محمد باقر قاليباف.. رجل المؤسسات الأمنية بين رئاسة البرلمان وطاولة التفاوض

سياسي إيراني محافظ يعرف بشخصيّته التنفيذية والبراغماتية، وهو عميد سابق في الحرس الثوري وتولى رئاسة البرلمان الإيراني عام 2020. شغل مناصب عسكرية وأمنية وتنفيذية بارزة، من بينها قيادة القوات الجوية في الحرس الثوري، وقيادة الشرطة الوطنية ورئاسة بلدية طهران.
خاض الانتخابات الرئاسية أكثر من مرة دون أن يصل إلى الرئاسة، لكنه ظل من أبرز شخصيات التيار المحافظ في إيران، مستندا إلى خلفية عسكرية وأمنية وحضور تشريعي، وشبكة علاقات داخل مؤسسات الحكم.
وفي عام 2026، تقدم قاليباف إلى واجهة المشهد السياسي والدبلوماسي بعد بروزه في المفاوضات الإيرانية الأمريكية، إذ قاد الوفد الإيراني في محادثات إسلام آباد وسويسرا، وارتبط اسمه بملفات حساسة شملت الهدنة والعقوبات والأموال الإيرانية المجمدة وترتيبات الملاحة في مضيق هرمز.
المولد والنشأة
ولد محمد باقر قاليباف يوم 23 أغسطس/آب 1961 في مدينة طرقبة بمحافظة مشهد الإيرانية لأسرة محافظة متوسطة الحال، مما اضطره لخوض عالم التجارة مبكرا.
عرف بتدينه منذ صغره فأنشأ رابطة إسلامية للطلاب عندما كان في المرحلة الابتدائية، وتطورت حتى صارت نواة رابطة الطلاب الإسلاميين في خراسان ثم على مستوى البلاد.
تزوج عام 1983، وعقد قرانه زعيم الثورة الإيرانية روح الله الخميني بنفسه.

الدراسة والتكوين
يحمل شهادة الماجستير في الجغرافيا السياسية من جامعة طهران والدكتوراه في التخصص نفسه من جامعة "تربيت مدرس" بالعاصمة طهران، ثم صار عضوا في هيئة تدريس جامعة طهران وعيّن أستاذ مشاركا وعضوا في كلية الجغرافيا فيها.
المناصب العسكرية والتنفيذية
يعد قاليباف شخصية مقربة من المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي، وقد عينه قائدا للقوات الجوية في الحرس الثوري، كما كان قائدا للشرطة في الجمهورية الإسلامية، ويحسب على المحافظين، ولكنه ينادي ببعض أفكار التغيير والإصلاح.
ومع نهاية الثورة الإيرانية عام 1978 بدأ حراك الجماعات المعارضة وشكّل روح الله الخميني "قوات الحرس الثوري الإسلامي"، وبعدها اندلعت الحرب العراقية الإيرانية، وشارك فيها قاليباف وهو في سن الـ18 والتحق بجبهات القتال جنوب غربي البلاد.
ولأدائه المميز الذي قدمه اختير قائدا لكتيبة "الإمام الرضا" عام 1982، ثم قائدا لفرقة "نصر خراسان 5″ التي نفذت عمليات مهمة، منها العملية المعروفة بـ"كربلاء 4″.
بعد الحرب العراقية الإيرانية قاد فرقة "كربلاء 25″، وعام 1994 انتقل إلى إدارة مجموعة "خاتم الأنبياء الإنشائية" (الذراع الاقتصادية للحرس الثوري)، وأنجز مشاريع مثل بناء خط سكة حديد مشهد- سرخاس وطوله 165 كيلومترا، ويصل بين إيران وأفغانستان وأذربيجان وقرغيزستان وكازاخستان وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان وباكستان وتركيا.

ومن المشاريع الأخرى التي تولاها إمداد 5 مقاطعات وسط غرب البلاد بالغاز، وبناء هيكل بحري في الخليج العربي وسد الكرخة في نهر الكرة بإقليم خوزستان غرب إيران، وتولى بعدها منصب نائب قائد قوات التعبئة "الباسيج".
عام 1998 تولى قيادة القوات الجوية التابعة للحرس الثوري الإيراني برتبة جنرال بأمر من المرشد الأعلى للثورة، وحصل خلالها على رخصة قيادة طائرة إيرباص في الخطوط الجوية الإيرانية.
بعدها عينه المرشد الأعلى قائدا للشرطة الوطنية عام 2000، وخلالها جهز الشرطة الإيرانية بسيارات حديثة، وأنشأ مكاتب حكومية إلكترونية ومراكز مراقبة عامة في أنحاء البلاد بلغت 197، وافتتح سجن "كهريزك".
وعام 2004 عيّن ممثلا للرئيس الإيراني حينها محمد خاتمي، وتولى رئاسة هيئة مكافحة تهريب البضائع والعملة، واستطاع وقف تهريب السجائر بنسبة كبيرة، وأنشأ محكمة خاصة بالهيئة.

الانتخابات الرئاسية
شارك في الانتخابات الرئاسية عام 2005، لكنه لم يحصل على أصوات تؤهله للتقدم في السباق الذي تنافس في نهائياته مع أكبر هاشمي رفسنجاني ومحمود أحمدي نجاد، ورشحه المجلس الإسلامي في طهران ليكون عمدة المحافظة في العام نفسه.
خوضه الانتخابات الرئاسية لم يكن سهلا، فقد نشر موقع خاص بالعقارات عن بيع عقارات تابعة لبلدية العاصمة بنصف قيمتها لأعضاء مجلس البلدية وسياسيين وعسكريين، مما أثر عليه في كل ترشيحاته التالية لأنها عدت ورقة ضغط مورست عليه خلال الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
وفي عام 2009 شهدت البلاد أزمة داخلية إثر اعتراض أنصار المرشح مير حسين موسوي على فوز أحمدي نجاد بولاية رئاسية ثانية، فعُيّن قاليباف رئيسا لخلية إدارة الأزمات في العاصمة، واتخذ موقفا حادا وواضحا برفض احتجاجات الحركة الخضراء التابعة لموسوي، وأيد وصفها بـ"تيار الفتنة والانحراف".
ترشح لرئاسيات 2013، وكان مقربا من مجلس خبراء القيادة، منتقدا سياسات حكومة الرئيس أحمدي نجاد، ورأى حينها أن إيران تعاني أزمة على الصعيدين الداخلي والخارجي، وبرأيه فإنه "آن الأوان لإسكات الشعارات والبدء بالتطبيق العملي".
ووُصف حينها بأنه صاحب مشاريع ضخمة سعى لاستقطاب الأصوات بامتلاكه برنامجا انتخابيا ملموسا على الأرض، وركز على مشاكل البطالة والسكن والزواج، وحتى مشاكل الإدمان.
وفي انتخابات عام 2016 انسحب قاليباف ومرشحون عدة آخرون لصالح إبراهيم رئيسي، وفي يونيو/حزيران 2019 انتخب عضوا في المجلس الإسلامي ممثلا لطهران.
وفي مايو/أيار 2020، أصبح محمد باقر قاليباف رئيسا للبرلمان الإيراني، خلفًا لعلي لاريجاني الذي شغل المنصب منذ عام 2008.

دوره في المفاوضات مع الولايات المتحدة
برز محمد باقر قاليباف في عام 2026 بوصفه أحد أبرز وجوه المفاوضات الإيرانية الأمريكية، في مرحلة أعقبت حربا إقليمية وتوترات واسعة في الخليج ومضيق هرمز. وكان الوفد الإيراني قد انضم إلى محادثات إسلام آباد وسويسرا برئاسته، إلى جانب وزير الخارجية عباس عراقجي ومسؤولين أمنيين واقتصاديين ونفطيين.
ولم يكن حضور قاليباف في هذا المسار امتدادا لمسيرة دبلوماسية تقليدية، بل عكس موقعه داخل بنية القرار الإيرانية، حيث إنه رئيس البرلمان وقائد سابق في الحرس الثوري ومسؤول أمني سابق وشخصية محافظة قادرة على مخاطبة المؤسسات السياسية والأمنية في وقت واحد.
بعد محادثات سويسرا، أعلن قاليباف أن إيران وافقت على إنشاء خط اتصال لضمان العبور الآمن للسفن في مضيق هرمز، في خطوة تهدف إلى خفض احتمالات الاحتكاك في أحد أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة في العالم. كما قال إن إجراءات الإفراج عن 12 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة قد استكملت.
وعلى هذا الأساس، مثلت المفاوضات مع الولايات المتحدة محطة جديدة في مسيرة قاليباف، نقلته من موقع رئيس البرلمان والمرشح الرئاسي السابق إلى موقع تفاوضي حساس يجمع بين السياسة الداخلية، والحسابات الأمنية والعلاقة المتوترة مع واشنطن.

أبرز المحطات
- عيّن قائدا لجناح القوات الجوية للحرس الثوري الإيراني من عام 1997 حتى 2000.
- شارك في الحرب العراقية الإيرانية.
- عمل رئيسا للشرطة الوطنية من عام 2000 حتى 2005.
- شغل منصب رئيس بلدية طهران من العام 2006 حتى 2016.
- تولى رئاسة البرلمان الإيراني عام 2020.
-
برز في المفاوضات الإيرانية الأمريكية عام 2026، وقاد الوفد الإيراني إلى محادثات إسلام آباد وسويسرا، وأعلن تفاهمات مرتبطة بمضيق هرمز والأموال الإيرانية المجمدة.