ إلى بكين لاستئناف مساره التعليمي في منتصف سبعينيات القرن العشرين، والتحق عام 1975 بجامعة تسينغ هوا، إحدى أبرز الجامعات الصينية المرتبطة بتكوين النخب العلمية والإدارية، ودرس الهندسة الكيميائية، وتخرج عام 1979، تزامنا مع إطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح التي شكلت لاحقا نقطة تحول كبرى في مسار الاقتصاد الصيني.

الفكر والأيديولوجيا
يُعد فكر شي جين بينغ حول الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد، الإطار الأيديولوجي الرسمي في عهده، وقد أُدرج في دستور الحزب الشيوعي الصيني عام 2017 ثم في دستور الدولة عام 2018.
ويركز على تعزيز دور الحزب في قيادة الدولة والمجتمع، وربط التنمية بالاستقرار السياسي، وتكييف الماركسية مع الخصوصية الصينية والاقتصاد الحديث، بهدف تحقيق "النهضة العظيمة للأمة الصينية" عبر التنمية والتحديث العسكري والتكنولوجي، إلى جانب مكافحة الفساد لضمان استقرار النظام.
وقد جُمعت مجموعة من خطابات شي جين بينغ وتوجيهاته السياسية في مؤلف بعنوان "حول الحكم والإدارة في الصين"، وهو سلسلة تتألف من خمسة أجزاء تضم خطابات ومقابلات ومقالات سياسية، صدر أولها عام 2014.
وتُعد هذه السلسلة مرجعا رئيسيا لفهم توجهاته الفكرية والسياسية، إذ تعكس رؤيته لقضايا الحكم والإدارة وآليات إدارة الدولة في الصين المعاصرة.
المسار السياسي
استهل شي جين بينغ مسيرته السياسية بالعمل نائبا لسكرتير الحزب الشيوعي الصيني في مقاطعة خبي شمال البلاد عام 1982.
في عام 1985، انتقل إلى مقاطعة فوجيان الساحلية، إحدى أبرز المقاطعات المنفتحة اقتصاديا نظرا لقربها من تايوان، حيث تدرج في عدد من المناصب القيادية، فشغل منصب نائب عمدة مدينة شيامن، ثم نائب السكرتير الإقليمي للحزب، قبل أن يُعيَّن حاكما للمقاطعة عام 2000.

وانتقل عام 2002 إلى مقاطعة تشجيانغ، التي تعتبر من أكثر المقاطعات الصينية نشاطا اقتصاديا، حيث شغل منصب الحاكم، ثم سكرتير الحزب عام 2003.
وشكل عام 2007 محطة مفصلية في مساره السياسي، حين عُين سكرتيرا للحزب في شنغهاي عقب فضيحة فساد كبرى هزت قيادة المدينة. وعُدّ هذا التعيين مؤشرا على ثقة القيادة المركزية به، نظرا إلى المكانة الاقتصادية والسياسية لشنغهاي باعتبارها المركز المالي الأبرز في الصين، كما مهّد له الانضمام إلى أعلى هرم السلطة عبر عضوية اللجنة الدائمة للمكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني، أعلى هيئة قيادية في البلاد.
كما عُين شي جين بينغ نائبا لرئيس جمهورية الصين الشعبية بين عامي 2008 و2013، ثم تولى عام 2010 منصب نائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2012، تولى منصب الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني ورئيس اللجنة العسكرية المركزية، قبل أن يُنتخب رئيسا لجمهورية الصين الشعبية في مارس/آذار 2013 خلفا لهو جينتاو.
وفي مارس/آذار 2018، أُعيد انتخابه لولاية رئاسية ثانية، وشهد العام نفسه تعديلا دستوريا ألغى الحد الأقصى لولايتين رئاسيتين متتاليتين، مما أتاح إمكانية الاستمرار في المنصب دون سقف زمني محدد.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2022، جُددت ولايته أمينا عاما للحزب الشيوعي الصيني أثناء المؤتمر الوطني العشرين للحزب، قبل أن يُعاد انتخابه في مارس/آذار 2023 رئيسا لجمهورية الصين الشعبية لولاية ثالثة، مواصلا الجمع بين المناصب القيادية العليا في الدولة والحزب والجيش.

إنجازات كرّست السلطة وعززت النفوذ
منذ تولي شي جين بينغ شؤون القيادة في الصين، اتجهت سياساته العامة نحو تعزيز مركزية القرار داخل مؤسسات الحزب والدولة معا، وتوسيع دور القيادة المركزية في مختلف مجالات الحكم.
وفي هذا السياق، أُطلقت حملة واسعة لمكافحة الفساد داخل الحزب والجيش والإدارة، شملت مختلف المستويات الوظيفية، مما ساهم في إعادة الانضباط إلى مؤسسات الدولة وفق الخطاب الرسمي، بينما رآها معارضون مجرد أداة لإعادة تشكيل موازين القوة داخل النخب السياسية وتعزيز تمركز النفوذ حول القيادة.
وفي عام 2016، منحه الحزب لقب "القائد المحوري"، وهو توصيف عكس مكانته المركزية داخل هرم القيادة السياسية.
وفي عام 2017، أُدرج "فكر شي جين بينغ حول الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد" في دستور الحزب الشيوعي الصيني، ثم في دستور الدولة عام 2018.
وفي العام نفسه، أقرّ شي تعديلا دستوريا ألغى بموجبه القيود على عدد الولايات الرئاسية المتتالية، وهو إجراء اعتبره مؤيدوه خطوة لضمان الاستمرارية والاستقرار السياسي، بينما رآه منتقدون تقليصا لمبدأ تداول السلطة الذي اعتمدته البلاد منذ عهد الزعيم ماو تسي تونغ.

كما أعلنت الصين تحت قيادة شي جين بينغ في أواخر عام 2020 القضاء على الفقر المدقع وفق المعايير الوطنية، بالتوازي مع توسع الاستثمار في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والفضاء والطاقة المتجددة، في إطار توجه يهدف إلى تعزيز الاكتفاء الذاتي وتقليص الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية، خاصة في القطاعات الاستراتيجية.
وشهدت الصين إبان هذه المرحلة صعود عدد من شركات التكنولوجيا الصينية الكبرى في مجالات التجارة الإلكترونية والاتصالات والذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية، مما عزز حضورها في الاقتصاد الرقمي العالمي، وذلك بفضل زيادة الإنفاق العمومي على البحث العلمي والتطوير التكنولوجي.
وفي المجال العسكري، خضع جيش التحرير الشعبي الصيني لإعادة هيكلة وتحديث، شملت مختلف فروعه، وذلك في إطار تعزيز قدراته العملياتية وتوسيع إمكاناته التكنولوجية والعسكرية.
وعلى الصعيد الدولي، توسع الحضور الصيني في عهد شي جين بينغ عبر أدوات اقتصادية ودبلوماسية، خاصة عبر "مبادرة الحزام والطريق"، التي تهدف إلى تطوير شبكات البنية التحتية والتجارة والاستثمار بين الصين وعدد كبير من دول آسيا وأفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية. وقد ساهمت المبادرة في تعزيز النفوذ الاقتصادي الصيني عالميا.
ومع تنامي النفوذ الدبلوماسي والاقتصادي للصين أثناء هذه المرحلة، اتسع حضورها داخل المؤسسات الدولية، وتعزز دورها في ملفات التجارة والطاقة والاستثمار والعلاقات الإقليمية، لتصبح أحد أبرز الفاعلين المؤثرين في النظام الدولي.
