رشيدة داتي.. وزيرة فرنسية من أصل مغربي تسعى لمنصب عمدة باريس

رشيدة داتي سياسية فرنسية من أصل مغربي عملت في مجالات عدة بينها القضاء والمحاماة، ثم اقتحمت العمل السياسي بالانخراط في الحملة الانتخابية لنيكولا ساركوزي، الذي أصبح رئيسا للجمهورية عام 2007 وعينها وزيرة للعدل، لتصبح بذلك أول امرأة من أصل مغربي تتولى مهمة "حارس أختام" الجمهورية الفرنسية.
في الفترة نفسها دخلت داتي الحياة النيابية المحلية وأصبحت عمدة لإحدى دوائر العاصمة باريس وانتخبت عضوا في البرلمان الأوروبي. وعادت إلى العمل الحكومي عام 2024 بتولي وزارة الثقافة وسعت إلى تولي منصب عمدة باريس، في وقت واجهت فيه اتهامات بالفساد وإساءة استخدام السلطة.
المولد والنشأة
وُلدت رشيدة داتي يوم 27 نوفمبر/تشرين الثاني 1965 في حي سان ريمي، الواقع في منطقة سون إي لوار بشرق وسط فرنسا، وهو حي تقطنه الطبقات الفقيرة والمتوسطة.
أبوها امبارك داتي، عامل بناء من أصل مغربي هاجر إلى فرنسا عام 1963 وتوفي عام 2017، أما والدتها فهي فاطمة الزهراء داتي، وهي ربة بيت من أصل جزائري تُوفيت عام 2001.
وقد ترعرعت داتي في كنف أسرة كبيرة تتكون من 12 طفلا: 8 فتيات و4 أولاد.
تزوجت عام 1992 من مهندس جزائري، لكن تلك الزيجة لم تستمر أكثر من 3 سنوات، وانتهت بالطلاق.
عام 2009 أنجبت داتي طفلة أسمتها زهرة تكريما لروح والدتها، وقد راجت حينها إشاعات كثيرة بشأن هوية الأب وتحدثت تقارير صحفية عن مشاهير من عالم المال والأعمال والرياضة والسياسة بالنظر إلى شبكة علاقاتها الواسعة.
وقد رفعت داتي قضية اعتراف بالنسب على رجل الأعمال دومينيك داسيغن، الذي رفض الإقرار بأبوته للطفلة، وقضت المحكمة لصالحها، وفرضت على داسيغن نفقة شهرية لها ولابنتها.

الدراسة والتكوين العلمي
درست رشيدة داتي في مدرسة إعدادية كاثوليكية خاصة في منطقة باريس سان جان، ثم التحقت بمدرسة ماتياس الثانوية العامة وحصلت على شهادة البكالوريا عام 1983.
وحصلت على الماجستير في القانون العام والعلوم الاقتصادية قبل أن تلتحق بالمدرسة الوطنية للقضاء.
التجربة المهنية
دخلت داتي الحياة العملية مبكرا منذ عام 1982، إذ زاولت وهي لا تزال تلميذة في المرحلة الثانوية مهنا صغيرة، بينها مساعدة في الرعاية الصحية.
وفي الفترة من 1987حتى 1990 عملت محاسبة في شركة "إلف آكيتان"، وهي شركة نفط فرنسية، ثم اشتغلت بين عامي 1990 و1993 مدققة حسابات داخلية في شركة ماترا للاتصالات.
وفي عام 1993 عادت داتي للتدقيق الداخلي في البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، وانتقلت في العام التالي إلى وظيفة مراقبة إدارية وأمينة عامة لمكتب أبحاث التنمية الحضرية في شركة "ليونيز للمياه".
وشكل عام 1995 نقلة نوعية في مسار داتي المهني، إذ التحقت بالقطاع العام وعملت مستشارة فنية لإدارة الشؤون القانونية بوزارة التعليم الوطني بين عامي 1995 و1997، ثم أصبحت مدققة قضائية في محكمة بوبيني العليا في الفترة (1997-1999).
وبين عامي 1999و2001 كانت داتي قاضية مفوضة للإجراءات الجماعية في محكمة بيرون العليا، وذلك قبل أن تتولى منصب نائب المدعي العام في القسم المالي بمحكمة إيفري العليا بين عامي 2001 و2002.
وفي تلك السنة حققت داتي تقدما مهنيا واضحا، إذ أصبحت مستشارة فنية مسؤولة عن مشروع قانون منع الجريمة في مكتب نيكولا ساركوزي، الذي كان حينئذ وزيرا للداخلية والأمن الداخلي والحريات المحلية بين عامي 2002 و2004.

وفي العام نفسه أصبحت مستشارة بمكتب ساركوزي عندما تولى حقيبة الاقتصاد والمالية والصناعة، قبل أن تتقلد عام 2004 منصب نائبة المدير العام المسؤول عن المشتريات العامة والشؤون القانونية وشؤون الأراضي والعقارات في المجلس العام لمنطقة أوت دو سين.
وبين عامي 2005 و2007، عادت داتي إلى مكتب ساركوزي عندما تولى مجددا حقيبة وزارة الداخلية.
التجربة السياسية
لم يُعرف لداتي أي انتماء أو نشاط سياسي في مرحلة الدراسة الجامعية أو في بداية مشوارها المهني في الاستشارات القانونية والمحاسبة والقضاء.
وبدأ انخراطها في السياسة بعملها مع ساركوزي منذ عام 2002. وتجمع التقارير والكتب التي تناولت مسار وحياة داتي أن مهاراتها في بناء العلاقات العامة واندفاعها وطموحها هي العوامل الحاسمة في مشوارها المهني وفي صعود نجمها في الأوساط السياسية والحكومية.
وقد التقت مع شخصيات وازنة في المجال السياسي في فرنسا وفي مقدمتها ألبين شالاندون، الذي كان وزيرا للعدل، ورجل الأعمال جان لوك لاغاردير والاقتصادي جاك أتالي، قبل أن تقابل ساركوزي، الذي رأى فيها امرأة طموحة وحازمة وشجاعة وجريئة، فعرض عليها منصب مستشارة في وزارة الداخلية.
وفي عام 2006 عززت داتي قربها من ساركوزي بالالتحاق بحزبه اليميني "الاتحاد من أجل حركة شعبية"، وعند دخوله غمار الانتخابات الرئاسية عام 2007، أوكل إليها مهمة الناطقة الرسمية باسم حملته الانتخابية.
وحين فاز ساركوزي في الانتخابات، أسند لداتي حقيبة العدل لتصبح بذلك أول شخصية من أصل مغربي تتولى المنصب وظلت فيه حتى عام 2009.
استقالت داتي من المنصب بعد انتخابها عضوا في البرلمان الأوروبي عقب دخولها غمار الانتخابات الأوروبية ضمن قائمة حزب "الاتحاد من أجل حركة شعبية" عن دائرة إيل دو فرانس في باريس.

وبعد فترة وجيزة من مغادرتها الوزارة للانضمام إلى البرلمان الأوروبي، اتجهت داتي إلى القانون، فأصبحت قاضية ونائبة للمدعي العام.
كما أسست شركة استشارية اضطرت إلى حلها مطلع عام 2010 من أجل دخول مهنة المحاماة. وأمضت عشر سنوات في البرلمان الأوروبي.
وعلى المستوى المحلي، شغلت داتي منصب رئيسة بلدية الدائرة السابعة في باريس وعضوية مجلس المدينة منذ عام 2008.
وفي عام 2020 خاضت سباق الانتخابات البلدية في باريس وعينها على منصب عُمدة العاصمة، لكنها أخفقت في ذلك غير أنها أبدت تطلعها لخوص المنافسة على ذلك المنصب في انتخابات 2026.
ويوم 11 يناير/كانون الثاني 2024، عادت داتي بشكل مفاجئ إلى العمل الحكومي بعد أن اختارها الرئيس إيمانويل ماكرون لشغل منصب وزيرة الثقافة في حكومة غابرييل أتال.
على إثر ذلك، غادرت حزب "الجمهوريين" الذي تشكل عام 2015 على أنقاض حزب "الاتحاد من أجل حركة شعبية"، واحتفظت بمنصبها الوزاري في 21 سبتمبر/أيلول 2024 في حكومة ميشيل بارنييه، ومرة أخرى في 23 ديسمبر/كانون الأول 2024 في حكومة فرانسوا بايرو.
قضايا فساد
واجهت داتي تهما بالفساد بعد أن قرر قضاة في باريس يوم 22 يوليو/تموز 2025 إحالتها إلى المحاكمة إلى جانب الرئيس السابق لمجموعة رينو-نيسان، كارلوس غصن، بتهمة الفساد وإساءة استخدام السلطة، في قضية تتعلق بدفع أموال مقابل استشارات.
وبحسب تقارير إعلامية، يُشتبه أن تكون داتي قد تقاضت "بسرية تامة بل في غياب الشفافية" مبلغ 900 ألف يورو مقابل خدمات استشارية من دون أن تكون قد عملت فعليا، بناء على اتفاق مع شركة تابعة لرينو-نيسان عندما كان غصن رئيسا للمجموعة.

وقد بدأ التحقيق في تلك القضية عام 2019، وكان مكتب المدعي العام المالي الوطني قد طلب في لائحة اتهام تعود إلى شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2024، محاكمة داتي بتهمة الفساد واستغلال النفوذ السلبي من موقعها في البرلمان الأوروبي.
من جهة أخرى، تحدثت تقارير صحفية فرنسية في يونيو/حزيران 2025 عن شبهات وتحقيقات بشأن تلقي رشيدة داتي مبلغ 299 ألف يورو من مجموعة "جي دي أف سويز" أثناء ولايتها النيابية، دون أن تصرّح عن مصدر هذه الأموال للبرلمان الأوروبي.
داتي في كتب
في عام 2011، نشرت رشيدة داتي كتابا حمل عنوان "ابنة امبارك وفاطمة الزهراء.. وزيرة العدل"، روت فيه قصة حياتها ومسيرتها المهنية والشخصية، وكذلك كان بمثابة رد على ما اعتبرته مغالطات وأكاذيب حول نجاحها السياسي والمهني.
وشكلت داتي موضوع كتب كثيرة وضعت حياتها تحت المجهر وحققت نسب مبيعات عالية، وكان من أبرزها كتاب صدر عام 2009 بعنوان "تحت ظل رشيدة"، ألفه شقيقها جمال، الذي واجه متاعب كثيرة في حياته بسبب إدمان المخدرات وتجارتها وهو ما قاده إلى السجن.
وكان كتاب جمال بمثابة تصفية حساب بين الأخ وأخته واستعراض لوسط عائلي "معقد" وفق توصيف الجهة الناشرة للكتاب.