عبد الحميد بن باديس.. مؤسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

عبد الحميد ابن باديس من رواد الحركة الإصلاحية والعلمية في الجزائر، ومؤسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ولد عام 1889 وتوفي عام 1940. لقب بألقاب عدة منها "المصلح الثوري" و"الشاعر الصحفي" و"العالم المفسر" و"المعلم المربي".

ارتبط اسمه لدى الجزائريين بالعلم والإصلاح، لذلك يحتفلون في 16 أبريل/نيسان من كل عام بيوم العلم تخليدا لذكراه وتكريما لمسيرته ونضاله من أجل محاربة الأفكار التي حاول الاستعمار الفرنسي غرسها منذ احتلاله للجزائر عام 1832.

المولد والنشأة

ولد عبد الحميد بن المصطفى بن المكي بن باديس يوم 11 ربيع الثاني 1307هـ، الموافق 4 ديسمبر/كانون الأول 1889 بمدينة قسنطينة شرقي الجزائر.

نشأ في أسرة عريقة ومتدينة ذات مكانة وجاه، فقد كان أبوه محمد المصطفى بن المكي بن باديس حافظا للقرآن الكريم ومن أعيان المدينة، واشتغل قاضيا وعضوا في المجلس الجزائري الأعلى للقضاء.

وكانت والدته زهيرة بنت جلول بن علي بن جلول من عائلة عريقة ومحافظة في مدينة قسنطينة، تربت على تعاليم الدين الإسلامي، وكانت محبة للعلم والمعرفة.

ومن رجال أسرته المشهورين المعز بن باديس، الذي أعلن انفصال الدولة الصنهاجية عن الدولة الفاطمية، وأعلن فيها مذهب السنة والجماعة.

المسار الدراسي والتكويني

تلقى بن باديس تعليمه الأولي على يد والده في علوم الدين واللغة العربية، ثم على يد الشيخ حمدان الونيسي عام 1903، وهو أحد علماء الجزائر آنذاك في جامع "سيدي محمد النجار" بمسقط رأسه.

حفظ القرآن الكريم في الـ13 من عمره، على يد الشيخ محمد بن المداسي، أشهر مقرئ آنذاك بقسنطينة، وانتقل إلى تونس والتحق بعد ذلك بجامع الزيتونة عام 1910، وهناك أكمل تعليمه على مجموعة من العلماء مثل محمد النخلي القيرواني، ومحمد الطاهر بن عاشور، ومحمد الخضر بن حسين وغيرهم.

وفي عام 1911 نال شهادة "التطويع العالمية" وكان ترتيبه الأول، وعاد إلى الجزائر وباشر إلقاء سلسلة من الدروس لشرح كتاب "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" للقاضي عياض في الجامع الكبير بمسقط رأسه قسنطينة، لكن الإدارة الفرنسية منعته من مواصلة الدروس.

إعلان

سافر بن باديس إلى المدينة المنورة لأداء فريضة الحج وأثناء إقامته هناك، والتي دامت 3 أشهر، تعرف على كبار العلماء والمصلحين من بينهم الشيخ محمد رضا صاحب مجلة "المنار"، وأحد رموز التيار السلفي الإصلاحي والشيخ حمدان الونيسي والشيخ البشير الإبراهيمي.

ولدى عودته للجزائر عرج على الشام ومصر وفيها التقى بن باديس بمفتي الديار المصرية الشيخ محمد بخيت المطيعي، حاملا له رسالة من الشيخ الونيسي.

وعرض الشيخ الونيسي الإقامة الدائمة بالمدينة المنورة على بن باديس، لكنه أخذ بنصيحة الشيخ حسين أحمد الهندي بضرورة العودة للجزائر خدمة للدين وللغة العربية.

الإصلاح التربوي والإعلامي

سعى بن باديس إلى الحفاظ على هوية الشعب الجزائري وتقوية صلته بالدين الإسلامي واللغة العربية والوطن الموحد، فأولى الاهتمام بالتربية والتعليم وفق أسس وتعاليم الإسلام.

أسس مكتب للتعليم الابتدائي العربي في مسجد سيدي بومعزة، ثم انتقل إلى بناية الجمعية الخيرية الإسلامية التي تأسست عام 1930، وهي الجمعية التي أصبح لها نحو 170 فرعا في مختلف مناطق الجزائر.

كرس حياته لتعليم اللغة والدين والتاريخ، إذ كان يُدرس النساء والأطفال صباحا ويُعلم كبار السن مساء، كما أولى أهمية بالغة للمرأة ولدورها المحوري في تكوين المجتمع.

آمن بن باديس بقوة وتأثير الكلمة فاستثمر الصحافة لنشر فكره الإصلاحي، وكانت البداية بإصدار جريدة "النجاح" ثم جريدة "المنتقد" عام 1925، التي تولى رئاسة تحريرها ثم جريدة "الشهاب" في نفس السنة، وهي جرائد دينية أسبوعية باللغة العربية.

ونشر العديد من كتاباته الإصلاحية والمقالات المترجمة باللغة الفرنسية في جريدة "الدفاع"، واتخذها منبرا لإيصال صوته للمهاجرين الجزائريين في فرنسا، كما أسس نوادي فكرية وثقافية هناك بمساعدة وإشراف من الشيخ الفضيل الورتلاني.

جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

أنشأ عبد الحميد بن باديس رفقة 72 عالما وممثلا لمختلف المناطق الجزائرية "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين" في 5 مايو/أيار 1931، بنادي الترقي في الجزائر العاصمة وانتخب رئيسا لها، وجعل شعارها "الإسلام ديننا، العربية لغتنا، الجزائر وطننا".

سعت الجمعية إلى تطهير الإسلام من البدع والخرافات، وإحياء رغبة الجزائريين في المقاومة بعد محاولة الاستعمار الفرنسي إحباطها، والمحافظة على الشخصية الجزائرية بمقوماتها الحضارية والدينية والتاريخية.

كما تعاونت مع منظمات أخرى منها منظمة نجم شمال أفريقيا، إحدى كبريات التنظيمات السياسية الوطنية التي ظهرت في فرنسا، ومن أبرز مؤسسيها مصالي الحاج.

كما أوعز بن باديس بفكرة تأسيس الكشافة الإسلامية الجزائرية، ورآها وسيلة لزرع القيم الوطنية والانضباط في نفوس الشباب، وقد أسسها الشهيد أحمد بوراس عام 1935 وشارك في صفوفها الشهيدان العربي بن مهيدي وديدوش مراد.

وحاولت فرنسا وقف نشاطات الجمعية إلا أنها لاقت تفاعلا ودعما كبيرين من الشعب الجزائري.

الفكر السياسي

أسهم بن باديس بموافقه وآرائه في إثراء الفكر السياسي بالحديث عن قضايا الأمة، ففي يونيو/حزيران 1936، دعا لعقد مؤتمر إسلامي بالجزائر لإفشال فكرة اندماج الجزائر مع فرنسا.

إعلان

ورفض إصدار بيان مساند لفرنسا في الحرب العالمية الثانية، كما شارك ضمن وفد المؤتمر الإسلامي المنعقد بباريس في يوليو/تموز 1936.

تأثر عبد الحميد بن باديس بالعديد من علماء الدين والفقهاء والمصلحين الفكريين في العالم الإسلامي، ومن بينهم الباحث والمفتي المصري محمد عبده والفيلسوف جمال الدين الأفغاني الحسيني اللذان قادا في أواخر القرن الـ19 حركة إصلاحية في مصر والعديد من الدول العربية من أجل إحياء التعاليم الإسلامية في العالم الحديث.

حاور لجنة البحث في البرلمان الفرنسي في أبريل/نيسان 1937، ودعا النواب لمقاطعة المجالس النيابية في أغسطس/آب سنة 1937، كما دعا لمقاطعة احتفالات فرنسية في السنة نفسها بمناسبة مرور قرن على استعمار الجزائر.

كان له دور محوري في إخماد نار الفتنة التي اندلعت بين أبناء مسقط رأسه قسنطينة واليهود الذين كانوا يسكنون العديد من أحيائها، وخاصة العتيقة منها عام 1940 وسميت "فاجعة قسنطينة".

وكان ذلك نتيجة اعتداء أحد اليهود المتطرفين على مسجد "سيدي لخضر"، مما أثار غضب سكان المدينة من المسلمين وأشعل فتيل العنف. وكادت أن تسفر هذه الانتفاضة عن مقتل وجرح العشرات من المواطنين إلا أن بن باديس استطاع أن يوقفها في مراحلها الأولى.

الموقف من التصوف

حارب بن باديس التصوف البدعي المتضمن لبعض الممارسات الخرافية كالتبرك بالأولياء والتمسح بالأضرحة والرقص فيها وضرب الدفوف، واستنكر زيارة القبور لطلب الحاجات.

كما ذم الاحتفالات المصاحبة لذكرى مولد الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، واعتبرها بدعة لا أصل لها شرعا، وليس لها مستند من الكتاب أو السنة.

كما تصدى للتصوف الفلسفي الذي يؤول الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة بما يخالف قصدها، وواجه بعض المتصوفة الذين تأثروا بالفلسفة الإغريقية واليونانية.

ورغم ذلك لم يكن بن باديس معارضا للتصوف معارضة مطلقة، بل دعا إلى التمييز بين التصوف السني الأصيل والتصوف المنحرف عن أصول الدين.

المؤلفات

ترك بن باديس أعمالا جمعها تلامذته من بعده أهمها:

  • تفسير ابن باديس، طبعه أحمد بوشمال عام 1948، ثم طبعته وزارة الشؤون الدينية بالجزائر تحت عنوان "مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير" عام 1982، وطبعته مرة أخرى تحت عنوان "مجالس التذكير من حديث البشير النذير" عام 1983.
  • العقائد الإسلامية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، الذي طبعه تلميذه محمد الصالح رمضان سنة 1963، ثم أعاد طبعه الشيخ محمد الحسن فضلاء في 1984.
  • رجال السلف ونساؤه، طبعه كل من توفيق شاهين ومحمد الصالح رمضان عام 1966.
  • مبادئ الأصول، الذي حققه ونشره الدكتور عمار طالبي سنة 1988.
  • كما أصدر ابن باديس جرائد كالمنتقد والشهاب والنجاح والشريعة المطهرة والسنة المحمدية والبصائر.

الوفاة

توفي عبد الحميد بن باديس مساء الثلاثاء 16 أبريل/نيسان 1940 بمسقط رأسه قسنطينة عن عمر ناهز 51 سنة.

وحمل طلبة الجامع الأخضر جثمانه عصر اليوم التالي، وشيعوه في موكب مهيب بحضور الآلاف، ونعاه كبار علماء ومفكري الجزائر.

المصدر: الجزيرة

إعلان