راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة الذي اعتقلته ثلاثة أنظمة تونسية

راشد الغنوشي مفكر وسياسي إسلامي تونسي، من مؤسسي الجماعة الإسلامية في تونس، والتي غيرت اسمها إلى حركة الاتجاه الإسلامي، ثم إلى حركة النهضة. حوكم أكثر من مرة بسبب نشاطه الدعوي والسياسي في عهود الرؤساء الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي وقيس سعيّد.
عاش نحو عقدين في المنفى بالعاصمة البريطانية لندن، ثم عاد إلى تونس بعد سقوط نظام بن علي عام 2011، وأسهم مع حركته في تذليل عقبات المرحلة الانتقالية بعد فوزها في انتخابات المجلس التأسيسي.
ساهمت حركة النهضة برئاسته في تشكيل المشهد السياسي التونسي الجديد عقب ثورة 2011، وتولى منصب رئيس مجلس النواب التونسي في 2019، لكن قرار الرئيس قيس سعيد بتجميد البرلمان في 2021 ثم حلّه أعاده إلى صفوف المعارضة، مما انجر عنه التحقيق معه ثم إيقافه في 17 أبريل/ نيسان 2023 على ذمة جملة من القضايا التي أثارتها ضده السلطة التنفيذية للبلاد.
يوم 14 أبريل/نيسان 2026، أصدرت محكمة تونسية حكما يقضي بسجن راشد الغنوشي مدة 20 عاما، على خلفية قضية "المسامرة الرمضانية"، وذلك بتهمة التآمر على أمن الدولة. وفي 30 من الشهر نفسه، أعلنت حركة النهضة تدهور وضعه الصحي داخل محبسه، بعد نقله إلى المستشفى، مطالبةً بالإفراج عنه وإلغاء الأحكام الصادرة بحقه.

المولد والنشأة
وُلد راشد الغنوشي عام 1941 في قرية الحامة التابعة لولاية قابس جنوب تونس، ونشأ في أسرة محافظة وبسيطة تعتمد على الزراعة مصدرا رئيسيا للعيش، شارك منذ صغره في العمل الزراعي وبيع المحصول إلى جانب مسيرته الدراسية.
وبفعل الظروف المعيشية الصعبة التي واجهتها أسرته، اضطر إلى الانقطاع عن الدراسة مدة عام.
وعلى الصعيد الشخصي، الغنوشي متزوج من فاطمة الجويني، ولهما ولدان وأربع بنات.
الدراسة والتكوين
تلقى الغنوشي تعليمه الابتدائي في مسقط رأسه بقرية الحامة، قبل أن ينتقل إلى مدينة قابس لمتابعة مرحلتي التعليم الإعدادي والثانوي. وبعد حصوله على شهادة من إحدى المدارس القرآنية، التحق بتونس العاصمة لمواصلة دراسته في جامعة الزيتونة، حيث نال شهادة في أصول الدين.
وفي 1964، توجّه إلى القاهرة لدراسة الزراعة في جامعة القاهرة، غير أن التوتر السياسي القائم آنذاك بين الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف أدى إلى منع الطلبة التونسيين من مواصلة دراستهم في مصر، ما اضطره إلى مغادرتها.

انتقل لاحقا إلى دمشق، حيث واصل دراسته الجامعية وحصل على شهادة البكالوريوس في الفلسفة عام 1968. وبعد ذلك، قام بجولة استمرت ستة أشهر في عدد من الدول الأوروبية، شملت تركيا وبلغاريا ويوغسلافيا والنمسا وألمانيا وفرنسا، التقى فيها بالمفكر فرانسوا بورغا، أستاذ العلوم السياسية ومدير الأبحاث في معهد الدراسات حول العالم العربي والإسلامي.
ورغم سعيه لمواصلة دراسته في جامعة السوربون، لم يتمكن من ذلك، ليعود لاحقا إلى تونس.
عمل الغنوشي في مجال التدريس فترة من الزمن، إلى جانب انخراطه في تأسيس عدد من الهيئات الفكرية والدعوية، من بينها الندوة العالمية للشباب الإسلامي سنة 1971، والمؤتمر القومي الإسلامي الذي يجمع بين التيارين القومي العربي والإسلامي.
كما أسهم في تأسيس حلقة الأصالة والتقدم المعنية بالحوار الإسلامي المسيحي، وهو عضو في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
التوجه الفكري
في ستينيات القرن الماضي، تأثر راشد الغنوشي بالتجربة القومية التي قادها جمال عبد الناصر، قبل أن يتجه تدريجيا نحو النشاط الإسلامي، إذ بدأ تحركاته الفكرية والتنظيمية في فرنسا وسط أوساط الطلبة العرب والمسلمين.
وفي أثناء تلك المرحلة، انفتح على عدد من المرجعيات الفكرية الإسلامية، فاطّلع على أعمال سيد قطب ومحمد قطب وأبو الأعلى المودودي ومحمد إقبال ومالك بن نبي وأبو حامد الغزالي وابن تيمية، كما تعرّف على جماعة الدعوة والتبليغ، ونشط في صفوفها خاصة في أوساط العمال القادمين من شمال إفريقيا.

وعقب عودته إلى تونس في أواخر الستينيات، انخرط في العمل الدعوي داخل الأوساط الطلابية وتلاميذ المعاهد الثانوية، وهي القاعدة التي انبثقت عنها لاحقا حركة الاتجاه الإسلامي، التي تحولت فيما بعد إلى حركة النهضة.
وأسهم الغنوشي من خلال خطبه ودروسه ومقالاته ومحاضراته في ترسيخ توجه معتدل ووسطي داخل التيار الإسلامي، سواء في تونس أو خارجها، كما لعب دورا في إعادة طرح عدد من القضايا الدينية والفكرية والسياسية، من بينها مفاهيم المواطنة، والحريات العامة، والديمقراطية، والعلاقة مع العلمانية، ضمن مقاربة إصلاحية تسعى إلى التوفيق بين المرجعية الإسلامية ومتطلبات الدولة الحديثة.
التجربة السياسية
عاد الغنوشي إلى تونس أواخر الستينيات، في ظل سياسات تحديث وعلمنة قادها الحبيب بورقيبة. وانخرط في العمل الدعوي من خلال جمعية المحافظة على القرآن إلى جانب شخصيات بارزة، قبل أن يشارك في تأسيس "الجماعة الإسلامية" عام 1972، التي شكّلت لاحقا النواة الأولى لحركة الاتجاه الإسلامي، ثم حركة النهضة.
وأسهم عبر صحيفة "المعرفة" التي صدرت عام 1974 في نشر أفكاره وانتقاد التوجهات العلمانية السائدة آنذاك.

الاعتقال والملاحقات
اعتقل الغنوشي وحوكم مرات عديدة، فحكم عليه أول مرة بالسجن 11 سنة، قضى منها ثلاثة سنوات (1981-1984) وخرج بعفو عام، فعاد للاحتجاجات والنشاط السياسي، فحكم عليه للمرة الثانية بالأعمال الشاقة والسجن المؤبد عام 1987، وهو ما اعتبره بورقيبة غير كاف وطالب بمعاقبته بالإعدام.
حال انقلاب زين العابدين بن علي يوم 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1987 دون تنفيذ الحكم، وأطلق سراحه في 14 مايو/أيار 1988.
المنفى وإعادة بناء الحركة
بعد تدهور علاقته بالنظام، غادر تونس عام 1989 متنقلًا بين الجزائر والسودان، قبل أن يستقر في لندن حيث حصل على اللجوء السياسي عام 1993. وفي عام 1991 تولى رئاسة حركة النهضة، واستمر في قيادتها من المنفى، قبل إعادة انتخابه عام 2007.
العودة بعد الثورة
أُعيد انتخاب الغنوشي عام 2007 رئيسا لحركة النهضة، قبل أن يعود إلى تونس في 30 يناير/كانون الثاني 2011 بعد 21 عاما في المنفى، عقب الثورة وسقوط نظام زين العابدين بن علي، حينها حظي باستقبال شعبي واسع في مطار تونس قرطاج الدولي.
وعقب فوز الحركة في انتخابات 23 أكتوبر/تشرين الأول 2011 بحصولها على 90 مقعدا من أصل 217 في المجلس التأسيسي، اختار الغنوشي عدم الترشح لأي منصب رسمي، مفضّلا دعم مرشح الحركة حمادي الجبالي لرئاسة الحكومة.

كما لعب دورا محوريا في إدارة الحوار مع مختلف القوى السياسية، مساهما في معالجة قضايا خلافية أثناء المرحلة الانتقالية، من بينها موقع الشريعة في الدستور والحريات العامة.
في 2012، واجه انتقادات من خصومه الذين حمّلوه مسؤولية صعود التيار السلفي، خاصة عقب تصريحات اعتبر فيها أن غالبية السلفيين لا يشكلون تهديدًا أمنيًا، قبل أن يعود لاحقا ليحذر من خطورة هذا التيار على الحريات العامة.
وفي مايو/أيار 2016، أعلن الغنوشي توجه حركة النهضة نحو التحول إلى حزب سياسي مدني يركز على العمل السياسي، مع الفصل النسبي بين النشاط الدعوي والسياسي.
وفي 22 مايو/أيار 2016، أعاد المؤتمر العاشر للحركة انتخابه رئيسا لها، بعد فوزه بأغلبية مريحة على منافسيه. وفي يناير/كانون الثاني 2019، أعلن عدم نيته الترشح للانتخابات الرئاسية، مؤكدا ابتعاده عن السباق الرئاسي.
وعقب الانتخابات الرئاسية في العام نفسه، أعلنت الحركة بقيادته دعم المرشح المستقل قيس سعيد في الجولة الثانية، باعتباره ممثلا لقيم الثورة.

رئاسة البرلمان والأزمة السياسية
منذ توليه رئاسة البرلمان في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، واجه الغنوشي معارضة واسعة من أطراف سياسية مختلفة، إضافة إلى انتقادات من داخل حركة النهضة نفسها، كما دعت بعض القيادات إلى تنحيه وإفساح المجال أمام جيل جديد من القيادات، غير أنه تمسك بمواصلة مهامه.
وفي فترة وجيزة، وجّهت إليه بعض الكتل النيابية اتهامات بسوء إدارة البرلمان والمساهمة في توتير الأجواء داخله، إلى جانب دخوله في خلافات حول الصلاحيات مع رئيس الجمهورية قيس سعيد، ما أسهم في تعميق الأزمة السياسية في البلاد.
وتصاعدت هذه الانتقادات إلى حد تقديم لائحتين لسحب الثقة منه وعزله من رئاسة المجلس، الأولى في يوليو/تموز 2020 والثانية في فبراير/شباط 2021، غير أن البرلمان أسقطهما بعد تصويت أغلبية النواب لصالح بقائه في المنصب.
ما بعد قرارات 2021 والتداعيات
عقب قرارات 25 يوليو/تموز 2021 التي أعلن فيها الرئيس قيس سعيد تجميد البرلمان، رفض الغنوشي تلك الإجراءات واعتبرها خروجا عن الدستور. وتلت ذلك أزمة سياسية عميقة، رافقتها استقالات داخل حركة النهضة وانتقادات لقيادته.

في مطلع أبريل/نيسان 2022، مثل الغنوشي للمرة الأولى أمام الوحدة المركزية لمكافحة الإرهاب، على خلفية مشاركته في جلسة عامة عُقدت عن بُعد لنواب البرلمان المجمّد، خُصصت للنظر في إلغاء الأوامر والمراسيم الرئاسية الصادرة منذ 25 يوليو/تموز 2021.
ومنذ ذلك التاريخ، توالت التحقيقات القضائية معه، على خلفية جملة من التهم التي وجهتها النيابة العمومية التونسية، شملت شبهات تتعلق بغسيل الأموال واستغلال النفوذ، إلى جانب اتهامات مرتبطة بأمن الدولة وإثارة الاضطرابات.
وفي 17 أبريل/نيسان 2023، أوقفت الشرطة التونسية الغنوشي عقب مداهمة منزله، تنفيذًا لمذكرة توقيف صادرة عن القطب القضائي لمكافحة الإرهاب، إذ تم الاحتفاظ به على ذمة التحقيق في قضية مرتبطة بتصريحات أدلى بها أثناء اجتماع دعت إليه جهة معارضة للرئيس قيس سعيد، واعتبرتها السلطات ذات طابع تحريضي.
في مساء 14 أبريل/نيسان 2026، أصدرت محكمة تونسية حكما يقضي بسجن راشد الغنوشي مدة 20 عاما، على خلفية قضية "المسامرة الرمضانية"، وذلك بتهمة التآمر على أمن الدولة.
وفي 30 أبريل/نيسان 2026، أعلنت حركة النهضة تدهور الوضع الصحي لرئيسها داخل محبسه، بعد نقله إلى المستشفى، مطالبةً بالإفراج عنه وإلغاء الأحكام الصادرة بحقه، والتي بلغ مجموعها عشرات السنوات.

المؤلفات
كتب الغنوشي عشرات المقالات الفكرية والسياسية، وألف كتبا عديدة دعمت خط الاعتدال والانفتاح في صفوف الحركة الإسلامية، ورفع اللبس عند كثير من خصومها بخصوص عدد من القضايا من قبيل الديمقراطية وحقوق المواطنة وغيرها، وترجمت بعض كتبه إلى لغات أجنبية عديدة أبرزها الإنجليزية والفرنسية. ومن كتبه:
- "حقوق المواطنة في الدولة الإسلامية".
- "الحريات العامة في الدولة الإسلامية".
- "المرأة بين القرآن وواقع المسلمين".
- "مقاربات في العلمانية والمجتمع المدني".
- "الحركة الإسلامية ومسألة التغيير".
الجوائز والأوسمة
حصل راشد الغنوشي على عدة جوائز وتكريمات دولية تقديرا لدوره السياسي والفكري، من أبرزها جائزة "شاثام هاوس" البريطانية عام 2012 لحرية التعبير، وجائزة ابن رشد للفكر الحر في برلين عام 2014.
وفي 2015 نال جائزة السلام من مؤسسة الأزمات الدولية مناصفة مع الرئيس التونسي الأسبق الباجي قائد السبسي تقديرا لدورهما في دعم الحوار وتجنب العنف في تونس. كما حصل عام 2016 على جائزة دولية من مؤسسة هندية تعنى بنشر القيم الغاندية.
وفي 2017 منحتْه الجامعة الإسلامية بماليزيا شهادة دكتوراه فخرية، كما تم اختياره ضمن قائمة الشخصيات الإسلامية الأكثر تأثيرا في العالم من قبل مركز دراسات أردني.